icon
التغطية الحية

هل يستعد الفنانون السوريون للخريف؟.. الموديل العاري يثير جدلا حول سقف الحريات

2025.08.23 | 14:16 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.23 | 16:08 دمشق

منحوتة في كلية الفنون الجميلة بدمشق ـ (فيس بوك)
منحوتة في كلية الفنون الجميلة بدمشق ـ (فيس بوك)
دمشق ـ زيد قطريب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أثار قرار منع استخدام الموديلات العارية في مشاريع التخرج بكلية الفنون الجميلة بدمشق جدلاً بين الطلاب، الذين اعتبروه انتهاكاً للحرية الأكاديمية وتشويهاً للعملية التعليمية، مطالبين بالتراجع عنه.
- القرار جاء في ظل توتر بين الفضاء الثقافي والإدارة الجديدة، مع رقابة مشددة على الفنون، حيث أكد العميد أن القرار يستهدف الموديل العاري "الحي" فقط، مراعاةً للعادات والتقاليد.
- رغم تأكيد العميد على إمكانية رسم الجسد العاري من الخيال، يخشى الفنانون من أن يكون القرار بداية لمنع أوسع، مع ترقب لما ستؤول إليه الأمور في موسم المعارض الفنية.

فجأة، استعر جدل "الموديلات العارية" في كلية الفنون الجميلة بدمشق، إثر قرار صدر عن عميد الكلية فؤاد دحدوح، طالب فيه رؤساء الأقسام في الجامعة، بـ"المتابعة والإشراف على أعمال التخرج، بما يتماهى مع ثوابتنا الأخلاقية والمجتمعية، وعدم السماح بتشكيل أعمال تحاكي الموديل العاري، في أعمال النحت والتصوير والحفر". مؤكداً بأن الطلاب المخالفين للقرار، سينالون علامة الصفر في مشاريع التخرج!.

لكن "الحراك الطلابي" في كلية الفنون، لم يتأخر بالرد، فأصدر الطلبة على الفور بياناً، رفضوا فيه القرار، ووصفوه بأنه "انتهاك صريح للحرية الأكاديمية، ومساس باستقلال المناهج، وتشويه لبنية العملية التعليمية".

ولم يكتف بيان "الحراك الطلابي" بذلك، فقد عاد إلى تاريخ الفنون، مذكراً عميد الكلية، بأن "رسم الجسد العاري، كان حجر الأساس في تعليم الفنانين، منذ أكاديميات عصر النهضة وحتى مدارس الفنون المعاصرة، لأنه يجمع بين الصعوبة التقنية والعمق التعبيري".

الحراك الطلابي يخرج إلى العلن

ولأن "الجامعة فضاء مستقل لا وصاية عليه، والمناهج التعليمية ليست مجالاً للقرارات التعسفية، أو التهديد بالعقوبات"، طالب البيان بـ"التراجع الفوري عن هذا القرار، وتقديم اعتذار علني باسم وزارة التعليم العالي وعمادة كلية الفنون الجميلة".

الفنون الجميلة

"الحراك الطلابي"، الذي يخرج للمرة الأولى إلى العلن، فاجأ عمادة الكلية، والإدارة السياسية الجديدة، ببيان قاس، كأن الطلاب يقولون: "طفح الكيل"، فقد سبق لمسؤول من الإدارة، أن أعلن خلال لقاء مع بعض الفنانين التشكيليين، أن التشخيص في الفن مرفوض، خاصة ما يتصل منه برسم جسد المرأة، أما بالنسبة لفن النحت، فقال المسؤول إنه ممنوع كلياً. وهو ما تسبب بحالة غضب وتوجس مما هو آتٍ من قرارات، قد تحاول حرف الذائقة البصرية السورية عن مسارها. وتلك معلومات خاصة حصلنا عليها.

إثر ذلك، تنادى الفنانون لعقد اجتماع موسّع، في صالة زوايا بدمشق، مع المهتمين بالثقافة والإعلام، عبر خلاله الجميع عن مخاوفهم مما "يُطبخ" للفنون في الفترة القادمة. وزاد من تفاقم الهواجس، ما حصل بعد ذلك اللقاء بأيام، عندما عُزل رئيس اتحاد التشكيليين السوريين "المنتخب"، وتم تعيين شخص آخر بقرار سياسي.

العلاقة إذن، لم تكن طيبة بين الفضاء الثقافي من جهة، والإدارة الجديدة من جهة أخرى، منذ الشهور الأولى بعد التحرير. وتجلى ذلك في الرقابة على نشر الكتب وتداولها، وأيضاً النشر في وسائل الإعلام، بشكل ظهر فيه سقف الحرية واطئاً جداً، على عكس ما كان ينتظره الجميع!.

اتصلنا بالدكتور فؤاد دحدوح، لنستوضح أسباب القرار في هذا الوقت بالذات. فأكد لنا أن القرار صادر منذ عام 1974، "لكننا نؤكد عليه"، ونقصد "منع الموديل العاري "الحيّ"، من الحضور في الكلية، بهدف إنجاز مشاريع التخرج، وليس منع رسم الجسد بشكل عام".

ونسأل الدكتور دحدوح، عن سبب غياب كلمة "الحيّ" عن القرار، حتى يفهم في سياقه المراد منه؟ فيقر بالخطأ، ويعد بتصحيح ذلك من خلال منشور على فيس بوك. ويشير دحدوح، إلى قرارات مشابهة اعتمدت في دول عربية مجاورة، مثل مصر، بعد تدخل الأزهر، وفي العراق أيضاً. ويضيف:"العادات والتقاليد عندنا، لا تسمح بوجود جسد المرأة العاري كموديل، ضمن الكلية" لكننا نذكره بوجوده الموديل العاري الحي، في كلية الفنون بدمشق، وقد اشتهرت امرأة من جنسية عربية تدعى "أم حنان" بجلوسها كموديل عار داخل الكلية، إضافة إلى ممثلة سورية شهيرة، كانت تقوم بهذا الدور، قبل أن تنتقل نهائياً إلى الدراما والتلفزيون. فيجيب دحدوح:"هذا كان في نهاية السبعينيات، لكن الواقع تغير لاحقاً، ومنذ ذلك الوقت حتى الآن، لم يحضر الموديل العاري الحي في الجامعة نهائياً".

الموديل "الحي العاري" غير موجود!

إذن، ما السبب في صدور هذا القرار اليوم، مادام الموديل العاري الحيّ، غير موجود أساساً؟ هل هو مقدمة لمنع الفنانين من رسم الجسد أو نحته؟ مثلما ألمح مسؤول في الإدارة الجديدة، عند اجتماعه بمجموعة من الفنانين في الشهور الأولى بعد التحرير؟.

يقول دحدوح، إنه ممن يرسمون هذا اللون، فالأجساد العارية تحضر في لوحاته كثيراً، ويقول: "هل يعقل أن أصدر قراراً أستهدف به نفسي؟".

ضبابية القرار واحتمال التأويل فيه، زاد من توجس الفنانين، فالصياغة استبعدت كلمة "الحي" عندما تحدثت عن الموديل العاري، وهو ما يعني رفض رسم الجسد العاري، سواء في مشاريع التخرج أم في رسومات الفنانين التي تعرض في المعارض الشخصية والصالات الخاصة.

لكن دحدوح، يرفض هذا الاستنتاج، ويؤكد لنا بأن ما هو مقصود هو الموديل العاري "الحي"، فنسأله عن موقف رؤساء الأقسام واللجان، إذا قام الفنان برسم جسد عارٍ من خياله، وليس نقلاً عن موديل "حي" يجلس أمامه، هل سيُرفض عمله ويُمنع، وإذا كان هذا العمل مشروع تخرج، هل سينال الطالب علامة الصفر. فيؤكد دحدوح عدم صحة ذلك ويقول: "عندما يرسم الفنان جسداً عارياً من خياله، لا شأن لنا به، وما نستهدفه هو جلوس هو الموديل العاري الحيّ، أي جلوس امرأة عارية كموديل، في الكلية، من أجل أن يرسمها الفنان".

اتصلنا بعدة رسامين ونحاتين سوريين، لكن للأسف أبدوا مخاوفهم من ذكر أسمائهم والتصريح العلني بآرائهم، خوفاً من التبعات، لكن الكل أجمعوا على وجود سقف واطىء للحرية في مجال الفنون، حتى إن إحدى النحاتات الشهيرة قالت لنا: "كنا نظن أن سقف الفنون أصبح مرتفعاً جداً، لكننا تفاجأنا أنه يهبط على رؤوسنا"!.

يقول الفنان التشكيلي عصام درويش: "في العام 1976 ربما كنت من أواخر طلاب كلية الفنون الجميلة، الذين رسموا موديلاً عارياً لفتاة مصرية عملت كموديل في كلية الفنون الجميلة بدمشق. بعدها وفي سياسة مداورة بعثية ألغيت وظيفة الموديل العاري بكلية الفنون بدمشق وحتى أيامنا هذه".

ويؤكد درويش: "لذلك فإن القرار، بعدم السماح بتشكيل أعمال تتعلق بالموديل العاري في أعمال النحت والتصوير والحفر.. الخ"، الذي اتخذته عمادة كلية الفنون، لا يتعلق أبداً بمنع وظيفة الموديل العاري بكلية الفنون، الذي هو ممنوع أصلا منذ نهاية السبعينيات، بل هو منع لرسم الجسد العاري في أعمال طلاب التخرج والتهديد بعلامة الصفر لمن يخالف القرار، أي الرسوب. وهذا يعني أن رسم الجسد العاري صار ممنوعاً، وهي سياسة جديدة تتبعها كلية الفنون الجميلة ولا يمكن لكلمات مناورة وردت في القرار أن تتستر عليها".

في حين كتبت الفنانة فيفيان الصايغ: "في كلية لا ترى العيون، ولا تسمع النبض ولا تستحي من الصمت، قرروا أن الفن يجب أن يكون مؤدباً مطيعاً بلا تفاصيل مزعجة.. فلا ترسموا لحماً. اللحم يثير الأسئلة، والأسئلة ممنوعة، ولا تصوروا انحناءة ظهر، الانحناء ضعف ونحن نريد فناً مستقيماً.. ارسموا كراس.. كراس فارغة بلا أحد بلا ذاكرة بلا دفء.. ارسموا جداراً، جداراً لا يشتكي لا يتنفس لا يعترض.. وإذا سألتم: أين الإنسان؟ سيجيب المنهاج: الإنسان فكرة قديمة، والفن الجديد لا يحتاج إلى جسد، يكفيه تصريح ختم وابتسامة بلا معنى".

هل يستعد الفنانون للخريف؟

بقي أن نذكر، أن قرار عميد الكلية حمل الرقم 25\ص.د\25814، وقال إنه يستند إلى حاشية معاون وزير التعليم العالي، على كتاب سابق يتعلق بهذا الشأن، ويحمل الرقم 7591 تاريخ 21\7\2025، وهو ما دفع الفنانين للاستنتاج بأن القضية أكبر من مجرد قرار صدر بالخطأ عن عميد الكلية، إذ إن في المسألة كتب أخرى وحاشية لمعاون وزير التعليم العالي، وهو ما فاقم الهواجس هو الآخر.

في كل الأحوال، لم يحدث حتى الآن، أن مُنعت لوحة تشكيلية أو منحوتة عارية في معرض يقيمه أحد الفنانين. وقد حدث هذا الأمر فعلاً في معرض أقامه الفنان يوسف عبدلكي في صالة كامل بدمشق مؤخراً. لكن "الميّة ستكذب الغطاس" في المرحلة المقبلة، كما يقول أحد الفنانين، حيث النشاط التشكيلي يبلغ ذروته في الخريف المقبل، عندها سيتبدد ضباب قرار كلية الفنون، وتتضح حقيقة المواقف على الأرض.. هكذا يضبط الفنانون أعصابهم.. وينتظرون!.