هل يستفيد الروس في سوريا من درس فيتنام الاقتصادي؟

تاريخ النشر: 27.05.2021 | 08:29 دمشق

وقف الاتحاد السوفييتي جنباً إلى جنب مع القيادة الفيتنامية في الشمال، ضد التدخل الأمريكي في فيتنام التي دعمت حكومة سايغون في الجنوب، والذي وصل بالرئيس الأمريكي كنيدي أن وقع معاهدة صداقة وتعاون اقتصادي بين بلاده وفيتنام الجنوبية في أبريل/ نيسان 1961، والجدير بالذكر أن عدد الجنود الأمريكيين الذين أرسلوا في حينه 400 جندي فقط وهو العدد نفسه للجنود الأمريكيين حالياً في سوريا! إلى أن وصل عددهم إلى 550 ألفاً في 1968.

دفع الاتحاد السوفييتي تكاليف اقتصادية باهظة بمعايير تلك الفترة من أجل دعم الفيتناميين حيث بلغ الدعم الاقتصادي 1.7 مليار دولار والدعم العسكري 1.3 مليار دولار ما بين عامي 1968 و 1973 وأعلى تقدير أنها وصلت 8 مليار دولار ما قيمته الحالية 23-48 مليار دولار أمريكي.

انتهت الحرب في فيتنام وقتل مليونا فيتنامي، وخلفت الحرب 3 ملايين جريح، و12 مليون لاجئ فيتنامي وهو رقم شبه مطابق للرقم في سوريا مابين عامي 2011 و 2021، وخرجت الولايات المتحدة من فيتنام.. ولكن المشكلة هي ماذا بعد هذا الخروج هل انتعش الاقتصاد الفيتنامي؟ هل عاش الفيتناميون عيشاً رغيداً؟ والسؤال الأهم: ماذا استفادت روسيا من حقبة ما بعد الحرب الفيتنامية؟

خرج آخر جندي أمريكي من فيتنام في مارس 1973 ولكن ظل الفيتناميون الشماليون مصرّين على استرجاع فيتنام الجنوبية وظلوا كذلك في حرب حتى يناير 1975 واحتفلوا بدخول سايغون 30 أبريل 1975، وظلت المأساة الاقتصادية والشعب الفيتنامي في بؤسه وفقره حتى بعد خروج الأمريكيين.

كان على الفيتناميين الانتظار حتى عام 1986 حتى يبدؤوا إصلاحات السوق أو ما أسموه "دوي موي" والتخلي عن التخطيط المركزي، وانفتح الاقتصاد على قوى السوق من العرض والطلب في المناطق الريفية، وأنهت الحكومة العمل الجماعي وسمحت للمزارعين بالاحتفاظ بما زرعوه وبيعه في الأسواق.

انتعش إنتاج الأرز بشكل كبير، مما جعل فيتنام واحدة من أكبر مصدري الأرز في العالم، كما نمت صادرات الشاي والقهوة بشكل ملحوظ في المدن، بدأت المصانع الجديدة في إنتاج الأحذية والملابس وأجهزة الكمبيوتر التي سيتم بيعها في بلدان أخرى، وبحلول عام 2001  كان الاقتصاد الفيتنامي ينمو بسرعة بنحو ثمانية في المئة سنويًا.

ويقف المتأمل اليوم ليرى أن التبادل التجاري بين روسيا وفيتنام عام 2020 لا يتجاوز 4 مليارات دولار حيث بلغ إجمالي قيمة الصادرات إلى فيتنام 2.1 مليار دولار أمريكي بينما تجاوزت صادرات فيتنام إلى روسيا 2.44 مليار دولار أمريكي، بينما التبادل التجاري بين فيتنام والولايات المتحدة عام 2018 بلغ 54 مليار دولار حيث قامت فيتنام بتصدير 43.5 مليار دولار للولايات المتحدة بينما استوردت منها 11.7 مليار دولار.

لقد ارتفع التبادل التجاري بشكل أكبر عام 2020، وفقًا لأرقام التجارة الأمريكية، حيث ارتفعت تجارة فيتنام مع الولايات المتحدة إلى 46.43 مليار دولار أمريكي خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2020، بزيادة قدرها 10.76 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي قبله، وكذلك سجّلت الولايات المتحدة ارتفاعًا في الواردات، ولكن انخفضت الصادرات إلى فيتنام، مع عجز تجاري قدره 34.77 مليار دولار أمريكي لصالح فيتنام.

التقديرات الروسية المالية لكلفة الوجود العسكري الروسي في سوريا هي 7 مليون دولار يومياً بمعنى أن 2000 يوماً منذ سبتمبر 2015 تجاوزت مبلغ 14 مليار دولار كان الشعب الروسي أحوج إليها من أجل تنميته الاقتصادية ليخلق فرص عمل لجيش العاطلين عن العمل الروس ويدفع بعجلة التنمية الاقتصادية، إضافة إلى أن ذلك التدخل كلّف روسيا سمعتها الدولية بسبب رفعها 16 مرة فيتو في مجلس الأمن منذ 4 تشرين الأول عام 2011 بوقوفها إلى جانب النظام السوري ضد الشعب السوري الذي خرج مطالباً بالحرية التي هي للمصادفة الأهداف نفسها لحزب البعث الحاكم!

دخل الروس عسكرياً في سبتمبر 2015 ولم يكتفوا بدعم للنظام السوري والحؤول دون سقوطه بل قاموا بحماية الوجود العسكري للإيرانيين الذي لم يكن يقوى على البقاء على الأرض السورية هو وميليشياته الطائفية لولا الحماية الجوية الروسية، وربما عَلمَ الروس منذ اللحظة الأولى لدخولهم سوريا المنهكة اقتصادياً والمفلسة سياسياً أنه لايمكن لهم استرداد ديونهم عبر هذا النظام المتهالك بل لابد من الإسراع بحل سياسي والبدء بعملية إعادة الإعمار.

قام الإيرانيون بمزاحمة روسيا داخل سوريا محاولين بكل السبل تقاسم الثروات القليلة المتبقية في سوريا، حيث لا يبدأ الروس توقيع أي اتفاقية روسية - سورية من أجل تعزيز المكانة الروسية الاقتصادية في سوريا إلا ويُلحقها الإيرانيون باتفاقيات مماثلة من مثل توقيع 11 اتفاقية دفعة واحدة بين إيران والنظام السوري عام 2019، والأنكى من ذلك هو محاولة إغاظة الروس بتوقيع وزير الدفاع في حكومة النظام السوري، العماد علي أيوب، ورئيس أركان الجيش الإيراني، اللواء محمد باقري، اتفاقية شاملة للتعاون العسكري، بهدف تعزيز أنظمة الدفاع الجوي السورية في يوليو 2020 متجاهلين الوجود الروسي تماماً.

صنّاع القرار الروسي يحتاجون إلى استراتيجية نهوض سوري حقيقي يستفيد منها الجميع، بحيث يتجاوزون قانون قيصر عبر الاستغناء عن خدمات النظام السوري وبذلك يتم تطبيق القانون بسهولة من حيث عودة اللاجئين والنازحين وإخراج السجناء وتُفتح صفحة جديدة في سوريا تقودها روسيا بحكومة جديدة، وعندها يتم عقد مؤتمر إعادة إعمار تساهم فيه كل دول العالم وخاصة دول مناطق النفوذ الحالية ولايعد هنالك أي عائق أمام دخول الشركات الأوربية والعربية والصينية والأمريكية والتركية والروسية إلى السوق السورية.

المهم في المرحلة الثانية من عمر سوريا التي يأمل السوريون أن تبدأ عام 2021 بحكومة تكنوقراط سورية بحيث لا تحتاج سوريا لأن تنتظر عشر سنوات أخرى من العذابات الاقتصادية والفقر المدقع حتى تضع اقتصادها على السكة الحقيقية كما حصل في فيتنام التي كانت حليفة الاتحاد السوفييتي وعانت من الجوع والفقر بأكثر من عقد بعد خروج أمريكا، ولا داعي لتكرار تجارب يخسر فيها الشعب السوري المظلوم على مدى خمسة عقود من الديكتاتورية ودساتير تكرس التسلطية، بل يحتاج الدستور السوري إلى البند الثامن الوارد في الدستور الروسي الذي يعرف اقتصاده بأنه اقتصاد سوق، ومن مثل الدستور الفيتنامي الذي يعرف بأن توجهه الاقتصادي يتبع سياسة اقتصاد السوق حيث إنه يشجع حسب الدستور توفر الظروف المواتية لرجال الأعمال وشركات للاستثمار والإنتاج والقيام بالأعمال التجارية لأنها تؤمن بدور تلك المؤسسات في المساهمة في التنمية المستقرة وتضمن سلامة الممتلكات القانونية للأفراد ولشركات الاستثمار وأنها لا تخضع للتأميم، واحترام قواعد السوق وممارسة التفويض واللامركزية، حيث ذُكر الاقتصاد 33 مرة، والتنمية 23 مرة.

إن الإسراع باستبدال تركيبة النظام الحالية بمنظومة اقتصادية ذات رؤية استراتيجية عالمية مثل فيتنام اليوم التي اقتحمت الأسواق الأمريكية حيث صدّرت فيتنام إلى الولايات المتحدة الأمريكية من الهواتف المحمولة والمعدات ذات الصلة بقيمة 6.95 مليار دولار أمريكي، ومن الأثاث وقطع الغيار 2.91 مليار دولار، والأحذية الرياضية والنسيجية 1.76 مليار دولار أمريكي، ومن المقاعد 1.49 مليار دولار، ومن أشباه الموصلّات الحساسة للصور 1.42 مليار دولار أمريكي.

بل إن روسيا استفادت من فيتنام المدنية الحيوية اقتصادياً حيث تمتلك فيتنام 22 مشروعًا استثماريًا في روسيا تبلغ قيمتها نحو 3 مليارات دولار أمريكي، كما أن أحد أكبر وأبرز الاستثمارات الفيتنامية تشمل 2.7 مليار دولار أمريكي لمجموعات تي إتش غروب في مزارع الألبان في منطقة بريموري.

أصبحت فيتنام نقطة جذب سياحية للروس. في عام 2017، وصل أكثر من 512 ألف سائح روسي إلى فيتنام، بزيادة قدرها 30 في المئة على أساس سنوي حيث يزور فيتنام سنوياً نحو 600 ألف روسي، لتحتل المرتبة السادسة بين جميع الدول من حيث عدد الزوار.

 

إضافة إلى أنه من أجل استكمال الفائدة التي ستجنيها روسيا وسوريا معاً هو أنه عليها مساعدة سوريا على الخروج من المشروع الفارسي الذي يسعى لتدمير المؤسسة العسكرية الوطنية واستبدالها بميليشيات على الطريقة اللبنانية والعراقية حيث تسحب البساط من تحت الروس الذين لن يعودوا قادرين على تصدير سلاحهم الحديث إلى الجيش الوطني الذي يكون قد دمّره النظام الايراني استجابة لمشروعه الطائفي الغريب عن بنية المجتمع السوري الذي يسعى لبناء مجتمع مدني راق.

إن تطوير المرافئ السورية والخدمات والبنية التحتية السورية والتأكد من وجود حكومة وطنية مؤهلة غير حزبية وبعيدة عن أي أيديولوجيا هدفها الأساسي هي بمنزلة تعويض حقيقي للسوريين عما لاقوه من عذابات - مثل أخوتهم الفيتناميين - أمر حيوي سيسجّل لروسيا من جهة، ويدفع بتعزيز العلاقات الاقتصادية الحقيقية التي تتجاوز التصريحات الإعلامية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وتكون روسيا بوضع أفضل من وضعها في الحالة الفيتنامية التي استفاد الأمريكيون 30 مرة أكثر من روسيا من حيث التبادل التجاري.

إن طي صفحة النظام السوري الحالي الذي أوصل الاقتصاد السوري إلى الحضيض وجعله أفقر وأفسد دولة في العالم قد تعيد إدخال روسيا اقتصادياً إلى الشرق الأوسط والعالم من البوابة السورية بطريقة حضارية بعيدة عن العسكرة، ومدخل للتقارب الأمريكي الروسي، والتقارب الروسي الأوربي أيضاً حيث تصبح الشركات الروسية والغربية تساعد على إعمار سوريا يداً بيد لحظة بدء عملية إعادة إعمار سوريا بطريقة حضارية وبشفافية ضمن دولة القانون والعدالة حتى يسجل التاريخ أن الروس كانوا وراء النهوض الاقتصادي الحقيقي لسوريا الذي يستفيد منه الشعبان الروسي والسوري ولعله يُنسي السوريين الصور السلبية والمعاناة التي لاقوها من الطائرات الروسية، كما نسي الفيتناميون صور طائرات ال بي 52 الأمريكية وهي تقصف هانوي وهايبونغ، بل بات الأمريكان اليوم أفضل شريك اقتصادي لفيتنام عام 2020.

فهل يستفيد الروس من تجربتهم في فيتنام ويُخالف الروس التوقعات بمساعدتهم السوريين في تحقيق المعجزة الاقتصادية السورية وتجاوز النظام السوري الحالي غير القابل للتسويق والتعويم والمساعدة في بناء حكومة تكنوقراط وطنية والتصالح مع العالم، تلك المعجزة تحققت في فيتنام التي ارتفع ناتج دخلها القومي من 6.7 مليار دولار إلى 261 مليار دولار عام 2019!

كلمات مفتاحية