هل يخرج بوتين من المستنقع السوري؟

تاريخ النشر: 15.02.2021 | 00:03 دمشق

مع انطلاق ما سُمِّي "الربيع العربي"؛ ومع قرار استعمارات الأمس التدخل السافر في شؤون هذا الربيع، لحماية دكتاتوريات همّها البقاء، مقابل الحفاظ على مصالح قوى الخارج؛ لم يُسمَح لروسيا بوتين أن تكون جزءاً من التحالف الدولي الذي دخل سوريا؛ إلا أن روسيا تدبّرت أمرها مع حاكم دمشق "مهتز العرش"؛ وبالتنسيق مع قوة إقليمية صاحبة مشروع توسعي خبيث /إيران/؛ ودخلت لحماية منظومة الأسد الاستبدادية.

عَمِلَ هذا الغرب الاستعماري على احتواء روسيا بوتين مستغلاً ملفاتها الإجرامية المتراكمة، والممتدة من الشيشان إلى جورجيا فالقرم، وبنى على طموحات بوتين المَرَضيّة والتي حدّدها "أوباما" بوصفه روسيا كمجرد "قوة إقليمية كبيرة". وهنا تمَّ تصميم استراتيجية احتواء؛ يمكن تسميتها "استراتيجية احتواء المُرْتَكِب" لإنجاز جملة من الأهداف في سوريا الهامة جداً لكل تلك القوى المتدخلة بشؤونها:

أولها - تعهيد الملف السوري لبوتين صاحب الطموح المَرَضيّ، وثانيها - استصدار قرارات أممية بلا أنياب لإدارة المأساة السورية، لا لإنهائها، وثالثها - تسجيل نقاط سياسية واستراتيجية سوداء على روسيا بوتين لإغراقها أكثر بسوء أفعالها، وإبقائها كما وصّفها "أوباما".

صدّق بوتين نفسه؛ وتفاعلت طموحاته الشخصية باستعادة أمجاد إمبراطورية الروس بدور جديد، كمقرر لمصير شعب ودولة قُرب المياه الدافئة؛ فتصرّف كدب هائج: - سياسياً عبر الفيتو، الذي حمى به إجرام نظام الأسد؛ وعسكرياً عبر "السوخوي"، التي راكمت ملفات الإجرام على كاهله.

لم يكن بوتين غبياً ليغيب عن ذهنه المستنقع الذي أُريد إدخاله في أتونه؛ فسارع إلى استثمار الفخ الغربي ذاته، مستنداً إلى دعوة "الشرعية الأسدية" له؛ وبدأ عملية وضع اليد على سوريا عبر عقود طويلة الأجل مع "الشرعية الأسدية"؛ إلا أن التحالف الدولي، وعلى رأسه أميركا، حَرَمَه مما أُطلِق عليه اسم "سوريا المفيدة" فعلاً، حيث النفط والماء والقمح. وهنا، وجد بوتين نفسه محاصراً بين شمال سوري بغربه وشرقه بيد التحالف وتركيا، كحليفين لمن يعارض الأسد الذي يحميه، من جانب؛ وباقي سوريا تحت نفوذ إيران، التي تزاحمه في حماية الأسد، من جانب آخر. وللمفارقة مِن قبل إسرائيل، التي تستبيح ذلك النفوذ بالتنسيق معه ومع طموحاته بكسب ودّها، من جانب ثالث.

تجلى التخبط البوتيني، وعمى القلب بالموقف الروسي الأخير في مجلس الأمن؛ حيث وقف ممثل بوتين في وجه تفعيل حقيقي لعملية السلام في سوريا

كسب بوتين بجدارة عداء كل من احتكَّ معهم بشأن القضية السورية: - زاد توتر العلاقات بينه وبين أميركا والغرب الأوروبي؛ - أصبح رهينة للخبث والاستغلال الإيراني والأسدي؛ - تحول إلى خادم لطموحات المشروع الصهيوني في المنطقة؛ والأهم من كل هذا، - كسب عداءً أزلياً تجاه شعب سوري ينشد الحرية والخلاص من ربق الاستبداد الأسدي، حيث حالَ دون ذلك بإصرار ومكابرة.

تجلى التخبط البوتيني، وعمى القلب بالموقف الروسي الأخير في مجلس الأمن؛ حيث وقف ممثل بوتين في وجه تفعيل حقيقي لعملية السلام في سوريا، عندما رافع عن انتخابات أسدية لا شرعية لها. والمفارقة أن الفعل الروسي هذا، وما يشابهه من إفراغ القرارات الدولية من مضمونها، يحدث مرة تلو الأخرى؛ وهذا الغرب، الذي يمتلك معظم أدوات اللعبة، يستمر بالتمتع بالغباء الروسي، ويطمئن على إدارته "الناجحة" للمأساة السورية.

كيفما كانت أهداف بوتين، وكيفما كانت أشكال معيقاتها، فإن الجهة الأكثر عرقلة لها هي نظام تمرّس على اللعب فوق أكثر من حبل. ومن حق أي سوري أن يسأل ها هنا: هل يَغْفُلُ بوتين عن العبارة الأشهر بتوصيف علاقة الأسد الأب بالاتحاد السوفيتي؛ والتي تقول: إن "قلب الأسد كان على الدوام مع أميركا، ويده في جيب الروس"؟ - ألا تصل بوتين تلك التهديدات المبطّنة بأولوية التحالف الأسدي-الإيراني على الأسدي-الروسي؟ - ألم يقع على أسماعه غزل الترجي بين النظام والإدارة الأميركية الجديدة؟  و - هل يصدّق بوتين أن النظام يحتاجه للتواصل مع إسرائيل؟ 

إذا كان بوتين يعتقد أن لا أحد يمكن أن يحافظ على المصالح الروسية كالمنظومة الإجرامية القائمة، فهو يكابر ويخاتل؛ وهو الأعلم، حسب تصريحات بعض مسؤوليه مؤخراً، بأن نظام الأسد في حالة موت سريري؛ وهو عبء أكثر مما هو ضامن وشريك. من جانب آخر، يشكل استمرار حمل بوتين لهكذا منظومة إجرامية مزيداً من الانتفاخ بملفاته الثقيلة سلفاً.

لا مخرج لبوتين من مأزقه، إلا بخروج سوريا والسوريين من مأساتهم؛ ولا يحدث ذلك عبر الاستمرار ببهلوانيات الدببة

مرة أخرى نقول إن المخرج المضمون والأكثر براعةً سياسياً واستراتيجياً، يتمثل بأعكاسه لكل ما فعله تجاه المسألة السورية حتى الآن، وبإدارة الظهر لكل القوى التي أرادته أن يغوص في هذا المستنقع، وبالعودة إلى جوهر القضية السورية. فإن كانت الملايين السورية خرجت أساساً للخلاص من هذه المنظومة الاستبدادية، فالقانون الدولي سيكون بجانبه- بفعل حقوق الإنسان، لا بفعل الفيتو.

وإعادة الإعمار ستكون ممكنة- بفعل تطبيق القرارات الدولية الخاصة بسوريا، لا بابتزاز العالم. وعودة اللاجئين ستكون محققة بفعل الإرادة والضمانات الدولية، لا بفعل الابتزاز والمساومات. 

لا مخرج لبوتين من مأزقه، إلا بخروج سوريا والسوريين من مأساتهم؛ ولا يحدث ذلك عبر الاستمرار ببهلوانيات الدببة. لا مخرج إلا بقلب الطاولة على كل السياسات البائسة التي نهجها حتى الآن في سوريا، وأولها الإقرار الصريح والصادق والفعلي بالتنفيذ الكامل والحرفي للقرار الدولي 2254، وخاصة تشكيل هيئة حكم انتقالي لا مكان فيها للمنظومة الاستبدادية، التي أوقفت حياة سوريا وأهلها.  قد يكون هذا رهاناً على مجرمين؛ ولكن إذا كانت مصلحتهم تكمن بهكذا فعل؛ فلمَ لا يكون الرهان!