هل يقاضي النحات البريطاني غرين نظام الأسد بسبب سرقة رأس حصانه؟

تاريخ النشر: 27.09.2020 | 06:34 دمشق

آخر تحديث: 27.09.2020 | 08:55 دمشق

إسطنبول - فؤاد عزام

أعادت آليات محافظة دمشق تمثال رأس الحصان إلى ساحة المالكي بعد أربع وعشرين ساعة على إزالته إثر انتقادات بأن التمثال منسوخ عن منحوتة أصلية لأكبر تمثال برونزي نصب في لندن في العام 2011، وبأنه يشكل حالة ترف في وقت يئن فيه السوريون تحت وطأة الأوضاع المعيشية الخانقة.

محافظة دمشق بررت إعادة تركيب رأس الحصان بأن التمثال الذي وضع يوم الأحد وأزيل يوم الإثنين، تمت إعادته الثلاثاء الماضي بعد استدراك بعض المشكلات الفنية، فيما بدا أن المحافظة تعرضت لضغوط من صاحب مشروع إعادة تأهيل ساحة المالكي الذي تكتمت المحافظة عن اسمه واكتفت بالإعلان على لسان عضو مكتبها التنفيذي فيصل سرور إلى أن المبادرة هي تقدمة لمحافظة دمشق من رجل أعمال دون أن يذكر اسمه.

 

119984764_3579978545387920_8968015811721344605_n.jpg

 

كذلك لم يذكر حسام جنود النحات الذي أنجز التمثال في معمله اسم رجل الأعمال مكتفياً بالحديث بأن إقامة التمثال تم بناء على طلب الجهة صاحبة المشروع. إلا أن منشورين على فيس بوك أطلقهما رجل الأعمال وسيم قطان المدرج على قائمة العقوبات الأميركية، أشارا إلى أنه هو المشرف على إعادة تأهيل ساحة المالكي، إذ دافع بقوة عن نسخ التمثال، وقال من الضروري توطين الإبداع والجمال.

صاحب استثمارات يلبغا يقفز إلى برج النظام

لم يسبق لوسيم قطان وهو خريج كلية الفنون الجميلة ويشغل حالياً رئيس غرفة تجارة ريف دمشق أنه أبدع عملاً فنياً خاصاً به، أو أظهر اهتماماً بالفنون الجميلة، في حين أن نشاطه منصب كأحد أثرياء الحرب ضمن إطار المال والأعمال، إذ رسا عليه عقد استثمار مجمع يلبغا الذي أقيم على أنقاض أبنية أثرية تعود للعهد المملوكي، كمركز تجاري وتسوق، ومرآب للسيارات، ومكاتب، إضافة إلى استمثارات كبيرة من بينها مول قاسيون وفندق الجلاء الرياضي، ويعد واحداً من الأسماء التي برزت في الحرب مثل سامر فوز ومازن الترزي، في ظل تراجع أسماء سابقة مثل رامي مخلوف ومحمد حمشو وعماد غريواتي.

كان من الممكن إبقاء التمثال وإصلاح بعض العيوب الفنية التي ظهرت بعد تثبيته، ولا تتعلق بالبنية الفنية للتمثال، إلا أن مسؤولين في المحافظة على ما يبدو تبين لهم تأثير حجم الانتقادات بأن العمل مسروق فأزالوا التمثال، ولكن صاحب المشروع المدرج على قائمة العقوبات الأميركية، وأحد أثرياء الحرب كان له الرأي الفصل في ذلك.

ما الهدف من وضع تمثال الحصان في ساحة المالكي؟

ويثير اسم وسيم قطان كمسؤول عن وضع التمثال وتأهيل ساحة المالكي، تساؤلات حول العنوان الذي يريد النظام وضعه لتوجهه القادم، وهو الواجهة الجديدة له في هذه المرحلة بعد تنحية رامي مخلوف، في وقت درج النظام على وضع تماثيل حافظ الأسد دون سواها.

وقال الكاتب والسناريست السوري حافظ قرقوط لموقع تلفزيون سوريا "نحن أمام نظام لا ذائقة فنية أو مدنية لديه بل هو نظام هدم معنوي ومادي في سوريا"، مضيفاً أن "النظام لا يجرؤ على وضع تمثال لحافظ الأسد في ساحة مرتبط اسمها باسم عدنان المالكي، الشخصية القيادة العسكرية الوطنية، كي لا تتم المقارنة بين الشخصيتين، فهي تعري شخصية حافظ الأسد أكثر وأكثر، عدا عن أن النظام يعمل دائما على تكريس فكرة أن حافظ الأسد حالة استثنائية".

وقال قرقوط إن القائمين على نصب التمثال أرادوا فتح جدل من نوع آخر يتعلق بمنهجية منظمة للتقليل من قيمة شخصيات سورية في الذاكرة العامة. وربما اختاروا هذا التمثال للفت الأنظار وإثارة جدل عالمي حول ما يدعونه من مدنية النظام بإبعاد تمثال شخصية عسكرية ووضع حالة فنية خاصة أن فكرة التمثال مسروقة من بريطانيا وهي الدولة التي يأمل النظام بأن تكون مكاناً لتجديد علاقاته العامة دولياً من خلال التسويق الإعلامي.

وأضاف قرقوط إن وسيم القطان ليس صاحب رأي في نظام يفرض موافقة أمنية من أجل تصوير مشهد مسلسل بحديقة عامة، فكيف بوضع تمثال بهذه الطريقة، "إنها لعبة من قبل دائرة النظام وشبكته الدعائية نفذها قطان وهذا حجمه ليس أكثر كأحد الأدوات التنفيذية".

ويأتي نصب التمثال في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية للأهالي إذ بلغت ذروتها مع أزمة البنزين التي أصابت مناطق سيطرة النظام بالشلل منذ بداية الشهر الحالي، مترافقة مع تصاعد أزمة الخبز والماء والكهرباء، ما جعل العديد من رواد التواصل الاجتماعي يتحدثون بأن التمثال جاء مستفزا لمشاعر الأهالي.

نصب التمثال.. انتهاك للحقوق الملكية الفكرية

وبعيداً عن الدوافع وراء إقامة تمثال رأس الحصان في دمشق، إلا أن نحت نسخة من تمثال بحد ذاته وعرضه في ساحة على الملأ يشكل نوعا من أنواع القرصنة وانتهاكاً لحقوق الملكية، ولا سيما البند المتعلق بحق المؤلف الذي يتضمن المصنفات الفنية مثل اللوحات الزيتية والرسوم والصور الشمسية والمنحوتات والتي تندرج في إطار قائمة المصنفات المحمية بموجب حق المؤلف في كل أنحاء العالم.

 

photo55.jpg
النسخة الأصلية من المنحوتة في لندن

 

ويقول المحامي غزوان قرنفل مدير تجمع المحامين السوريين لموقع تلفزيون سوريا إنه من حيث المبدأ يملك الفنان الذي صنع النسخة الأولى من المنحوتة وصار المنتج ملكية فنية، الحق في أن يقاضي النظام باعتبارها انتهكت حقوقه الفنية واستنسخت نموذجاً عن تلك الملكية الفنية دون إذن منه وله أن يطالب بالتعويض المادي عن ذلك وإلزام حكومة النظام تقديم التعويض وإزالة النموذج المقلد عن المنحوتة، كما يمكن مقاضاة النظام من الجهة التي تملك الحقوق الفنية وقد تكون بلدية مدينة ما قد اشترت تلك الحقوق ونصبت المنحوتة.

وأضاف قرنفل "إن النظام لا يعبأ ولا يقدر نتائج أفعاله ويستهتر بالقوانين وبالتالي صار لزاماً على كل جهة دولية لديها السبب والقدرة على مساءلته عما يفعله ويرتكبه من تجاوزات على حقوق الآخرين ومن انتهاكات وجرائم، أن يعملوا ليضعوا حدا لهذا الانفلات والتفلت الذي تمارسه سلطة دولة هي أقرب إلى مافيا دولية".

حول التمثال المنسوخ

نحات التمثال حسام جنود وهو صاحب معمل صب برونز، صرح لقناة روسيا اليوم بأن العمل نفذه بناء على طلب الجهة المشرفة على مشروع الساحة معترفا بأن العمل بالأساس مبني على النسخ.

وفي هذا الصدد يعلق النحات السوري إياد دوارة لموقع تلفزيون سوريا بقوله "ما يتعلق باستنساخ عمل فني عن النسخة الأصل، من الممكن للفنان نسخ أي تمثال أو لوحة فنية تعجبه بهدف الاحتفاظ فيها بمنزله أو مرسمه وهذا وارد، أما أن يقوم الفنان بنسخ تمثال لعرضه في ساحة عامة دون موافقة الفنان الأساسي صاحب فكرة العمل فهذا يعد سرقة فكرية وإبداعية".

وأوضح دواره أنه وبعد رؤية التمثالين يتضح وجود تطابق تام وكامل بين النسختين، مع فارق وحيد هو تأثير العوامل الجوية على النسخة الأولى التي تشكلت عليها مادة الزنجار بحكم القدم.

من الصعب أن يلمس السوريون عملاً إبداعياً خيراً للنظام، ويصب جله أو قسم منه في إطار مصلحتهم، عدا عن إبداعه في صناعة الموت والتجويع، والحصار والكذب على المجتمع الدولي كما على الأهالي. على الرغم من محاولاته تغطية سلوكه الوحشي بصورة إنسانية، ما يذكر بما كان يقوله هتلر بأنه مغرم بالاستماع إلى أعمال الموسيقار ريتشارد فاغنر، أو ديكتاتور تشيلي بأنه يستمع إلى موسيقا بتهوفن.

لا شك أن النحات حسام جنود الآن في موقع لا يحسد عليه وقد ضبط متلبساً بسرقة فكرة تمثال، هذا إن كان فناناً حقيقياً، ولن تستطع قوة وسيم قطام المالية أن تغطي هذه الفضيحة، وحاله ليس ببعيد عن حال فنانين ومثقفين اشتراهم النظام في إطار اللعبة المستمرة " المثقف والسلطة " والتي تترجم " التجويع أو الخضوع "، وقد يضحي به النظام في حال أقام الفنان البريطاني نيك فيديان غرين صاحب رأس الحصان، دعوى سرقة مجهود إبداعي في إطار قوانين حماية الملكية الفكرية، مع العلم أن فكرة الحصان ذات خصوصية تتعلق بتاريخ بريطانيا وتمثل معركة، كان الحصان هو الناجي الوحيد فيها.