هندسة الخراب.. الدولة العقارية المتوحشة

تاريخ النشر: 08.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 13:45 دمشق

جاءت عائلتي من ريف حماة وسكنت دمشق، وقد كان بإمكانها  أن تستقر في أي مدينة سورية بحكم عمل والدي في قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية (الشرطة)، ورغم أننا عشنا ما يقارب نصف قرن في (الشام) إلا أن رنة اللهجة الريفية وقافها المتوسطة الفجاجة ظلت ظاهرة في حديثنا أنا وإخوتي مع الآخرين من سكان المدينة أو المتحدرين من أرياف أخرى.

السلوك الطبيعي العفوي، والتحدث ببساطة، لم يبقيا  على حالهما بعد أن باتت اللهجة مرتبطة بأبعاد سلطوية، فحين يترقب المستمع إلى كلامك والنبرة في طريقة حديثك، وشكل الحروف وهي تخرج من فمك ليبني على هذا تحديده لأصلك وفصلك، ويبرمج على أساس هذا الأمر طريقة تعامله معك، وحرصه أو خوفه منك، كان عليك وعلى غيرك ممن لا يرغبون ببناء علاقات مع مواطنيهم على أساس الانقسامات الطائفية أو المناطقية أن يمارسوا تقية لغوية أو لهجاتية!

ولكنني رغم تمرسي باللهجة الشامية، ومعرفتي للفروق بين ألحانها المتوزعة بحسب أحيائها، كنت أعود إلى ريفيتي حين أغضب، وأنفعل؛ أحزن بشدة أو أفرح بصخب، ففي لحظات مثل هذه يجد المرء العزاء لذاته بفطرته، فلا يحتاج لقناع أو غطاء، إذ يذهب إلى أقصى حالاته كما هو، دون فلترة أو تركيب أصبغة على ملامح الوجه، أو تنميق لمخارج الحروف، أو فذلكة في التعبير عن النفس.

حاجاتي من دمشق كشخص ذي أصول ريفية، كانت في إطارها العام لا تخرج عن الضرورات التي فرضها نمط التطور الذي جلبه نظام البعث إلى سوريا،

كانت دمشق هي الحاضرة الأكبر في البلاد تليها حلب، وكان من الطبيعي أن يغدو السكن في المدينة مطمعاً للكثيرين، فكيف إذا كان هذا المنتهى قد جاء عبر التقاعد ونهاية الخدمة!؟

فشعارات التنمية والتطوير الاشتراكي الموجه، أبقت الوضع على ماهو عليه؛ أرياف زراعية فقيرة، يتم استنزاف طاقاتها، ودفع شبابها للالتحاق بمؤسسات الدولة الخدمية، بينما تتضخم المدن الكبرى سكانياً دون إيجاد آليات منظمة ومرخصة لإسكان من يتم جلبهم من الأرياف!

كانت دمشق هي الحاضرة الأكبر في البلاد تليها حلب، وكان من الطبيعي أن يغدو السكن في المدينة مطمعاً للكثيرين، فكيف إذا كان هذا المنتهى قد جاء عبر التقاعد ونهاية الخدمة!؟

لقد صحوت على الدنيا فوجدت نفسي في سياق لم أصنعه أو أشارك بصناعته، أعيش في الشام مع أبنائها الأصليين، أدرس معهم، وأشرب من ذات الماء التي يشربون، ولكنهم كانوا يعيشون في مناطق منظمة في الحيز الراسخ من المدينة إدارياً، بينما كنت أعيش مثل مئات آلاف السوريين في مناطق المخالفات، أي تلك المناطق التي كانت في أصلها أراضٍ زراعية، تم بيعها بالمفرق، إلى موظفي الدولة (الجيش والأمن والمؤسسات وغيرها)، بأسعار رخيصة نسبياً ليتمكنوا من بناء  منازل متواضعة غير مرخصة عليها ، تقيهم شر دفع آجار بيوت باهظة الثمن، لا تتناسب مع مداخيلهم البخسة!

دمشق ووفق المعادلة المعيشية السابقة، انقسمت بفعل سياسات الدولة البعثية إلى مدينتين: عتيقة، يمكن ملاحظة تفاصيلها في الشام القديمة، وفي المناطق المستحدثة خارج السور، وهذه المناطق تم وضع الإطار العمراني لها أثناء الانتداب الفرنسي، وتمت متابعة تنفيذه مع مشروع المهندس الفرنسي إيكوشار، حيث يلاحظ النمط العمراني الفرنسي في العديد من أحياء و شوارع المدينة مثل شارع بغداد والمهاجرين، وغيرها.

أما المدينة الحديثة، فهي عشرات المناطق العشوائية الصغيرة، التي قام ببنائها أولئك الريفيون الذين أرادوا أن يستروا أنفسهم، بعد أن تركوا دون سكن نظامي، فامتدت مساكنهم بشكل سرطاني خارج المناطق المنظمة، فقضمت قسماً كبيراً من غوطة دمشق، وتعربشت على جبل قاسيون، ووصلت إلى المزة وحدود دمر وقدسيا، فصارت طوقاً مشوهاً حول المدينة، يرطن سكانها بلهجات الأرياف السورية كلها، وفق توزيع يغلب عليه طابع المناطقية، دون أن يتحول إلى كانتونات صافية، بل إن عملية الخلط بين السكان كانت تتبع في كثير من الأحيان إما لطبيعة العمل، وإما لطبيعة الأسعار وقدرة الموظفين على الشراء والبناء!

لقد تمت عملية تقسيم دمشق هذه تحت علم وسمع وبإرادة النظام، لا بل إنها كانت جزءاً من سياق تأسيس الفساد الذي بات طابع الدولة، وسياقها؛ فالمواطن الذي يشتري بضع قصبات (القصبة=24,25  متر مربع) كان يضطر لدفع مبلغ ما لمراقبي البلدية كي يتغاضوا عنه وهوي يبني منزله المتواضع، ولا يقومون بتدميره لاحقاً، وهؤلاء لن يكونوا خارج سلسلة الفساد التي يفترض أن يتقاسم جميع منتسبيها جعالات يأخذونها من المواطنين الضحايا،

إن هؤلاء الذين يسكنون بيوت المخالفات في دمشق العاصمة، هم العينة الأكثر تعبيراً عما حدث في سوريا البعثية،

وفي الوقت نفسه كان بيع مواد البناء هو جزء من آلية استرزاق لشريحة مختلفة من الفاسدين الذين يتواطؤ معهم موظفون كبار في مؤسسات الدولة ليمنحوهم تراخيص الاستيراد، حيث تتم تغطية هؤلاء من قبل حلفاء تقاسموا المناصب في إدارات الأجهزة الأمنية!

وهكذا بملاحظات سريعة مدققة سيكتشف أي باحث أن هؤلاء الذين يسكنون بيوت المخالفات في دمشق العاصمة، هم العينة الأكثر تعبيراً عما حدث في سوريا البعثية، وبشكل أو بآخر يمكن اعتبارهم استثمار العائلة الأسدية، موزعاً على من حولها وتحتها في مراتب الدولة المتوحشة، فبعد مرور عدة عقود على هذه المعادلة الفاسدة، وضمن سياق سياسة التطوير والتحديث التي ادعاها بشار الأسد، والتي تضمنت في بعض فصولها بناء مساكن شبابية حديثة، تم الاستيلاء على الأراضي من أصحابها في ريف دمشق، وبناء مجمعات سكنية كان لابد من التسجيل عليها، لدى مؤسسات الإسكان، ما أدى إلى ظهور تجارة (الدور السكني)، وبالتوازي مع هذا كان الإسكان التعاوني عرضة للفساد أيضاً حيث يقوم كثيرون ممن يتمتعون بالدعم الأمني، أو ينتمون لحظائر مراكز القوى، بشراء الأدوار في الجمعيات السكنية، ليقوموا لاحقاً ببيعها للمحتاجين الذين لم يقدروا على بيروقراطية الإجراءات أو فساد موظفي الإدارات، ويلاحظ هنا أن شرائح واسعة من الطبقة الوسطى في سوريا قد تورطت في هذه التجارة، حيث شارك فيها الموظف والمهندس والطبيب والصحفي والفنان وغيرهم من المهن!

كانت زيارة المرء بناء السجل العقاري الضخم في شارع الثورة في دمشق، تجعله يسمع اختلاط اللهجات المحلية جميعها، ويرى التشكيلة السورية الأسدية كلها؛ بضعة موظفين دمشقيين كبار في السن، يتقنون قواعد العمل العلنية والسرية، وسبل التحايل على محدداته وزواجره ونواهيه القانونية، إضافة إلى منتسبين آخرين لهذه المؤسسة، ينتمي الجزء الأكبر منهم للساحل، مع نسب أقل من المحافظات الأخرى، تم دعم تعيينهم من قبل ضابط أمن هنا، أو موظف ذي سلطة هناك.

وبينما تقاسمت "الذئاب الشابة" التي جاء بها بشار الأسد معه إلى الواجهة حصص الاقتصاد السوري، كانت سوريا بمدنها الكبرى وأريافها ذات الطبيعة الاستثمارية الخدمية يتم تقاسمها عقارياً أيضاً، بين هؤلاء الذين أرادوا الاستيلاء على القطع الكبيرة في الرقعة، وبين (الضباع) الصغيرة التي وجدت لنفسها حصصاً مناسبة تركزت بشكل أساسي في قطاعات مربحة مثل الجمعيات السكنية التي تبنيها الدولة، أو الجمعيات التعاونية، وبيع وشراء الأدوار فيها، لقد وجد هؤلاء أنداداً وشركاء لهم في هذه القطاعات، يعملون على مقاس محدد يُمنع عليهم تجاوزه، ضمن تراتبية الفساد السائد.

كان عمل هؤلاء يشبه عمل الطفيليات التي تعتاش على جلد الكائنات الحية، فهؤلاء يترزقون من بيروقراطية الدولة وقوانينها، ويتمكنون من نسج العلاقات بين أقطاب الفساد، فالأرض التي استولت الدولة عليها من أصحابها بحجة النفع العام، بنت فوقها  مقاسم سكنية، لا يمكن للمواطن العادي أن يحصل على شقة فيها، دون واسطة أو دعم، والعلاقة مع الداعم الأمني المتمكن تمنح المستفيد إمكانية حصوله على عشرات الشقق،

وضمن سياق حرب النظام على الشعب وقواه الثائرة، كانت الماكينة الحربية تهدم وتحرق كل ما يمكن لها أن تدمره، وبعد سبع سنوات ينكشف المشهد عن مدن باتت شبه مدمرة بالكامل

التي سيبيع حصصه فيها مقابل مبلغ تحدده بورصة السكن الخفية، وهكذا سيستفيد الجميع، لتصل السلعة في النهاية لا لمستحقيها الأصليين، بل لمن يستطيع تلبية حاجيات كل هذه العلاقات والتي لن يتخيل أحد مدى توسعها وقدرتها على التحكم بما يجري.

لقد ثار السوريون، وقد تركزت ثورتهم في المناطق العشوائية الفقيرة، وفي الأرياف التي عانت من توحش الدولة، واستيلاء المتحكمين فيها على ميراث الآباء والأجداد، من أراضٍ تمت سرقتها، إما بوضع اليد من قبل إحدى فرق الجيش، أو عبر سياسة التملك بحجة النفع العام، وضمن سياق حرب النظام على الشعب وقواه الثائرة، كانت الماكينة الحربية تهدم وتحرق كل ما يمكن لها أن تدمره، وبعد سبع سنوات ينكشف المشهد عن مدن باتت شبه مدمرة بالكامل، بعد أن تم الإفراط بالتعاطي مع ثائريها عسكرياً، حيث استخدمت البراميل المتفجرة مقابل قذائف الهاون، والمدافع الثقيلة مقابل الأسلحة المتوسطة والخفيفة، لقد كانت حرب إمحاء حقيقية، لا حرب دولة ضد "إرهابيين".

ولكن كيف أمكن لهؤلاء أن يدمروا كل هذا التدمير دون أن يرف لهم جفن؟ أو دون أن يشعروا بالأسى لتدميرهم أماكن عاشوا فيها أو عاش فيها أقرانهم؟! هل كانت تتحكم بهم لهجاتهم التي ربما  تصبح أكثر غلظة وقسوة في لحظات الغضب؟ أم أن اللهجة لم تعد مهمة في عملية تشكل الكتلة الفاسدة التي تتحكم بحيوات السوريين ومصيرهم!

بالتأكيد لا مكان في عالم المال الأسود لألحان الكلام ومذاهبه، بل ثمة مكان واسع لرغبات التملك ودهس ذوات  الآخرين والاستيلاء على أملاكهم بعد قتل أحلامهم، وحين يشعر سدنة هذا العالم المحميون من قبل مافياته، أنهم قد تمكنوا من تحييد معارضيهم، وتدمير قوتهم، يمكن لهم بكل بساطة أن يشرعنوا عملية السرقة والتدمير، فيصبح إصدار قانون الاستيلاء على أملاك المواطنين الغائبين المهجرين المطرودين من بلادهم، رقم 10، مجرد خطوة تسهل لقطعان الذئاب والضباع أن تفعل ما تريد، طالما أنها قتلت شعباً كاملاً وأفلتت وماتزال من العقاب.

كلمات مفتاحية