هل يسمح النظام حقا بعودة المهجرين؟

هل يسمح النظام حقا بعودة المهجرين؟

هل يسمح النظام حقا بعودة المهجرين؟

تاريخ النشر: 30.11.2020 | 23:02 دمشق

آخر تحديث: 30.11.2020 | 23:08 دمشق

صدرت في الآونة الأخيرة تصريحات عديدة من جانب بعض المسؤولين لدى نظام الأسد، وخاصة محافظ دمشق، بأنه سيتم السماح لأهالي بعض المناطق المهجرة في محيط العاصمة، بالعودة إليها، وفق شروط معينة، تتعلق أساسا بالسلامة الإنشائية للأبنية، وبالحصول على الموافقات الأمنية.

ومثل هذه التصريحات تكررت في الشهور والسنوات الماضية، دون أن تترجم إلى واقع ملموس حتى الآن بالنسبة لمعظم المناطق، ما يدفع للتساؤل حول حقيقة رغبة النظام في عودة أهالي بعض المناطق، وهل العراقيل التي تحول دون ذلك، هي سياسة مقصودة، تتصل بما يقال عن خطط للتغيير الديمغرافي في بعض المناطق، أم أن الأمر يرتبط فعلا بظروف قاهرة، لا حول للنظام فيها ولا قوة!.

والواقع أن الحديث عن "التغيير الديمغرافي" ليس جديدا في عهد حكم نظام الأسد، ومنذ وصول الرئيس السابق حافظ الأسد إلى السلطة قبل خمسة عقود، كان ثمة تفكير بإحداث نوع من التغيير الديمغرافي البطيء، لضمان سيطرته بشكل كامل على دمشق، وربطها بمنظومة أمنية لمواجهة أي انقلاب عسكري محتمل. وعمل النظام على استجلاب عشرات آلاف الشباب من الساحل السوري، وتطويعهم في الأجهزة الأمنية والجيش. كما أنشأ أحياء خاصة أسكنهم فيها على أطراف العاصمة دمشق، مثل عش الورور المطل على حي برزة، والمزة 86 المطل على حي المزة، وحي الورود المطل على دمر، فيما أنشأ شقيقه رفعت حي السومرية المقابل لمنطقة معضمية الشام، وسمّاه باسم ابنه "سومر".

ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية ربيع عام 2011، وتحول مناطق ريف دمشق إلى معاقل رئيسية لمعارضة النظام بدءا من المظاهرات السلمية، وصولا إلى الثورة المسلحة، وجدها النظام فرصة، لتشريد سكانها، وهدم مناطقهم، دون أي تعويضات، بحجة أنه يكافح الإرهاب والمجموعات المسلحة، واستكمل ذلك بإصدار سلسلة قوانين وتشريعات تتيح استثمار من أنجزته الآلة العسكرية على الأرض.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المهجرين خارج سوريا والبالغ عددهم نحو 7 ملايين شخص في السنوات التسع الماضية (أكثر من ربع السكان) هم من العرب السنة و10% من المسيحيين و10% من الكرد والبقية من طوائف أخرى، وتتقارب هذه النسب مع تلك التي تنشرها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى عن أصول اللاجئين بحسب المدينة التي قدموا منها. وبالنسبة للمهجرين داخليا، والبالغ عددهم حاليا نحو 5 ملايين شخص، فإن نحو 80 بالمئة منهم هم من العرب السنة أيضا.

قوات النظام والقوى التي تقاتل معها، دمرت خلال الحرب السورية نحو ثلاثة ملايين مسكن، بشكل كلي أو جزئي

والمتتبع لمسار العديد من الحملات العسكرية التي شنها نظام الأسد في السنوات الأخيرة على المناطق التي كانت تحت سيطرة قوات المعارضة، لا بد أن يلحظ بوضوح أنها اشتملت على قدر عال من التدمير غير المبرر عسكريا، باستخدام الطيران الحربي والبراميل المتفجرة والمدفعية والصواريخ، بهدف تهديم أكثر ما يمكن من المباني، والبنية التحتية، وجعل الحياة غير صالحة فيها مستقبلا. وحسب إحصائيات مختلفة، فإن قوات النظام والقوى التي تقاتل معها، دمرت خلال الحرب السورية نحو ثلاثة ملايين مسكن، بشكل كلي أو جزئي. وفي هذا السياق، تشير وقائع الحملة العسكرية لقوات النظام والميليشيات التابعة لها على الغوطة الشرقية في شباط فبراير 2018، وعلى جنوب دمشق بعد ذلك، إلى أن الهدف الرئيس منها كان تدمير هذه المنطقة بشكل كامل ومتعمد بحجة محاربة فصائل المعارضة وتنظيم "الدولة"، وذلك في إطار خطط أوسع لإعادة "تأهيلها" عمرانيا وسكانيا، مع إبعاد أو تقليص "الفائض السكاني" (من الفقراء أو المعارضين للنظام) عن مناطق حيوية لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن قلب العاصمة دمشق. وتعتبر منطقة جنوب دمشق التي تضم العديد من المدن والبلدات، واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في سوريا كلها، حيث كان يعيش فيها قبل عام 2011 نحو 3 ملايين نسمة يتوزعون على مساحة محدودة نسبيا.

ومنذ ما قبل الثورة، كانت هذه المنطقة، يضاف إليها منطقتا نهر عيشة والدحاديل اللتان تشكلان المدخل الجنوبي لدمشق، محل اهتمام الدوائر الاقتصادية النافذة في النظام، لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى في ذلك الحين، لأنها مناطق حيوية وقريبة جدا من قلب العاصمة، وهي في معظمها مناطق مخالفات سكنية. لكن العقبة الرئيسة التي كانت تعيق خروج مخططات "تطوير" تلك المناطق، كانت تتمثل في الكتلة السكنية الضخمة الموجودة فيها، وصعوبة إيجاد مساكن بديلة لأصحابها. وقد تم آنذاك إعاقة العديد من مشاريع الاستثمار الخارجية التي عرضت تأمين حلول للسكان المحليين مثل تلك التي قدمتها شركة "إعمار" الإماراتية، لأن أصحاب النفوذ الاقتصادي التابعين للنظام، وفي مقدمتهم رامي مخلوق وشركاته، كانوا يريدون هذه المشاريع لأنفسهم.

وحتى بالنسبة للعديد من المناطق التي استعادتها قوات النظام من المعارضة منذ 2013، لم يسمح لسكانها بالعودة إليها طيلة سنوات، إلا بشكل محدود، بحجة أنها تحتاج إلى إعادة إعمار، بالرغم من أن نسبة التدمير فيها لم تكن عالية نظرا لعدم حدوث معارك كبيرة فيها آنذاك. وحين سمح النظام بعودة الأهالي إلى تلك المناطق مثل السبينة وحجيرة والسيدة زينب، وهي مناطق مهمشة أصلا، تركها دون أية خدمات لكي تبقى غير جاذبة للسكن، كما سلط عليها أجهزته الأمنية وعناصر الميليشيات، ما جعل الهجرة إلى خارج البلاد هي هدف معظم الشبان فيها.

ولا تقتصر خطط النظام، التي يعتقد أن أياديَ إيرانية تحرك بعضها، على ريف دمشق، بل تشمل أيضا مناطق في العاصمة نفسها، ومحيطها القريب مثل حي جوبر ومدينة داريا التي تم تهديمها وتهجير سكانها بالكامل، ولم يسمح لهم بالعودة ليها حتى الآن. فيما تنشط فرق إيرانية دينية وعمرانية وأمنية داخل المدينة من أجل تحويلها إلى مستعمرة إيرانية، بحجة وجود ما يسمى بمقام السيدة سكينة فيها. يضاف إلى ذلك، منطقة الرازي في حي المزة واللوان في كفرسوسة اللتين تم تشريد سكانهما أيضا، وتوجيه إنذارات لهم بهدم منازلهم، وهما منطقتان شهدتا مظاهرات مناوئة للنظام في بداية الحراك الشعبي.

من أبرز الأساليب التي اتبعها النظام لتهجير سكان بعض المناطق، سياسة الأرض المحروقة والتدمير المتعمد، والمجازر المتكررة

كما يجدر الملاحظة بأن خطط إيران والنظام لا تقتصر على المناطق التي خرجت فيها مظاهرات معارضة أو كان فيها وجود عسكري للمعارضة مثل مخيم اليرموك والحجر الأسود وخان الشيح والزبداني ومضايا وعين الفيجة وعين الخضراء وبسيمة بريف دمشق، والقصير بريف حمص، وبعض أحياء حمص القديمة التي تم تهديم معظمها، وبعض أحياء شرق حلب، بل تشمل أيضا مناطق في دمشق نفسها لم تخرج أبدا عن سلطة النظام، خاصة بعض أحياء دمشق القديمة التي تم تهجير كثير من سكانها بوسائل أخرى عبر الضغوط الأمنية والاقتصادية وافتعال الحرائق والرشوة والابتزاز.

ومن أبرز الأساليب التي اتبعها النظام لتهجير سكان بعض المناطق، سياسة الأرض المحروقة والتدمير المتعمد، والمجازر المتكررة، ومحاصرة بعض المناطق بشكل تجويعي، ثم فك الحصار مقابل تهجير سكانها، وعمليات الاغتصاب المقصودة في السنوات الأولى للثورة، وعمليات الاعتقال الواسعة والتعذيب حتى الموت، إضافة إلى تدمير دوائر السجل العقاري أو ملفات ووثائق الكاتب بالعدل أو المحاكم في العديد من المناطق في ريف دمشق وحمص ودير الزور وغيرها، عبر قصفها بالطيران، وذلك بهدف تضييع حقوق الناس، وجعل ممتلكاتهم عرضة للاستيلاء عليها، وتقديمها لأعوان النظام، وعناصر الميليشيات الإيرانية.

وإضافة إلى مؤشرات سوء النية، والتهجير المتعمد هذه، التي تبطل دعاوى النظام بشأن السماح بعودة المهجرين لمناطقهم، فضلا عن دعواته الدعائية لعودة اللاجئين في الخارج، فإن هذه المزاعم تصدر أصلا عن حكومة مفلسة تستجدي المساعدات الخارجية لتأمين المستلزمات الأساسية مثل الوقود والكهرباء وحتى المنتجات الغذائية، ما يجعل الحديث عن إعادة إعمار المناطق المهدمة بطائرات النظام وبراميله وصواريخه، مجرد مزحة، ومحاولة مكشوفة للحصول على مساعدات دولية، وتعويم النظام سياسيا، وهو ما رفضه مجمل المجتمع الدولي، قبل تحقيق تقدم على طريق الانتقال السياسي، وفق القرارات الدولية ذات الصلة.

مقالات مقترحة
بسبب كورونا.. ملك الأردن يقبل استقالة وزيري الداخلية والعدل
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين