هل من أمل في تجديد الخطاب الإعلامي الكردي بسوريا

تاريخ النشر: 07.05.2022 | 07:03 دمشق

تعتبر دراسة ظواهر الرأي العام في الوسط الكردي، من الدراسات الحديثة بالمطلق، وحداثة هذه الدراسات ترتبط إلى حد كبير بالمناخ السياسي والأمني والاجتماعي الذي ساد قبل الــ2011، والفجوة الواسعة حالياً بين النخب السياسية الحاكمة أو المعارضة والشعب، الذي كان الأخير حتى وقت قريب يتجنب إبداء الرأي الصريح حول القضايا العامة خوفاً من المسائلة والعقاب، وعدّم توافر المساحة الكافية لذلك. لكن التطور المذهل في تكنولوجيا الاتصالات وانتشارها بكثافة على ساحة المتغير الإعلامي، ساهمت في ترسيخ العلاقة الحميمية بين وسائل الإعلام والجمهور.

يعيش الصحفي الكردي في عموم المدن الكردية في سوريا، في أثناء ممارسته لعمله في ظروف الحرب والسلم، عوالم خاصة، لا يدركها سوى المتابع ومن عايش تلك الظروف من ضغوط وتهديدات

وبدأت هذه العلاقة تؤثر إلى حد كبير في إدراك تفاصيل الحدث الذي تعالجه هذه الوسائل، ونمط تفاعل الجمهور معه وتكوين رأي عام اتجاهه، وسيكون كفيلاً بجعل الإعلام الكُردي المعاصر يمارس نمطاً جديدا من الحديث المباشر بعيداً عن الدبلوماسية التي يمارسها السياسيون، نمطا قائماً على ماذا يرد الناس والجمهور، وكيف للوسيلة الإعلامية أن تصل للمتلقي وتُحسن معرفة رغباته وقياس آرائه وتوجهاته، والتأثير فيها تالياً، وجعلها مؤثرة في حركة ونشاط الشارع، عوضاً من الخوض في مضامين الخطب الجوفاء والتلميع للسلطة خوفاً أو منفعةً. فتوافرت للمتابع والمشاهد الكردي في سوريا فرصة ذهبية كانت غائبة بمجملها وكليتها عن الأجيال السابقة. وبات بمقدور المهتم بأيَّ شأن كان الحصول على المعلومة، أو نشر ما يرغب به دون الحاجة إلى الموافقة وانتظار "المقص الرقيب"، وتالياً استفاد الكرد كغيرهم من الإعلام الرقمي وحرية تداول المعلومات والبيانات، لولا تعرضها لكوابح فجّة جعلت منها "تائهة" في وسط محفوف بالمخاطر، رفعت من سوية معضلة التزييف والأخبار الكاذبة في الوسط الكردي وأصبحت هاجساً لدى رواد المعلومة الصحيحة والخبر اليقين.

والمؤسف أن يعيش الصحفي الكردي في عموم المدن الكردية في سوريا، في أثناء ممارسته لعمله في ظروف الحرب والسلم، عوالم خاصة، لا يدركها سوى المتابع ومن عايش تلك الظروف من ضغوط وتهديدات ربما تصل إلى مستوى شكل من أشكال الخطر المحدق بحياته وحياة أسرته، ما يخلق ثلاثة ظروف شديدة القسوة، أولها: محاولة من مختلف الجهات لإسكات صوت الحقيقة وعدم كشف المستور للرأي العام؛ بغية ضمان عدّم وصول المعلومة الصحيحة للقواعد الاجتماعية وإبقاء الشعب تحت دور الخطاب الكاذب والمؤدلج والرامي صوب حماية مصالح السلطة، الحزب، الأمن، المسؤولين.....إلخ. وثانيها: إسكات صوت الحق وخلق جو من الترهيب النفسي والضغط بهدف إخافة الآخرين الساعيين صوب الحقيقة أيضاً، وثالثها: خلق رأي عام جديد خاص ووفق مقاييس سلطوية.

بالعموم يُمكن تقسيم تاريخ الإعلام الكردي في سوريا إلى ثلاث محطات أساسية:

الأولى: الإعلام السري-الورقي قبل وبعد تشييد أول حزب سياسي عام 1957، الذي عاشته الأحزاب والشخصيات الكردية؛ كنتيجة طبيعية لحالات الخوف والملاحقات الأمنية، وهي وإن كانت تتأخر في الصدور ولم تكن تنتظم بمواعيد دقيقة في النشر والتوزيع، لكنها شكلت النفاذ الوحيد للقواعد الاجتماعية؛ نظراً لفقدان أيّ وسيلة إعلامية أو طريقة للتعرف على القضايا المحلية والخارجية التي تخص مصير الكرد في سوريا.

الثانية: وبدأت بعد دخول الإنترنيت إلى سوريا، والتي شهدت وفرة في المنتديات والمواقع الإلكترونية الكردية، بقيت هي الأخرى خجولة، تفوق الإعلام الكردي الخاص على مثيله الحزبي، الذي لم يتمكن من كسر طوقي العزلة المفروضة عليه لسببين، الأول: الضغط والمتابعة الأمنية، والثانية: ذهنية اللا تطوير والبقاء ضمن قوالب لم تسمح ببروز إعلاميين مميزين بالرغم من الإمكانيات التي كانوا يحملونها. عدا عن فقدان التوجيه السياسي عامةً للقواعد الحزبية بضرورة اقتحام عوالم كلية الصحافة في دمشق أو بيروت والحصول على تحصيل جامعي يُفيد القضية الكردية. ولم يتمكن الإعلام الحزبي من الخروج من دائرة الوسط الكردي الضيق ومخاطبة العالم الخارجي، لذلك بقي كثير من عوالم القضية الكردية إما غائبة أو مشوهة لدى النخب السياسية والثقافية السورية أو في عموم الوسط العربي خارج سوريا.

الثالثة: الإعلام الجديد الذي انطلق بعد الـــ2011، وحمل معه ثلاث صفات جديدة، المواطن الصحفي، الإعلام البديل، الاستفادة من شبكات التواصل الاجتماعي. مع ذلك بقيت المشكلة في الإعلام الحزبي "أخذ دور المتفرج" أمام ما يحصل من تغيرات أصابت بنية العمل الإعلامي، وتغاضت عن الاحتياج والمتطلب للوصول إلى إعلام عصري. هذا الإعلام تحديداً-الجديد- شكل نفاذاً للغالبية العظمى من الصحفيين الكرد في سوريا، ويُمكن القول إن الأغلبية الساحقة ممن حصلوا على فرصهم للعمل ضمن المراكز البحثية والإعلامية، كانت بجهود شخصية وليس تمهيداً أو توفير فرص لذوي الإمكانيات المعرفية والكتّابية، ولولا اقتحام النُخب الشبابية الثقافية –الإعلامية –البحثية والمعرفية، لهذا الإعلام، لبقيت الأفكار والمعتقدات حول الكُرد وقضيتهم تعيش تعريفاتها المغلوطة القديمة، إعلامياً.

وفي مقابل ذلك، انقسم الوسط الإعلامي الكردي في سوريا إلى ثلاثة أصناف: إحداها مختصة في مراقبة ومتابعة تحركات ومداخلات ومنشورات أطراف سياسية محددة، إضافة للإشراف على صفحات وهمية هدفها النيل والتشهير والتهديد لأصحاب الرأي المخالف، مع التشجيع والاعتزاز بحالات الاعتقال أو الخطف التي طالت الصحفيين والكتّاب والسياسيين الكرد المعارضين، وبذلك شكلت نقيصة ضخمة للوسط الإعلامي الكردي، إذ كيف لصحفي أن يفرح لاعتقال صحفي آخر، هذه شكلت مفارقة بنتائج مستقبلية خطيرة.

والثانية: وهي فئة ملتزمة وتقدم صحافة هادفة وتقاوم كل أشكال الضغط والترهيب وترفض التأطير والرضوخ، وترغب بالحفاظ على أنساق للحوار والتواصل بين مختلف المكونات، وهؤلاء يتعرضون لشتى أنواع الضغط والتشهير والتنمر.

والفئة الثالثة: وهي الصامتة البعيدة عن التدخل في الشأن العام، وهي أيضاً مفارقة أن يكون الصحفي بعيداً عن اتخاذ الموقف المنسجم مع الناس والقواعد الاجتماعية بحجة الحياد.

لماذا لا يبادر كرد سوريا إلى إطلاق منصة، أو إذاعة أو موقع إلكتروني، أو تلفزيون لمخاطبة العرب في سوريا وباقي أجزاء الوطن العربي، ويقدمون أنفسهم إليهم كما هم يرغبون؟

المفارقة الأكثر غرابة في الوسط الإعلامي والسياسي الكردي هو موقفهم ورؤيتهم لآلية وكيفية تعاطي البعض من الإعلام العربي مع قضايا تخص جوهر ومضمون القضية الكردية، ومناطق عفرين وراس العين وتل أبيض. وعادة من يميل إلى اللاتفكير وعدم إرهاق العقل والذاكرة، فإنهم يعثرون في معرض بحثهم عن أفضل الحلول والطروحات للخروج من معضلة التفكير، والتركيز على أن "الخط التحريري، سياسات التحرير، المصطلحات، التوجهات....إلخ: تعادي الشعب الكردي في سوريا. ولكي لا يُتعبوا أنفسهم مغبة البحث عن الأسباب الدافعة لحالة العداء تلك. وفي جوهر القضية فإن أربع محددات مترابطة تشرح طبيعة هذا الطرح، أولها: حقيقة توجد هجمة شرسة ضد الوجود التاريخي للكرد في سوريا، وثانيها: أن من حمل القضية الكردية إعلامياً إلى المحافل الدولية كانت أقلام الشباب الكتّاب الصحفيين والباحثين الكرد وعبر الإعلام العربي نفسه، والذي لولاه؛ وكنتيجة لبؤس واقع الإعلام الكردي، لبقيت القضية إعلامياً ضمن النطاق المحلي ليس إلا، وكانت ستشكل كارثة سياسية للكرد، والثالثة: لماذا لا يبادر كرد سوريا إلى إطلاق منصة، أو إذاعة أو موقع إلكتروني، أو تلفزيون لمخاطبة العرب في سوريا وباقي أجزاء الوطن العربي، ويقدمون أنفسهم إليهم كما هم يرغبون، أما الرابعة: فإن ما تشهده أروقة الإعلام الكردي من تخوين وإلصاق تهمة العمالة والارتباط بجهات خارجية، وشرعنة عمليات الخطف والاعتقال والترهيب، واتهام الرموز الكردستانية بأبشع الصفات، أمام صمت الجميع، يدفع للاستفسار حول سبب الاعتراض على سياسات إعلامية عربية ضد الكرد، وهم أنفسهم يمارسون تلك الأساليب نفسها ضد بعضهم البعض، لم يمارسها الإعلام الأكثر حقداً على الكرد.

والأكثر بشاعة في الوسط الإعلامي الكردي، وإن كان خارج سياق التصفيات الجسدية، يكمن في "الإعلام الأصفر" الذي يستهدف كرامة وأخلاق الصحفيين المتزنين، وما يشكله ذلك من أذى نفسي وضغط عائلي وشخصي على صاحب العلاقة، إضافة إلى أن الجهات الإعلامية صاحبة خطاب السلطة، وفي كثير من الأحيان يكون هو الإعلام الوحيد الموجود الذي يشكل دائرة تلف قلم الصحفي وتمنعه من الكتابة في أيّ شأن يُمكن أن يخرج عن الرتم المرسوم، ويؤسس بذلك صورة نمطية "لهرطقة" الكاتب والصحفي، لدى جمهور السلطة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار