هيئة التفاوض ولجنة سوتشي الدستورية

تاريخ النشر: 10.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 09:29 دمشق

في الوقت الذي كان يناشد فيه أهالي الغوطة والفصائل العسكرية هيئة التفاوض المنبثقة عن رياض2 تجميد أي نشاط يخص التفاوض للضغط على المجتمع الدولي، كانت الهيئة تعد قائمة للمرشحين لعضوية اللجنة وتعقد ورشات تدريبية حول الدستور، وظهر بوضوح أن خطوة مثل خطوة التجميد غير واردة لديها؛ إذ يعتقد بعض أبرز أعضاء الهيئة أن استمرار العملية السياسية هو إحراج للنظام وروسيا، وأنه الضغط على النظام يقتضي الاستمرار فيها، كان المطلوب إحراج المجتمع الدولي وليس النظام!

وعلى كل حال ليست هي المرة الأولى التي لا ترى فيه الهيئة "شعبها"، ففي مؤتمر سوتشي أوشكت أن تذهب الهيئة إلى المؤتمر إياه، ما أحرجها ليس الموقف الشعبي الواسع والرافض لأي شكل من أشكال المشاركة، وإنما دول طلبت منها في اللحظة الأخيرة أن لا تذهب، وإلا فإن قرارها كان الذهاب إلى المؤتمر، لكنها مقابل ذلك تعهدت للأمم المتحدة أن تقبل بمخرجات المؤتمر  (اللجنة الدستورية) التي لا تعبر عن شيء سوى عن الإرادة الروسية!

لقد عمل ديمستورا مع الروس خلال جلسات المفاوضات 4 – 8 على إلغاء الجدول الزمني الوارد في القرار 2254، من تجزيء التفاوض على سلال تبحث متوازية، ولكنه مع الوقت قال لهم بما أن النظام مستعصي عن أي دخول فعلي في المفاوضات،

"بات معروفاً أن الهيئة باتت مخترقة من موسكو ودول حليفة لها، وأن المخابرات السورية باتت حاضرة بشكل أو بآخر في جلساتها"

فسنركز على أهم سلتين (2 و3) وهما الدستور والانتخابات، والواقع الدستور والانتخابات هما جزء  من تلك السلتين. مانعت شكلياً هيئة التفاوض، وضمن استراتيجيتها (التي تعتبرها واقعية)  صارت الوقائع التي يفرضها ديمستورا مستقوياً بالروس هي الواقعية الوحيدة. 

وما بين جنيف4  وجنيف 8 أطيح بالهيئة العليا للتفاوض وأعيد بناء هيئة تفاوض جديدة تغيرت فيها بنية المعارضة المكونة فيها، فقد بات معروفاً أن الهيئة باتت مخترقة من موسكو ودول حليفة لها، وأن المخابرات السورية باتت حاضرة بشكل أو بآخر في جلساتها، وتعرف تفاصيل ما يدور فيها، وعلى الأرجح لديها محاضرها، في حين يجهل السوريين عموماً ما يدور فيها، وهو أمر يعزز خط التنازلات التي لم تتوقف منذ جنيف4 الكارثي، والتي يمررها الروس دوماً عبر ديمستورا.

اتفقت الأمم المتحدة مع الروس ومع هيئة المفاوضات - التي يتبع جزء منها للروس -  على قبول نتائج مؤتمر سوتشي على أن تتولى الأمم المتحدة عملية تشكيل اللجنة، ويعتقد الكثيرون أن الروس كانوا ينوون فرض اللجنة من طرف واحد، وأن  ضغوط الأمم المتحدة ورفض المجتمع الدولي أدى إلى أن تحال اللجنة إلى الأمم المتحدة، ويُكيَّف أو يؤول القرار 2254 ليكون ملائماً لها، لا العكس. لكن قد تكون هيئة التفاوض قد وقعت في خديعة، وأن تكون اللجنة الدستورية سيناريو أخرجه الروس بالتعاون مع ديمستورا (بالتوافق مع أطراف من المجتمع الدولي) لحسم الانتقال السياسي في فكرة "الدستور" و"الانتخابات"، وتخليص الهيئة من عقدة  "هيئة الحكم الانتقالي" وتغيير مفهوم "الانتقال السياسي" من انتقال جذري يبدأ بمرحلة انتقالية تؤمن بيئة محايدة وآمنة ينتج عنها دستور مؤقت يفضي الى انتخابات، إلى انتقال شكلي يبدأ بدستور معدل عن دستور 2012 أو حتى دستور جديد تعقبه انتخابات لا توفر فيها لا بيئة آمنة ولا محايدة ولا شفافية ولا أية ضمانات بتغيير النظام السياسي، لتكون نتيجة ثورة شهدائها يفوقون المليون وأيتامها أكثر من مليونين، ونازحوها أكثر من 8 ملايين،

"فما من شك أن هيئة شكلت لتمثل إرادات دولية وليس لتمثل إرادة السوريين لديها كامل الاستعداد للقبول بالتنازلات اللازمة والملائمة لتصلب موقف النظام وعدم تزحزحه"

ولاجئوها أكثر من 5 ملايين هو تعديل دستوري وانتخابات شكلية يكون فيها في أقصى حد أحد أعضاء هيئة التفاوض رئيساً لحكومة مثل حكومة محمود الزعبي! في حين تبقى الأجهزة الأمنية والجيش كما هي (مع "إصلاحات" غير جوهرية)، وتنتهي القصة.

لكن ما ينفي أن هيئة التفاوض قد وقعت في خديعة، وأن لها "ثلثي الخاطر" هو التلميحات التي تبرز في تصريحات الهيئة وتركيزها المستمر مؤخراً على الدستور والانتخابات، بالتنازلات فما من شك أن هيئة شكلت لتمثل إرادات دولية لا لتمثل إرادة السوريين لديها كامل الاستعداد للقبول والملائمة لتصلب موقف النظام وعدم تزحزحه أي خطوة في أي اتجاه.

سلمت هيئة التفاوض أسماء أعضاء اللجنة المرشحين من طرفهم، وهم في أحسن حال سيشكلون ثلث أعضاء اللجنة، يحظى الائتلاف (وهو ما تبقى من المعارضة الفعلية) بربع مقاعد هذا الثلث في أفضل الأحوال، وهو ما يعني فعلياً أن تمثيل المعارضة الفعلية في حده الأقصى في اللجنة المذكورة لا يتجاوز 7 % فقط!  تريد اللجنة إحراج النظام الذي لا يرضى إلى الآن بالانخراط في تشكيل هذه اللجنة تحت مظلة الأمم المتحدة، لأنها تريد أن تكون صادرة بقرار من النظام وليس من الأمم المتحدة، لأن النظام يريد أن يثبت شرعية له من خلالها، ووفق الخط الذي تنتهجه الهيئة فمن غير المستبعد باسم "الواقعية" و"إحراج النظام" أن تقبل بمثل هذه الخطوة، فهيئة لموسكو فيها قرار مباشر سيكون هذا اتجاهها على الأرجح، وبشكل أوتوماتيكي ستقبل بانتخابات وفق شروط النظام.

من المفيد هنا أن نذكر أن الجيش النظامي والأجهزة الأمنية، رغم كل شيء، لا يزالان يطاردان السوريين داخل البلاد من دون أسف أو ندم، وبالتالي "من المؤكد أن الرئيس السوري وزمرته المقربة لن يذهبوا إلى أي مكان. ربما تحصل بعض التغييرات السطحية الطفيفة، مثل رئيس جديد للوزراء، أو تعيين وزير جديد للتخطيط، أو شيء من هذا القبيل. غير أن هذه التغييرات لن تنال من أو تطرأ على النواة الأساسية للنظام الحاكم الذي سيبقى ويبقى الأسد في كرسيه. وصياغة الدستور الجديد لن تفيد في شيء. إن المشكلة السورية الحقيقية تكمن في الدولة الأمنية البوليسية التي لا تقبل المساءلة، وتغتال أو تعتقل كل من يطالب بالتغيير الحقيقي بصرف النظر تماماً عن وجود الدستور من عدمه. إن الدولة الأمنية السورية ستخرق وتنتهك مواد الدستور الذي يمكن أن يكون رائعاً على الورق. المشكلة السورية ليست مشكلة دستورية. بل إنها مشكلة تتعلق بحكم وسيادة القانون. وروسيا، التي هي أيضاً دولة بوليسية أمنية، تدرك هذه الحقيقة تمام الإدراك. فهي تفضل الحلول الأمنية المتلفعة بثياب الحلول السياسية. لذا؛ فإن الخطة الروسية المعنية بالحوار الموسع وإجراء الانتخابات الجديدة ليست إلا قصة مثيرة لكل من السخافة والسخرية" كما يقول فورد.

كلمات مفتاحية