هل هزم الربيع العربي فعلا؟

تاريخ النشر: 04.08.2021 | 06:34 دمشق

بداية بات من اللزوم بمكان الاعتراف والإقرار بهزيمة الربيع العربي وفشله فشلا ذريعا؟ إذ لم ينجح الربيع العربي في أي من الدول التي كان يفترض أن يزهر بها منذ عام 2011، تنحى رؤساء، وقتل آخرون، واستشرش بعضهم الآخر للاحتفاظ بالكرسي محولا بلاده إلى أطلال، غير أن بنية الأنظمة العربية التي حكمت على مدى عقود، كانت أشد تجذرا من أحلام وتطلعات الراغبين بالتغيير، والآملين بمستقبل لبلادهم لا مكان فيه للاستبداد ولا للإقصاء ولا للمحسوبيات ولا للفساد ولا للقمع ولا للمعتقلات.

هزم الربيع العربي، أو على الأقل الموجة الأولى منه، إذ إن التاريخ يقول إنه ما من ثورة حقيقية تنجز خلال عقد واحد من الزمن، تحتاج ثورات التغيير إلى عقود متتالية، قد تمتد إلى قرن، وسوف تمر بمراحل وافتراقات عديدة، سوف تأكل أبناءها، وسوف يغرق الدم فيها كل شيء، وسوف تتحول إلى حرب أهلية، وسوف تتنتصر مرارا الثورات المضادة، سوف تحصل الفوضى، وسوف تعود الديكتاتورية بلبوس مختلفة، سوف يقدم البشر أعز ما يملكون لأجلها ولن تكتفي، سوف تطالب دائما بالمزيد، وسوف يوجد مرارا من يعطيها المزيد، حتى تكتمل وتنجز وتهدأ وتستقر، حينها سوف يكون من بدؤوها في التراب، بينما أحفادهم هم من سيتنعمون بنعهما الكثيرة: حريات عامة وفردية، ديموقراطية، حقوق إنسان، مساواة تامة، بنى جديدة لذهنية الحكم والدولة، حرية الرأي والعقيدة مكفولة بالقانون، عدالة إجتماعية، قانون فوق الجميع، إلى آخر ما حققته الثورات في الدول التي نعتبرها متقدمة اليوم، ولنا في التاريخ الفرنسي وثورته الطويلة التي امتدت لأكثر من قرن، ولنا في الحاضر الفرنسي مثال حي وشاهد واضح على ما تكون عليه الثورات، لنا في الثورة الإسبانية على الديكتاتور فرانكو، وتحولها إلى حرب أهلية طويلة وانتصار فرانكو ثم انتصار الثورة مثل آخر.

نحن حاليا نعيش مرحلة التخفف من ثقل جبل اليأس الذي حط على ظهورنا، ثقل الموت والقتل والتشرد والخوف والجوع والقهر والكراهية

هل هذا العرض دعوة للتفاؤل؟ هل يمكننا أن نتفاءل بناء على معطيات التاريخ؟ من وجهة نظري إن اليأس بحد ذاته هو هزيمة، لكن التفاؤل ليس انتصارا، العكس هنا ليس صحيحا، فللتفاؤل بانتصار الأحلام معطيات غير متوفرة حاليا لدينا، أقصد الأجيال التي عاصرت الربيع العربي وعاشت أحداثه وآمنت به، نحن حاليا نعيش مرحلة التخفف من ثقل جبل اليأس الذي حط على ظهورنا، ثقل الموت والقتل والتشرد والخوف والجوع والقهر والكراهية، ثقل الكشف، حيث كشفت الثورات حقيقتنا، حقيقة ما نعيش فيه من تناقض وزيف وفصام وجهل بواقعنا وواقع الآخر القريب والبعيد، كشفت حقيقة مجتمعاتنا وفسادها، حقيقة المسلمات والبديهيات التي آمنا بها، حقيقة الفساد الذي ارتبطنا به دون وعي حتى صار جزءا من شخصياتنا، حقيقة تشبهنا بأنظمتنا وممارستنا لنفس سلوكها في قمع الرأي الآخر واحتقاره وإعدام صاحبه ولو معنويا، حقيقة تعايشنا الواهي (في المجتمعات المختلطة إثنيا ومذهبيا)، حقيقة قناعاتنا المرسخة، هذا الكشف بقدر ما هو ثورة، أو أول مراحل الثورة، بقدر ما كان مفاجئا لأجيال الربيع العربي ومحبطا وقاسيا، حتى صار الهروب منه هو المطلب الوحيد، ربما هذا ما جعل البحر يمتلئ بجثث الهاربين، هو ما جعل أجيال الربيع العربي (سوريا وليبيا واليمن) على وجه التحديد تغادر بلادها دون آسف، حيث تحولت الثورات في البلدان الثلاث إلى حروب لم تنته حتى اللحظة، بينما باقي دول الربيع العربي أعادت إنتاج نفس النظام السابق.

قد يكون صحيحا أن (الدول العميقة) التي حكمت دول الربيع المستقرة، منذ عقود لم تسمح بأن تصل بلادها إلى ما وصلت إليه سوريا واليمن وليبيا، لكنها أيضا لم تسمح للتغيير أن يحدث ولو حتى لذر الرماد في العيون، بل ربما تفوقت على أسلافها بالاستبداد، وأعادت مجتمعاتها إلى حالة بؤس تنتج مظلومية متجددة وشاملة، سوف تجعل من الثورة التي حدثت مجرد طفرة تاريخية رومانسية لا يتذكرها بالخير سوى من شاركوا بها؛ ما يحدث اليوم في البلدان التي كنا نقول عنها إنها الإجابة على سؤال الربيع العربي، هو خير دليل، للأسف لم تنج دولة واحدة من هزيمة أحلام أبنائها بالتغيير، ولا واحدة، فالدولة التي لم تتلفها الحروب المتواصلة، أتلف ربيعها الاستبداد والديكتاتورية والفساد من جهة، والدين بنسخته السياسية والأصولية المجتمعية من جهة ثانية، حتى الأنتلجنسيا والنخب السياسية والفكرية والثقافية لم تستطع تقديم حل واحد ينقذ ما يمكن إنقاذه، هي نفسها على ما يبدو غارقة في نفس الخراب، ولا تملك صوابية سياسية تجاه الحدث الكبير في العالم العربي، إذ إن معظم هؤلاء النخب كانوا مع التغيير في بلادهم لكنهم يدعمون نازي العصر (بشار الأسد)، بذريعة محاربة الإسلاميين، والوقوف في وجه أميركا وإسرائيل، سيطرت على صوابيتهم الإيديولوجيا القاتلة، التي لا ترى سوى بعين واحدة، هذه العين سوف لا ترى في مجتمعاتها أيضا سوى جزء واحد، أما الآخرون فهم مجرد سقط متاع ولا مانع من إقصائهم، وللمفارقة أن سقط المتاع هذا هم الغالبية، هكذا أعادت النخب خطاب الاستبداد الذي وقفت ضده، وسلكت سلوكا زايد حتى على سلوك الأنظمة، ولم تستطع إيجاد نقطة التقاء واحدة مع باقي الشعب الذي تنتمي له، لم تستطع فهم تناقضاته ولا تشريحها ولا البحث عن حلول جذرية لها، حدث هذا أيضا في الدول التي تعيش حروبا متواصلة (سوريا واليمن وليبيا) حيث مازالت تركيبة العلاقات القبلية هي السائدة، وحيث التنوع الإثني والمذهبي يتحول إلى قنابل تستطيع الأنظمة وحلفاؤها تفجيرها في أية لحظة، في هذه الدول أيضا سقطت النخب (الثورية السياسية والثقافية) إما في فخ التعالي على المجتمع، أو في فخ الشعبوية المدمرة، وللأسف غادرت معظم هذه النخب بلادها منذ السنة الأولى لبداية الربيع، وتحول نضالها إلى نضال افتراضي، أو من انخرط في مؤسسات معارضة لم يعد يملك من قراره شيئا، بعد أن جيرت تلك المؤسسات قراراها للممولين.

ثمة أجيال جديدة تنشأ وتكبر وتتفاعل مع العالم الخارجي، ولديها إمكانات تقنية ولغوية وخطاب إنساني لم يتوفر لأجيال الربيع العربي

أمام هذا الفشل الذي اتضح قبل أيام مع الحدث التونسي، ماذا تبقى من الربيع العربي؟ قد لا تقدم المعطيات الحالية ولو بارقة من الأمل، غير أن ثمة أجيال جديدة تنشأ وتكبر وتتفاعل مع العالم الخارجي، ولديها إمكانات تقنية ولغوية وخطاب إنساني لم يتوفر لأجيال الربيع العربي، هذه الأجيال الجديدة سواء من كان في البلاد أو من نشأ خارجها، سوف تكون هي الحامل لموجات التغيير القادمة، قد لا يحدث هذا قريبا، لا يمكن أن يحدث بكل حال إن لم يتغير ما يجب أن يتغير في بنية النظام العالمي (واهم من يعتقد أن هزيمة الربيع العربي لم تتم على يد النظام العالمي)، وهو أمر قادم لا ريب، فما تعانيه شعوب العالم بأكمله من أزمات إقتصادية مهولة، وما خلفته كارثة كوفيد 19 على البشرية، سوف يسرع في عملية التغيير العالمي حتما، وهو أيضا ما سيجعل من مجتمعاتنا جاهزة لموجات جديدة من (الربيع) إن صحت تسميته كذلك.

"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي