هل نحن مقبلون على مفاوضات أميركية إيرانية؟

هل نحن مقبلون على مفاوضات أميركية إيرانية؟

الصورة
06 حزيران 2019

ضياء قدور

باحث في الشأن الإيراني وضابط مهندس منشق

إن التوتر الحاصل بين واشنطن وطهران ليس أمرا جديدا، ولكن ازدياد سطح التوتر في الآونة الأخيرة إلى حد وضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب الأمريكية، وفي المقابل تصنيف إيران لهيئة القيادة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية كمنظمة إرهابية، يعتبر أمرا غير مسبوق في تاريخ التوتر خلال العقود الأربعة الماضية.
إن ارتفاع معدل التوتر بين واشنطن وطهران، رفع من معدل القلق الدولي من احتمالية نشوب حرب في المنطقة بين الجانبين.
بن علوي، وزير الخارجية العماني، خلال زيارته الأخيرة لطهران قال: "إذا حدثت الحرب، فإن البحث ليس بحث أسبوع أو أسبوعين أو شهر وشهرين.. البحث هو أن تكون أو لا تكون".
والحديث عن موضوع "أن تكون أو لا تكون"، يشير إلى أن الصراع العسكري المحتمل ما بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية قد لا يكون صراعاً عسكرياً بين جيشين عسكريين فقط، بل يمكن أن يمتد إلى صراع إقليمي أوسع، وأكبر دليل على ذلك ما حدث من عمليات تخريبية في الفجيرة وهجمات على المنشآت النفطية السعودية، التي كان لإيران يد واضحة فيها عن طريق وكلائها في المنطقة.
في ظل هذه الظروف الإقليمية المتوترة، وفي ظل القلق الدولي المتزايد من احتمالية حدوث حرب بين إيران والولايات المتحدة، من الطبيعي أن تلجأ أطراف ثالثة قد لا يكون من مصلحتها أبدا نشوب مثل تلك الحروب في الوقت الحالي، لاعتماد أساليب وطرق مختلفة لتخفيض حدة التوتر الحاصل بين الطرفين، ومن بينها عمل الوساطة ما بين الطرفين.
فالوساطة هي أحد الأساليب الدبلوماسية التقليدية لحل الخلافات الدولية بشكل عام، حيث إنه من خلالها يقوم طرف ثالث يملك

في حالة التوتر الحاصلة ما بين الولايات المتحدة وإيران هذه، نجد أن شدة التوتر الكبيرة الحاصلة دفعت بعض الدول لتفعيل خمس قنوات للتوسط بين الطرفين

علاقات جيدة مع الطرفين بالتوسط لديهما لخفض حدة التوتر الحاصل بينها، ويساعد في التوصل إلى اتفاق ما بين الطرفين.
والوساطة في الحقيقة هي إنشاء قناة للتفاوض غير المباشر بين الأطراف المتخاصمة، وكما يمكن للمفاوضات أن تكون علنية أو سرية يمكن للوساطة أن تكون كذلك أيضا.
في حالة التوتر الحاصلة بين الولايات المتحدة وإيران هذه، نجد أن شدة التوتر الكبيرة الحاصلة دفعت بعض الدول لتفعيل خمس قنوات للتوسط بين الطرفين.
وهذه القنوات تشكلت من قبل خمس دول وهي: عمان، واليابان، ألمانيا، سويسرا، والعراق.
وسنتطرق إلى بحث وساطة كل دولة كل على حدة:


عمان:
من بين الدول الخمس هذه، أعلنت كل من عمان واليابان استعدادهما للتوسط بين إيران والولايات المتحدة.
والدليل على ذلك، هو إعلان استعداد عمان للتوسط ما بين الطرفين على لسان سفيرها في واشنطن.
وطبعا كان يمكن لأي مسؤول عماني الإدلاء بهذا الإعلان، ولكن نشر هذا الخبر على لسان السفير العماني في واشنطن، هو بمثابة تلويح ضمني لها بمسعى عمان الجدي للتوسط ما بين الطرفين، وذلك من أجل أخذ الضوء الأخضر من البيت الأبيض، ونشر هذا الخبر على وسائل الإعلام الأمريكية الداخلية، ليأخذ صدى واسعا.
اللافت في الأمر، أن الجانبين الأمريكي والإيراني التزم الصمت حيال التصريحات العمانية، كعلامة على رضا الجانبين لفتح الطريق أمام مساعي عمان الدبلوماسية.
كما أن وزير الخارجية العماني بن علوي زار طهران في تاريخ ٢٠ مايو، وعلى الرغم من أن محمود واعظي، رئيس مكتب روحاني، أنكر موضوع الوساطة العمانية، لكن دعونا لا ننسى أن موضوع الوساطة بشكل عام والعمانية بشكل خاص ليس بالضرورة أن يكون بشكل علني.


اليابان:
جميعنا يعلم بأن قلب النفط العالمي ينبض من منطقة الخليج العربي، أن ارتباط اقتصاد العملاق الياباني بهذا القلب ليس خافيا على أحد.
وهذا الأمر دفع اليابان للإعلان بشكل رسمي في تاريخ ١٠ مايو عن استعدادها للتوسط ما بين طهران وواشنطن، وخاصة أن اليابان تمتلك علاقات جيدة مع كلا البلدين.
وفي أعقاب الموقف الياباني بفترة وجيزة، زار ظريف طوكيو، والتقى مع رئيس الوزراء الياباني، وهذا بحد ذاته يعتبر بمثابة ترحيب من جانب إيران بالموقف العماني والياباني أيضا الرامي للوساطة ما بين الجانبين.


ألمانيا:
العملاق الاقتصادي الألماني كما الآسيوي الياباني بحاجة إلى تأمين أمن واستقرار الصادرات النفطية في الخليج العربي، وعلى الرغم من أن ألمانيا لم تعلن رسميا عن استعدادها للوساطة بين طهران وواشنطن - كعمان واليابان-، لكنَّ سفر ينس بلوتنر المدير العام السياسي لوزارة الخارجية الألمانية، كان بهدف التوسط بين الجانبين من قبل ألمانيا، وذلك كما صرحت العديد من وسائل الإعلام الألمانية.


سويسرا:
سويسرا -إلى جانب النمسا- كان لها دور في استضافة المفاوضات النووية، ووفقا للعديد من التقارير فقد قدم دونالد ترمب رقما خاصا لمكتب حماية المصالح الأمريكية الموجود في سفارة سويسرا في إيران، الأمر الذي يعني أن الولايات المتحدة قبلت بالدور السويسري، كوسيط ما بين طهران وواشنطن أيضا.


العراق:
ليس من المبالغ فيه لو قلنا، بأن العراق سيكون أكبر المتضررين في حال حدوث حرب بين إيران والولايات المتحدة.
العقوبات الأمريكية بحد ذاتها، أثرت على اقتصاد العراق، الذي ما زال يعتمد على الغاز والكهرباء الإيراني، فما بالكم في حال نشوب حرب بين الطرفين في المنطقة.
ناهيك أنه في حال نشوب حرب في المنطقة، فإن المليشيات الشيعية التابعة لإيران بما في ذلك قوات الحشد الشعبي وكتائب حزب الله العراقي ستكون أول المنخرطين أو المستهدفين في هذه المعركة، وهذه المليشيات الطائفية لن تنتظر أوامر بغداد للانخراط في تلك المعركة.
وهذا الأمر، دفع عادل عبدالمهدي، رئيس الوزراء العراقي، لاقتراح تشكيل هيئة حل خلاف، لتخفيض حدة التوتر ما بين إيران والولايات المتحدة.

رغبة إيرانية في التفاوض:
إن الرسائل الأمريكية الواضحة من أجل التفاوض مع إيران ليست خافية على أحد، فحتى الرئيس الأمريكي ترمب لا يخفي رغبته في التفاوض مع إيران بدون قيد أو شرط.
من ناحية أخرى، هناك أيضا شواهد قوية تشير إلى رغبة إيران في التفاوض مع الولايات المتحدة.
وأهم هذه الشواهد يمكن اختصارها في الآتي:
أولا: سفر وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف إلى نيويورك، وطرحه موضوع تبادل السجناء بين إيران والولايات المتحدة.
رغم رفض الولايات المتحدة الأمريكية لهذا العرض، لكنه طرح مثل هذا الأمر في ظل الظروف الحالية، يمكن اعتباره إشارة إلى رغبة إيرانية في فتح ثغرات، من أجل البدء في مفاوضات أوسع.
ثانيا: تعيين كل من "مجيد تختروانجي"، و"بعيدي نجاد"، كسفير لإيران في نيويورك ولندن على الترتيب .
مجيد تختروانجي، وبعيدي نجاد كانا من بين المفاوضين النوويين الإيرانيين الأربعة ( جواد ظريف، عراقجي، تختروانجي، بعيدي نجاد)، وقد ساهما في إبرام الاتفاق النووي الأخير.
وإن تعيين هذين المفاوضين النوويين السابقين، يمكن أن يفتح قنوات اتصال بين الطرفين

في أعقاب زيارته الأخيرة إلى نيويورك، قال روحاني بأن حكومة ترمب طلبت لقاءه والتحادث معه ثماني مرات، ولم نجد أي نفي رسمي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية

لبدء مفاوضات سرية وغير رسمية، أو غير مباشرة مع الجانب الأمريكي.
ثالثا: في أعقاب تصريحات الرئيس ترمب، والتي أظهر فيها رغبته الصريحة في التواصل مع الإيرانيين، عندما قال بأنه "يرغب في تلقي اتصال هاتفي من قبل الإيرانيين"، لم نجد رفضا أو معارضة إيرانية قاطعة لهذا العرض، سوى من قبل "يد الله جواني" أحد قادة الحرس الثوري الإيراني المتوسطين، الذين لا يملكون أي تأثير، أو وزن في صناعة القرار الإيراني.
رابعا: في أعقاب زيارته الأخيرة إلى نيويورك، قال روحاني بأن حكومة ترمب طلبت لقاءه والتحادث معه ثماني مرات، ولم نجد أي نفي رسمي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لهذا التصريح.
خلاصة القول:
إن تفعيل خمس قنوات للتوسط ما بين الولايات المتحدة وإيران من قبل خمس دول مختلفة، يشير إلى مدى توسع القلق الدولي من نشوب حرب محتملة، ولكن على الرغم من وصول مستوى التوتر بين الطرفين إلى حد غير مسبوق، يبدو أن باب الدبلوماسية ما زال مفتوحا بينهما، سواء من خلال توسط عدد من الدول، أو إنشاء قنوات مفاوضات علنية أو سرية.

شارك برأيك