هوامش قليلة لأخلاقنا

2022.07.20 | 07:00 دمشق

الثورة
+A
حجم الخط
-A

ربما سوف يصبح الأمر أكثر واقعية لو قلنا أو اعترفنا أننا نحن السوريين، بكل فئاتنا وطوائفنا ومذاهبنا وطبقاتنا وتحالفاتنا وأهوائنا، نحتاج إلى إعادة تأهيل في مستويات متعددة: أخلاقية ووطنية ومجتمعية وإنسانية، فما ظهر منا خلال عقد ونيف من الزمن، وتحديدا بعد الثورة، أي بعد أن تم التخلص قليلا من القبضة الأمنية المسيطرة لمن هو في الداخل السوري، أو بعد التخلص منها نهائيا لمن استطاع النجاة بحياته واللجوء في أرض من أراضي الله الواسعة.

ولكي لا يحملن أحد الثورة مسؤولية ما حدث ينبغي تعريف الثورة أولا:  (هي الخروج عن الوضع الراهن وتغييره باندفاع يحركه عدم الرضا أو التطلع إلى الأفضل أو هو التغيير الكامل لجميع المؤسسات والسلطات الحكومية لتحقيق طموحات التغيير نحو نظام سياسي واجتماعي نزيه وعادل ويوفر الحقوق الكاملة والحرية والنهضة للمجتمع.. ويكيبيديا). وهدا التغيير هو ما أراده السوريون الدين خرجوا في شوارع سوريا يهتفون مطالبين بالحرية التي سوف تؤدي إلى التغيير المرجو لولا أن مفهوم الحرية كان يختلف من سوري لآخر ومن مجموعة سورية لأخرى، فبينما رأى الرعيل الأول من الثورة أن الحرية هي غير مشروطة وأن الثورة كي تنجز كامل أهدافها يجب أن يعمم مفهوم الحرية على كل شيء بدءا من السياسة ومرورا بالمجتمع، والمجتمع هنا يقصد به الحريات الفردية وحرية الاعتقاد وحرية الإيمان وحرية عدم الإيمان، وحرية القول والتعبير وحرية الجسد الخ، بينما في المقابل كان هناك سوريون ثوريون آخرون يخططون لحرية على قد أيديولوجياتهم وعلى مقاس ما يؤمنون به، فالنسبة لهؤلاء كان قسم منهم يعتقد أن النظام السوري قد أعطى السوريين قدرا مبالغا به من الحريات الفردية، والثورة يجب أن تكون لتصحيح هدا الخلل في المجتمع السوري، وإعادته إلى جادة الصواب عبر تطبيق الشريعة وأحكامها على كل المجتمع، أو على الأقل على مجتمع الثورة، بعد أن تحول الكيان المجتمعي السوري إلى كيانين مع وضد. وفي الكيانين ظهر الخراب الدي تربى في طبقات المجتمع السوري عبر سنين طويلة.

في سوريا اختفت الهوية السورية تماما لصالح كل الهويات الأخرى التي احتلت النسق الأول والتي ارتكبت باسمها جرائم لا تحصى ولا يمكن أن تخطر في بال أحد لفرط وحشيتها

ربما (كوني أعيش في مصر من أكثر من عشر سنوات)، يمكن ملاحظة الخراب السوري بالقياس للمصري في بنية المجتمعين، فرغم كل الخلخلة التي تعرض لها المجتمع المصري بسبب الاستبداد والتفقير والتجهيل والإقصاء وتهميش الأقاليم وتزييف المدن الكبيرة وتغيير دهنية المجتمع، فإن ثورة الربيع العربي في مصر بكل الفشل الذي منيت به لم تعمل على طمس الهوية الوطنية المصرية لصالح هويات أخرى قد تتصارع فيما بينها لكنها تتصارع في النسق الخلفي للهوية الأولى للمصريين: مصر، لم يغير الانقسام الحاصل في المجتمع المصري حول الثورة من أولوية الهوية المصرية، لا يمكن لأي فريق مصري أن يدافع عن محتل لمصر تحت أي ذريعة، ولا يمكن للمصريين المدنيين ارتكاب مجازر فاحشة ضد فئات أخرى من المجتمع اللهم إلا في حالة التنظيمات المصنفة إرهابية، بينما في سوريا اختفت الهوية السورية تماما لصالح كل الهويات الأخرى التي احتلت النسق الأول والتي ارتكبت باسمها جرائم لا تحصى ولا يمكن أن تخطر في بال أحد لفرط وحشيتها، ورحب السوريون بمختلف فئاتهم بالعديد من الاحتلالات خلال العقد الماضي، ومع كل ترحيب بمحتل توجد مظلومية ما تستخدم كذريعة لهذا الانحطاط الوطني.

أما على المستوى الأخلاقي الإنساني فقد انكشف العفن الذي عاش فينا طويلا وظهر وطفا على السطح ليصبح هو متن صفاتنا وليصبح نبلنا وإنسانيتنا هي الهوامش التي لا يبدو منها إلا القليل. لم يترك السوريون بعد الثورة صفات وشتائم إلا وألصقوها بالطرف الآخر، لم يتركوا طريقة للتحقير والتصغير إلا وقالها طرف ضد طرف آخر، لم يتركوا مروية شعبية وسردية فلكلورية أو طقسية إلا وحولوها إلى حقيقة ضد طرف ما من الأطراف السورية، لم تبق طريقة للاستباحة والإساءة والنهش والنبش في التواريخ والحياة الشخصية لأي طرف إلا وحصلت ونشرت إلى العلن لم تبق شتيمة لم تستخدم ولا تهمة لم تلصق لم تبق طريقة للأذية إلا وتم استخدامها من طرف ضد آخر.

وطبعا بات معروفا ما فعله السوريون ضد بعضهم البعض في ما كان سابقا مناطق الثورة وقت الحصار من احتكار واستغلال مادي ومعنوي وجنسي وكل ما يمكن أن يخطر في البال، كما هو معروف أيضا ما حدث من سرقات ونهب وتجارة آثار وغير ذلك من طرق الخراب وأصنافه. أما ما حصل في السجون والمعتقلات التابعة للنظام والفصائل الأخرى أو الممارسات والانتهاكات التي حصلت فذلك ما بات معروفا ومفضوحا ومكشوفا أمام العالم.

وطبعا لا فرق هنا في الخراب بين مدعي العلمانية أو مدعي الإسلام ولا بين مثقف ومتعلم أو جاهل وأمي ولا بين ابن ريف وابن مدينة ولا بين غني وفقير، الخراب كان مثل كأس شرب منه الجميع ثم تقيؤوا ما شربوه على بعضهم البعض وعلى الرابط الذي كان يفترض أنه يربط الجميع به: الوطن السوري، الدي تحول إلى خرابة أو مستنقع برمال ضحلة متحركة تشد إليها وتبلع وتخفي كل ما يمكنه أن يكون مخالفا ليبقى الخراب طافيا تجاوره الضحالة والانحطاط.

الحال الآن بعد فشل الثورة وهزيمتها وخروج فرص التغيير من أيدي السوريين فما علينا جميعا نحن السوريين التفكير به هو إعادة بناء هوية سورية حقيقية وإعادة صياغة عقد أخلاقي مجتمعي يتناسب مع تطور العالم والعلم

والحال الآن بعد فشل الثورة وهزيمتها وخروج فرص التغيير من أيدي السوريين فما علينا جميعا نحن السوريين التفكير به هو إعادة بناء هوية سورية حقيقية وإعادة صياغة عقد أخلاقي مجتمعي يتناسب مع تطور العالم والعلم ويأخذ في حسبانه المتغيرات الحاصلة في شكل العلاقات المجتمعية في العالم دون أن يمس بعقائد البشر ودون أن يفرض لونا أو شكلا أو عقيدة موحدة على المجتمع.

وبالطبع أمر مثل هذا يجب أن يحدث على أيدي وبجهود مؤسسات سورية بحثية أو أفراد موثقين ومختصين ممن لم تلوثهم السياسة والحرب ولم يتورطوا في دهاليز الاتهامات المتبادلة والصفقات السياسية المشبوهة، وهو ما أظنه لن يحدث إلا على يد الأجيال الشابة الحديدة التي تكبر الآن في مجتمعات أخرى تعطي قيمة للفرد كفرد، ما يعني أنه على السوريين الانتظار وقتا طويلا حتى حصول التغيير المرجو.