هل لدى السعودية "مخارج" لأزماتها؟

هل لدى السعودية "مخارج" لأزماتها؟

هل لدى السعودية "مخارج" لأزماتها؟
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (AFP)
28 تشرين الأول 2018

يميل الباحثون في العلاقات الدوليّة إلى تعريف الدولة بوصفها فاعلاً عقلانياً ضمن نظام دولي فوضوي دون أن يفهم ذلك بأن الحكومات لا تخطئ. فالخطأ وارد جداً، ويحدث غالباً نتيجة ثلاثة محددات؛ سوء التقدير، سوء الفهم، وسوء الحسابات، في ضوء ذلك، يتبادر سؤال بديهي مفاده كيف تكون الدول عقلانيّة وترتكب الأخطاء الجسام في الوقت نفسه؟

جوابنا باختصار، تضع الحكومات عندما تخط استراتيجيتها العامة تجاه قضية ما خططاً بديلة، وترسم مسبقاً استراتيجية خروج "Exit Strategy" عند احتمال الفشل، وبدون ذلك يلقي تعثر إنفاذ الاستراتيجيات بتداعياته على مكانة الدولة في النظام الدوليّ، واستقرارها الداخلي أيضاً.

وإذا كانت استقالة الحكومات بوابة الخروج من الأزمات في الدول الديمقراطية، فإن التاريخ يحفل بأمثلة عن دول تفككت بعد أزمات حادة مثل سقوط الاتحاد السوفييتي بعد غزو أفغانستان

 

سؤال جريمة خاشقجي؟

خلال الشهر الجاريّ انشغل العالم بجريمة اغتيال الصحافي السعودي البارز جمال خاشقجي. وبغض النظر عن الموقف الأخلاقي الذي يحتم علينا عدم التسامح مع هذا النوع من الجرائم تحت أي مبرر، فإن المتابع الخارجي لحيثيات الموقف يدرك كيف أن هذه الجريمة التي ارتكبها مسؤولون رفيعو  المستوى في الدولة السعوديّة، تحولت إلى "أزمة دولية" كبيرة. وبكلمات أخرى، فشل الجناة في حصر الجريمة داخل المملكة أو إلباسها لبوسًا جنائيًا يميعها ضمن اللوائح والقوانين الناظمة.

عدا عن بدائية الجريمة وحماقة مرتكبيها، انكشف للعالم أجمع مدى الوهن الذي يعتري المملكة في إدارة هذه الأزمة وغيرها من الأزمات الأخرى. فالاستجابة الرسمية تفاوتت ما بين النفي المطلق باحتجاز خاشقجي داخل السفارة إلى موته بشجار  ثم قتله دون علم القادة إلى الاعتراف مؤخرًا بالنية المسبقة في التخطيط للجريمة وارتكابها. وأمام هذا التخبط، يطرح هذا المقال سؤالاً بدائيًا مؤداه: هل تدار الأزمات في السعودية وهل لدى المملكة مخارج لأزماتها؟

 

الإدارة بالأزمة 

يميز حقل إدارة الأزمات بين نوعين رئيسين في الاستجابة للأزمات، يختلفان باختلاف عمق الأزمة ودرجة حدتها ومراحلها، وهما الصدام أو الاحتواء. إلى جانب ذلك، يبرز أسلوب آخر أثبتت بعض التجارب نجاحه في بعض الأحيان، لكن آراء الخبراء اتفقت على ضرورة تجنبه بشتى الوسائل، حيث يعرف هذا الخيار بـ"الإدارة بالأزمة".

ويقوم هذا النهج على فرضية بسيطية مفادها أنه في حال العجز أو عدم الرغبة في حل الأزمات أو إدارتها عقلانيًا، فإن اختراع أزمة أخرى إلى جانبها ربما يكون وسيلة آنية جيدة لشغل الأنظار عن الأزمة الأولى بما يسمح لاحقا بالتفرغ لعلاجها. ومنذ عام 2011 وحتى الآن، مرت غالبيّة الدول العربيّة بأزمات بنيوية عميقة لم تنجح أدوات الصدام في حلها، ولم تتوافر للأنظمة القائمة رغبة في احتوائها أو معالجة أثارها، فاتبعت هذا النهج الذي أغرقها في أوحال عديدة كما جرى مع السعودية مؤخرًا. 

 

السعودية والربيع 

بالنسبة للسعوديّة، مثل الربيع العربيّ أبرز التحديات الوجودية للأسرة الحاكمة. فالشعوب العربية دخلت وللمرة الأولى منذ تأسيس الدولة العربية الحديثة في معادلة السياسة واختيار شكل نظام الحكم بعد أن ظلت لعقود تخشى أدواته القمعية أو تنتظر مكافأته الريعية.

الطريقة السعوديّة في علاج الأزمات انحصر في نهج "الإدارة في الأزمة"

الطريقة السعوديّة في علاج الأزمات انحصر في نهج "الإدارة في الأزمة"، إذ تدخلت عسكريًا في البحرين لوأد الاحتجاجات تاركة الصغير، المتعب اقتصاديًا، في أزمة اجتماعية عميقة قد تتفجر في أي وقت. وعلى المنوال ذاته، رتبت السعودية والإمارات انقلابًا عسكريًا ضد الثورة المصريّة أعاد عقارب الساعة بأبشع صورها إلى الوراء ما أدخل مصر في أزمات متتالية لم تنفع معها كل جرعات المساعدات الاقتصاديّة والماليّة.

وبالانتقال إلى سوريّة، فقد برهنت الأحداث أن الحماس السعودي كان لإطالة الأزمة وليس حسمها، والدليل أنها عندما قررت الانسحاب لم يرف لها جفن في ترك السوريين أمام مقتلة إيران وروسيا. وما حدث لسورية، حصل في اليمن بنسخة أخرى عندما جاءت المبادرة الخليجية لإنهاء الثورة اليمنية قبل الانقلاب على مخرجاتها عبر دعم الرئيس المخلوع والمقتول علي عبد الله صالح من جهة، وتشجيع الحوثيين على الزحف إلى صنعاء لإضعاف حكومة الوفاق الوطني. 

 

الأزمات الخارجية شأن داخليّ

بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز مطلع 2015 و صعود الملك سلمان إلى عرش السعودية، سعى الأخير إلى إعادة ترتيب مشهد الحكم بما يسمح بصعود ولده محمد إلى ولاية العهد بالتدريج. كانت إزاحة الأمير مقرن نقطة البداية في طريق محمد بن سلمان إلى العرش.

آنذآك، اتخذ الأمير الشاب قرار التدخل العسكري في اليمن ضمن نهج "تصدير الأزمة الداخلية" أكثر ما كان رغبة في حل أزمة خارجية، فهدف الأمير كان واضحا منذ البداية بتأديب الحوثيين على طموحاتها لا هزيمتهم والانتصار للثورة اليمنية. وجاء حصار قطر في السياق ذاته، وعلى أعتابه صعد الأمير إلى ولاية العهد بديلًا عن ابن عمه القوي "محمد بن نايف". ومنذ ذلك الحين، اعتاد الأمير الجديد على اختراع الأزمات الخارجية متى ما تأزم الوضع داخليًا أو ظهرت بعض الوقائع التي تثبت فشل نهج إدارته للدولة. ولعل أزمة الحريري وقتل خاشقجي أكبر مثال على ذلك.

 

لا مخارج حقيقة

يتضح لأي مراقب أن النهج السعودي في التعامل مع الأزمات الداخلية والخارجية يفتقد إلى استراتيجيات الخروج عند الفشل. قد يكون الغرور بالذات والاقتناع بالنجاح هو السبب الرئيس لذلك، لكن الاندفاع إلى شخصنة الأزمات يجعل الفشل الصغير كارثيًا. لقد خسرت المملكة في سورية، وفشلت في اليمن، وتعثرت في مصر، وفقدت تأثيرها في لبنان، ولم مخططاتها في قطر، واستنزفت جزءاً كبيراً من رصيدها الدولي في اغتيال خاشقجي مؤخرا.

تمتلك السعودية مقدرات مادية ومعنوية هائلة تمكنها من لعب دور فاعل في حل أزمات المنطقة، والتخفيف من حدة أزماتها الداخليّة. إن نهج اغتيال المعارضين وانتهاك حرمة أجسادهم وزج المعارضين الإصلاحيين في السجن، هو نهج أثبت فشله وأدى إلى نتائج تدميريه في بلدان عديدة، ولن تكون السعودية أكثر حظًا فيما لو استمرت بغيها وغرورها الحالي.

مقالات مقترحة
ضباط النظام يستغلون أزمة الوقود ويبيعونه خارج المحطات بـ 1500
الخبز السياحي بـ 1200 وليس أمام السوريين سوى الطوابير
غراندي يلتقي سوريين في الغوطة الشرقية.. قدرتهم على الصمود مذهلة
غراندي يلتقي سوريين في الغوطة الشرقية.. قدرتهم على الصمود مذهلة
انخفاض مفاجئ بأعداد إصابات كورونا في شمال غربي سوريا.. ما السبب؟
مؤسسة الطيران المدنية: لن يسمح بالصعود إلى الطائرة دون فحص PCR