هل نجح السوريون في صنع أفلام وثائقية حقيقية عن الثورة؟

تاريخ النشر: 13.12.2020 | 17:38 دمشق

آخر تحديث: 23.12.2020 | 06:36 دمشق

إسطنبول- أحمد طلب الناصر

جسدت الأفلام الوثائقية، في زمن الثورة السورية، دور المؤرّخ الذي استعاض عن القلم بعدسة الكاميرا، ليسجّل من خلالها تفاصيل يصعب على القلم وكلماته وصفها وإيصالها لمختلف شرائح المتابعين ومستوياتهم المعرفية والفكرية والمجتمعية، بوقتٍ قاتلت فيه آلة إعلام الأسد في محاولةٍ منها لتشويه الحراك الثوري وما واجهه من عنف وألم، وتصديره بصورة مسيئة للعالم الخارجي.

أمام هذا السباق المصيري، ليس مع نظام الأسد وحسب بل مع جميع الأطراف التي أثّرت في مراحل مختلفة على مسار الثورة وحياة السوريين؛ ساهمت الوقائع والأحداث في فرض أدوات التوثيق التصويري لتتناسب مع ظروف المرحلة وتسارع إيقاعها، وتحولاتها المعقّدة، لدرجة أن تسجيلاتٍ مصورة خاطفة وصورَ فوتوغرافية، ملتقطة بواسطة أجهزة هاتف محمول بجودة ودقة منخفضة، شكّلت مادة فنية مكّنت مخرجين عاديين من صناعة أفلامٍ فاجأت العالم.

 

 

وبالمقابل، ساهم ذلك الحجم الكبير والمنوّع من التفاصيل الصوريّة والوصفية التي شهدتها الثورة في إفراز جيل آخر مختلف، سواء في العمل الإعلامي المكتوب والمصوّر أو في الفنون السينمائية، نتيجة الحاجة الملحّة لوجوده، وخصوصاً بعد انسحاب كثيرين من أصحاب المهنة والاختصاصيين من أرض الحدث لعدة ظروف، يأتي في مقدمتها ارتباطهم الوظيفي بمؤسسات النظام.

وعلى أية حال، فإن أفراد الفريقين، الجيل الجديد، وبعض أفراد الجيل السابق ممن اختاروا الوقوف مع ثورة السوريين؛ تمكنوا من صناعة أفلام وثّقت وحفظت كثيرا من مخزون سنوات الثورة، وأمست شاهدةَ عيانٍ على أحداثٍ، لن نبالغ إذا قلنا بأنها لم تمرّ على غير السوريين في مختلف مراحل التاريخ.

لماذا الفيلم الوثائقي؟

في سياق حديثه عن فن الفيلم الوثائقي، يقول المخرج "محمود الحسن" لموقع تلفزيون سوريا، إن الفيلم الوثائقي يعتبر "اختراقاً عظيماً في مجال الترفيه عموماً، وهذا الاختراق فسح مجالاً واسعاً للتواصل بين الأمم وقدم معرفة وعلوماً أكثر دقّة وبشكل مبسط، حول مختلف العوالم المرئية واللا مرئية".

ثم يعرج الحسن ليتناول الشق المتعلّق بالجوانب السياسية والفكرية للفيلم التوثيقي، من حيث إثارة الوعي تجاه قضية بعينها، وبحسب رأيه فإن الفيلم الوثائقي "يعد واحداً من أهم وسائل إثارة الانتباه وخلق مجموعات ضغط، سواء على سياسيين أو اقتصاديين وغيرهم في مختلف القضايا ذات الصلة".

وتجدر الإشارة هنا إلى فيلم (سايكو) للمخرج الأميركي الشهير "مايكل مور"، إذ يعتبر هذا الفيلم أحد أهم الوثائق التي اعتمدها الديمقراطيون في تشريع قانون (أوباما كير) المعروف بـ "قانون الرعاية الصحية" في أميركا.

في سياق الحدث السوري.. هل نجح الوثائقي؟

فيما يتعلق بالشأن السوري وتوثيق أحداث الحراك والثورة السورية، وما تخللها من انتهاكات للنظام وقواته أو للميليشيات الطائفية أو للفصائل الراديكالية وغيرها، يرى الحسن أن "النوع الوثائقي بمعناه الدقيق والوظيفي لم يكن واضحاً لدى السوريين، إذ خلطوا مبكرًا بين الفيلم الوثائقي والفيلم التسجيلي، وأظن أن هذا الخلط له أسبابه".

ويتابع: "إن زخم الأحداث وحجم الفظائع لم يترك مجالاً لطرح أسئلة كثيرة بحاجة للإجابة، وبالتالي ركن السوريون إلى التوثيق اللحظي، وقد يكون العدد الهائل للناشطين الإعلاميين (المواطنين الصحفيين) في سوريا دليلًا واضحاً على هذا الركون، وهذا أحد أسباب الخلط".

أما السبب الثاني، يضيف الحسن، فيتمثّل في "السيطرة السريعة للفصائل الراديكالية، سواء القومية أو الدينية، على المشهد الثوري والاجتماعي، وهؤلاء لهم قوائمهم الخاصة بما هو مسموح وما هو ممنوع فقطعوا الطريق مبكرًا أمام مشروعية السؤال الذي يُعدّ المحفز الأكبر لصناعة الفيلم الوثائقي".

اقرأ أيضاً: وثائقي "الأسمر" رؤية جديدة لـ عبد الباسط الساروت

ويضرب الحسن مثالاً حول مسألة المسموح والممنوع، في تجربة الغوطة، حيث سُمح للإعلاميين بتصوير ونقل مظاهر الحصار وآثاره السلبية على المدنيين، بينما مُنعوا من طرح الأسئلة حول مستودعات الأغذية التابعة للفصائل مثلاً، أو الاستفسار حول مصير المختطفين (رزان زيتونة ورفاقها الحقوقيين الآخرين).

سبب ثالث يضيفه الحسن، ويعتبره مكمن الخلط واللبس الحاصل في مفهوم الوثائقي، وهو "دخول السينمائيين السوريين على خط التوثيق وإنجازهم لمجموعة مهمة من الأفلام الوثائقية الإبداعية (التسجيلية)، بعضها وصل للعالمية ونافس على الأوسكار، وهذا ما دفع ناشطين ومهتمين بالفيلم الوثائقي إلى هجر المادة التوثيقية ذات الجوهر الاستقصائي، ومحاولة إنجاز مشاريع توثيقية بشغف روائي، وهذا ما وسم الفيلم الوثائقي /الاستقصائي/ بنزعة ذاتية واضحة للأسف".

ولعل الحسن كان يشير في توصيفه الأخير حول الخلط، إلى الجدل الذي أثاره فيلم طلال ديركي "عن الآباء والأبناء"، فالأفلام المشغولة بروح وذهنية روائية ليست مطالبة بإعادة سرد الحكاية من بدايتها وصولًا للجواب المنشود مثلما يفعل الفيلم الوثائقي.

 

 

 

إذن، وبحسب النقاط التي عرج عليها الحسن، فإن الأحداث الغزيرة للثورة السورية لم تفِها الأفلام الوثائقية -ذات البعد الاستقصائي- حقها، وما أنتج عنها يبقى غير كافٍ إلى حين زوال أسباب الخلط بالدرجة الأولى، وإزاحة النزعة الذاتية المسيطرة على تفاصيل ومضامين الأفلام كي تصبح "وثائقية".

بمعنى آخر: الفيلم الوثائقي هو عمل إعلامي صَرْف في مضمونه، وفنّي سينمائي في أدواته وتقنياته. ومن هذا المنطلق ترفد المنصات والمحطات الوثائقية المعروفة عالمياً، بصحافيين استقصائيين يهتمون بالشأن العام، دون هواجس سينمائية طاغية.

أفلام أرّخت الثورة

بالرغم من جميع الملاحظات المحيطة بصناعة الفيلم الوثائقي، والخلط الذي تناوله المخرج محمود الحسن في معرض توصيفه لما يحتاجه العمل السينمائي التوثيقي ليغدو أكثر مهنية ونجاحاً؛ إلا أنه لا ينفي جمالية وأهمية العديد من الأفلام التي غطّت جوانب من الثورة السورية، ولا سيما التي حازت على جوائز دولية أو رشحت لنيلها، أو حتى التي اكتفت بعرضها على بعض المحطات الفضائية.

فيلم: حكاية ثورة "النذر"

من إخراج: هيثم الزعوقي

الفيلم عبارة عن شهادات لناشطين شاركوا في الحراك السلمي في الشهور الأولى من الثورة، فجاءت شهاداتهم توثيقاً لمفاصل مهمة عن تلك المرحلة في بعض المدن السورية.

 

 

فيلم: رسالة من تحت الماء

من إخراج: محمود حسن

يتتبع الفيلم قوارب الموت التي حملت المُهجّرين السوريين في رحلات اللجوء إلى شواطئ أوروبا وما تعرضوا له من مخاطر وغرق، بالإضافة إلى قصص لجوئهم بعد الوصول.

 

 

فيلم: من أجل سما

من إخراج: وعد الخطيب- إدوار واتس

يصف مرحلة مهمة من حياة زوجين سوريين عبر مقاطع فيديو صورتها "وعد الخطيب" لرحلتها، منذ زواجها وحملها بابنتها "سما"، ثم ولادتها، واللحظات الخطرة التي عاشتها مع زوجها وابنتها في مدينة حلب التي حوصرت لسنوات.

الفيلم تم ترشيحه لجائزة الأوسكار عن فئة الأفلام الوثائقية في الدورة 92.

وحصل على 44 جائزة في عام 2019، من بينها جائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام "بافتا" لأفضل فيلم وثائقي.

 

 

فيلم: "عودة إلى حمص"

للمخرج: عبد الرحمن نحاس- طلال ديركي

يرافق الفيلم الحياة اليوميّة لشخصياته منذ مشاركاتهم المظاهرات السلمية، وصولًا إلى اللحظة التي أكرهتهم فيها الظروف المحيطة، على خيار حمل السلاح ومقارعة النظام.

والفيلم عبارة عن قصة شابين من حمص، ومن خلال قصتهما يرصد قصة نضال وصمود المدينة وحصارها. ويظهر فيه الراحل عبد الباسط الساروت وانتقاله من قيادة المظاهرات إلى مشاركة فصائل الجيش الحر.

حاز الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي أجنبي في مهرجان "ساندانس" الأميركي للسينما المستقلة عام 2014.

 

 

فيلم: "الكهف"

من إخراج: فراس فياض

تدور أحداثه في الغوطة الشرقية بريف دمشق، ويُبرز جهود العاملين في مستشفى الغوطة الشرقية تحت القصف، من أجل مساعدة الناس وإنقاذهم. لتبرز شخصية الطبيبة السورية "أماني" بطلة الفيلم، وتروي المشاهد المتعاقبة كيف أصبحت أماني مسؤولة عن المشفى وطاقمه والمرضى والمصابين.

حصل على 10 جوائز عالمية أبرزها جائزة "مهرجان تورنتو" السينمائي الدولي لعام 2019، وجائزة أفضل فيلم وثائقي بمهرجان "بلد الوليد" السينمائي الدولي، وترشح أيضًا للأوسكار.

 

 

فيلم: "الخوذ البيضاء"

من إخراج: أورلاندو فون أينشيديل

فيلم وثائقي صدر عام 2016، وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ89. يصور الفيلم تحديات فرق الدفاع المدني في سوريا لإنقاذ المدنيين في ظل الهجمات المتصاعدة للنظام السوري في المناطق الخارجة عن سيطرته

 

 

فيلم: "آخر الرجال في حلب"

للمخرج: فراس فياض

يحكي الفيلم الوثائقي أيضًا بطولات رجال "الخوذ البيضاء" الذين كرسوا حياتهم لإنقاذ ضحايا القصف السوري منذ بداية حصار مدينة حلب، وتمسكوا بالأرض على أمل هزيمة النظام السوري، رغم الظروف الصعبة والقنابل التي تسقط من السماء دون توقف.

وصل في عام 2018 للقائمة النهائية لأفضل خمسة أفلام وثائقية مرشحة للحصول على جائزة الأوسكار.

 

مقالات مقترحة
مجلس الأمن يصوّت على مشروع هدنة عالمية لـ توزيع لقاحات كورونا
وزير الصحة التركي: الحظر سيبقى في بعض الولايات بسبب كورونا
النظام يحصل على لقاح كورونا من "دولة صديقة"