كانت سوريا من أوائل الدول العربية التي أقرت للمرأة حقوقها السياسية لكن الطريق من النص القانوني إلى التمثيل الفعلي لم يكن سهلاً. إذ بدأت مسيرة المرأة السورية في الوصول إلى قبة البرلمان بمنحها حق التصويت بموجب قانون الانتخابات العامة لعام 1949، رغم أنه جاء مقيداً بشرط الحصول على شهادة التعليم الابتدائي بينما لم يفرض هذا الشرط على الرجال بعد ذلك رسخ دستور 1950 حق المرأة في التصويت والترشيح أسوة بالرجال.
ورغم هذا الإنجاز التشريعي المبكر لم تصل أي امرأة للمقعد البرلماني عبر الاقتراع المباشر في تلك الفترة. وكانت الناشطة ثريا الحافظ أيقونة هذه المرحلة Gكونها أول امرأة تترشح لمجلس النواب السوري في الخمسينيات وإن لم تفز. أما أول تمثيل نسائي فعلي داخل هيئة تشريعية فجاء بالتعيين ضمن مجلس الأمة (برلمان الوحدة مع مصر) عام 1958 حيث دخلته كل من وداد هارون وجهان موصلي ممثلات عن سوريا.
أما في ظل حكم البعث فكان تمثيل النساء بحدود 12 % ولكنها لم تصل لمواقع صنع القرار الفعلي مع الأخذ بعين الاعتبار أن دور المجلس عموماً اقتصر على التصديق الشكلية.
وبعد سقوط نظام الأسد أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع في 13 يونيو/حزيران الماضي المرسوم رقم 66 لعام 2025، القاضي بتشكيل "اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب" استناداً إلى المادة 24 من الإعلان الدستوري التي نصت على أن يتولى المجلس السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة في حين ستبلغ مدة ولاية المجلس عامين ونصف قابلة للتجديد.
ونتيجة لظروف المرحلة الانتقالية والمشكلات المتعلقة بالوثائق الرسمية والسجل المدني، إضافة إلى غياب قاعدة بيانات متكاملة للناخبين تم اعتماد نظام انتخابي مؤقت وهو غير مباشر عبر اللجان الفرعية والهيئات الناخبة، ونص الإعلان الدستوري على اختيار ثلثي أعضاء المجلس (140 من 210) عبر هيئات ناخبة فيما يعيّن الرئيس الثلث لمعالجة أي نقص في التمثيل، وكانت اللجنة العليا للانتخابات قد حددت نسبة 20 % لتمثيل النساء في المجلس.
وفي 26 من أيلول/سبتمبر الماضي أصدرت اللجنة العليا للانتخابات القوائم النهائية لأعضاء الهيئات الناخبة للدوائر الانتخابية في المحافظات، الذين يحق لهم الترشح والتصويت وبلغ عددهم 1578 مرشحاً، شكلت النساء ما نسبته 14% منهم، وقد تباينت نسبة حضورهن بين محافظة وأخرى.
لكن نتائج الانتخابات شكلت مفاجأة فيما يتعلق بالحضور النسائي إذ قال رئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد أن حصة المرأة لم تتجاوز 3% بعد عمليات الفرز، وغابت النساء تماماً عن محافظات مركزية مثل دمشق وريف دمشق وحلب، رغم حضورهن الواسع في الهيئات الانتخابية وخاصة في دمشق التي بلغ عدد النساء في هيئتها الانتخابية ما يقارب 150 امرأة من أصل 500 عضو. في حين تصدرت المرشحة مؤمنة عربو قائمة الفائزين عن دائرة مدينة حماة.
تمثيل فشل في تخطي التحالفات
وفي حديثها لموقع تلفزيون سوريا عن نتائج الانتخابات التي جرت لأول مرة في بيئات تفتقر إلى الحرية والتجربة الديمقراطية الراسخة أشارت المهندسة كندة حواصلي، إحدى المرشحات البارزات عن دائرة دمشق، إلى أن التمثيل النسائي كان واضحاً في الهيئات الانتخابية لكنه فشل في ترجمة نفسه إلى نجاح ضمن التحالفات والوصول إلى المقاعد واتسمت هذه العملية الانتخابية الأولى بالتنافسية الشديدة التي لم تركز على الكفاءات بقدر ما ركزت على "من سيمثل ماذا".
في حين قالت المرشحة شيماء مازن دلعو إن التحالفات الانتخابية لم تكن قائمة بالضرورة على معيار الكفاءة، بل كانت غالباً مناطقية أو مرتبطة بحجم الأصوات المضمونة وهو ما اعتبرته المرشحة غير منصف وغير عادل.
وأضافت دلعو في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أنه في خضم هذه "اللعبة السياسية" القائمة على الأرقام والتوافقات السريعة كانت المرأة عنصراً أضعف إذ لا يمكنها دائماً ضمان كتلة تصويتية كبيرة مما أبعدها عن مراكز القوة في التحالفات.
ما أسباب ضعف التمثيل النسائي؟
تعزو حواصلي ضعف التمثيل النسائي إلى عدة عوامل هيكلية ومجتمعية وإدارية. على المستوى الهيكلي رأت أن تقسيم المناطق بحاجة إلى إعادة دراسة، مستشهدة بدمشق التي اعتبرت كتلة واحدة وخُصص لها عشرة مقاعد رغم اشتمالها على 16 منطقة. ضمن هذا التقسيم أن 6 مناطق على الأقل لن تحصل على أي تمثيل وهو ما ظهر جلياً في النتائج حيث فاز أكثر من مرشح من بعض الأحياء بينما لم يفز أي مرشح في مناطق أخرى. أما بخصوص تحالف النساء؛ فأكدت حواصلي أن فكرة تكتلهن لدعم مرشحة واحدة كانت غير عملية لأن عدد أصواتهن (150 صوتاً من الهيئة الانتخابية) غير كافٍ لضمان الفوز مما يضع حظوظ المرشحة "في منطقة الخطر" حتى في الحالة المثالية.
على المستوى المجتمعي، أشارت حواصلي إلى أن أسباب التمثيل الضئيل تحتاج إلى دراسة معمقة وتختلف من محافظة لأخرى لكن السمة الأبرز هي استمرار الرؤية التي ترى أن الرجال "أجدَر" بالمناصب القيادية وقادرون على التفرغ لها. ويعود هذا الأمر إلى أن المرأة السورية، كما في كثير من البلدان، لم تصل بعد إلى مراكز صناعة القرار وظلت محصورة في المستويات القيادية الثانية والثالثة أو وراء الكواليس. هذا الغياب لتجارب حقيقية لنساء أثبتن كفاءتهن في دوائر القرار أضعف الدعم الشعبي لهن.
من ناحيتها قالت دلعو التي حصلت على 67 صوتاً إن التنوع الكبير في الشرائح النسائية في دمشق تسبب في انقسام حاد في الأصوات وأضافت أن هذا التنوع إضافة إلى بنية المجتمع الذي يصعب عليه التوافق على دعم مرشحة واحدة وتراجع المرشحين الرجال لصالحها جعل من الصعب جداً على أي امرأة أن تحظى بالتوافق المناطقي أو الفئوي القوي الذي كان عاملاً حاسماً في فوز الرجال.
أما على صعيد إدارة العملية الانتخابية ووعي الناخبين، فقد كان هناك تأخير واضح في الجدول الزمني أثر على فرصة المرشحين لعرض برامجهم. والأهم من ذلك حملت حواصلي مسؤولية جزء من النتائج على الهيئات الناخبة نفسها. فمن بين 500 ناخب في دمشق لم تستطع فرق العمل التواصل إلا مع نصفهم تقريباً والنصف الآخر ظل بعيداً عن الأنشطة الانتخابية. كما أن المشاركة الفعلية في الاجتماعات الحضورية كانت ضعيفة جداً (بين 50 و 70 شخصاً فقط من الـ 150 المتفاعلين). وأدت هذه اللامبالاة بأداء واجب التصويت واختيار الأجدر إلى ظهور وجوه جديدة وخاصة من النساء يوم الانتخابات لم تتعرف على برامج المرشحين مما يثير تساؤلات حول أساس اختياراتهم مشيرة إلى أن البعض ربما اعتمد على التحالفات "في الظل" أو الكواليس بدلاً من إقناع الناس بالبرامج الانتخابية.
إلا أن حواصلي لا تتفق مع من يعزو نتائج الانتخابات إلى ذكورية المجتمع بشكل مطلق، مؤكدة على وجود وعي ورغبة في تمثيل المرأة، ولكنها رأت أن التنافس الانتخابي في دمشق غلب عليه الطابع المناطقي ونتيجة لذلك هيمنت تكتيكات وتحالفات الرجال الذين كانت تحركاتهم أسهل وأكثر مرونة مما جعل اختراق النساء لهذه التحالفات صعباً. فرغم وجود الاهتمام بالمرأة إلا أنه ظل في "الدرجة الثانية". وقد عزز هذا التهميش اعتقاد البعض بأنهم ليسوا مسؤولين عن ضمان فوزها حيث رأوا أن قائمة الرئيس يمكنها "ترميم" هذا النقص لاحقاً.
وتتابع حواصلي أن معالجة ضعف التمثيل النسائي في العملية الانتخابية تتطلب حزمة من الحلول تبدأ بالتدخل المؤقت وتنتهي بالإصلاح الثقافي والسياسي العميق، مضيفة أنّ المتابعة تظهر أن غياب الكوتا الفاعلة قد وضع النساء في منافسة مباشرة غير متكافئة مع المرشحين الرجال، الذين يتفوقون في العدد والخبرة مما أدى إلى غياب الحاجة المُلحة والواضحة لوجود المرأة كقوة فاعلة وليست مجرد شكل وهو ما أكدته المرشحة شيماء دلعو. لذا، لا يمكن انتظار النضج التلقائي للمجتمع لضمان تمثيل المرأة في ظل هذا التنافس المحتدم.
وأشارت حواصلي إلى ضرورة تبني نظام الكوتا النسائية كحل مؤقت ومطلوب لـ دورتين أو ثلاث دورات انتخابية على الأقل. ولتجنب عيوب التطبيق التقليدي للكوتا يجب تطبيقها في عملية احتساب الأصوات أي بتخصيص نسبة محددة من المقاعد (مثل 20%) لتذهب لأكثر النساء حصولاً على الأصوات مما يحقق عدالة أكبر ويساعد الكفاءات المستقلة على الوصول.
أما على المدى المتوسط والبعيد فيجب، بحسب حواصلي، أن تنصب الجهود على الإصلاح الجذري ويشمل ذلك بناء الوعي المجتمعي من القواعد للرجال والنساء وذلك لمعالجة الممانعة الثقافية القائمة ضد دخول النساء مراكز القيادة. والأهم هو ضرورة تنظيم الحياة السياسية عبر إطلاق قانون للأحزاب لضمان أن تكون التحالفات قائمة على الأفكار والبرامج السياسية الواضحة بدلاً من التحالفات المناطقية أو القائمة على الحسابات الكمية للأصوات وهو ما يفتح المجال لتمكين النساء المؤهلات بناءً على الكفاءة والبرنامج السياسي.
مشاركة نسائية ما تزال محدودة
وتشير نتائج تشكيل مجلس الشعب الأخيرة إلى أن مشاركة المرأة السورية في الحياة السياسية وصناعة القرار لا تزال محدودة وتواجه تحديات هيكلية عميقة. فعلى الرغم من النص على مبادئ المساواة والديمقراطية في المواثيق، بقي دور المرأة شكلياً في الغالب وغير ممثل لإرادة نصف المجتمع.
وتظهر المعطيات أن النظرة التقليدية للمرأة وإخضاع مشاركتها ضمن آليات مثل الكوتا يجعل صوتها تابعاً وغير مستقل لأنه يجبر المرشحات على الانضمام إلى قوائم انتخابية لضمان وصولهن إلى البرلمان ويفرض هذا الإلزام عليهن تبني أجندة اللائحة بالكامل، وهذا ما يجعل حضورها باهتاً وغير مؤثر وينعكس سلباً على دورها في صياغة التشريعات والقوانين التي تمس حياتها بشكل مباشر.
وتُظهر التجارب الانتخابية عموماً أنّ المشاركة الكاملة والفاعلة للمرأة على جميع المستويات تُعدّ ضرورة أساسية لعدالة التشريع وشمولية القرار، وأن بناء مستقبلٍ سياسي مستقرّ يتطلّب تجاوز النظرة القاصرة، والعمل على ضمان أن يكون للمرأة صوتٌ وازن ومسموع في مختلف مسارات صناعة القرار، بما يحقق المصلحة العامة ويعزز فرص التحول الديمقراطي في أي مجتمع يسعى لترسيخ قيم المساواة والمواطنة.