هل كانت أحداث الثمانينات ثورة؟

تاريخ النشر: 28.05.2018 | 00:05 دمشق

صباح الثالث من حزيران 1980 دعي الطلاب العسكريون لمدرسة المدفعية بحلب إلى اجتماع طارئ. كانوا قد سمعوا في الليلة الفائتة أصوات النيران الكثيفة والألعاب النارية التي أطلقت إثر مقتل النقيب المتمرّد إبراهيم اليوسف، الذي ارتبط اسمه بالمجزرة التي قادها قبل عام في المدرسة نفسها، وراح ضحيتها أكثر من ثلاثين من طلاب الضباط العلويين، بعد فرزهم على أساس طائفي معلن. حُملت جثة اليوسف على نقالة ووضعت وسط ساحة الاجتماع، وحين انتهت الخطب الحماسية أتيح للطلاب أن يتشفّوا منها بالبصاق والركل. يقول شاهد: «اقتربت لأراه فلاحظت أمراً غريباً، لقد كانوا يركلونها بخوف!».

في الحقيقة أحدثت عملية المدفعية رضّاً عميقاً في نخاع النظام يمكن تشبيهه بأثر عمليات 11 أيلول في الولايات المتحدة. وكان رده النهائي عليها بمجزرة حماة عام 1982، التي ألهمته دليل عمله اللاحق الذي سماه توماس فريدمان «قواعد حماة» Hama Rules التي قال إنها تعني أنه لا توجد قواعد على الإطلاق؛ يمكنك أن تفعل أي شيء من أجل البقاء في السلطة، ولا تكتفى بهزيمة أعدائك، بل تقصفهم في بيوتهم، ثم تسوّيها بالأرض، حتى لا ينسى أبناؤهم ولا أبناء أبنائهم، ولا يخطر في أحلامهم، حتى، أن يتحدّوك مرة أخرى.

بصدور كتاب «إبراهيم اليوسف وصفحات من تاريخ الطليعة المقاتلة في سوريا» لعزيزة جلود يضاف مرجع جديد إلى المصدرين الرئيسين عن هذا التنظيم. وهما كتاب «الثورة الإسلامية الجهادية في سوريا» الذي نشره أبو مصعب السوري باسم مستعار هو عمر عبد الحكيم، ومذكرات أيمن الشربجي، قائد الطليعة في دمشق، والتي أفرج عنها منذ سنوات ونشرت على حلقات في مواقع إلكترونية، ثم جمعت في كتاب بعنوان «مذكرات الطليعة المجاهدة في سوريا».

الكتب الثلاثة أقرب إلى الشهادات التي تروي مراحل من سيرة «الطليعة» الخارجة من عباءة الإخوان المسلمين، ثم جرّت معظمهم إلى صدامها مع النظام. ويمتاز كل من هذه الشهادات بتغطيته قطاعاً مختلفاً، جغرافياً وزمنياً، من سيرة الجماعة المسلحة. ومن هنا تأتي، أيضاً، خصوصية كتاب جلود عن زوجها إبراهيم اليوسف، والذي يرسم له أوسع صورة شخصية متاحة، بقدر ما يمكن لامرأة صغيرة السن، عاشت مع رجلها سنوات قليلة كانت فيها بعيدة عن حياته السرية، إلى أن شاركته العيش في إحدى قواعد التنظيم، لأقل من عام، إثر ملاحقته. وخلال هذه الأشهر تقدم جلود صورة لحياة القواعد لا تختلف تقريباً عن نمط أي مجموعة من مقاتلي حرب العصابات في المدن، إلى أن تهاوت شبكة القواعد تحت ضربات الأمن وبتأثير المخبرين والتمشيط الكامل لمدينة حلب. وما نتج عن هذا الانهيار المتسارع من انكشاف ظهر المقاتلين وتشرد عدد من الزوجات والأخوات اللاتي كنّ يؤمنّ التغطية للمقرّات كي تبدو بيوتاً طبيعية. وفي حالة التيه هذه يلقى القبض على جلود وتعاد إلى فروع الأمن التي كانت قد احتجزتها لأشهر بعد عملية المدفعية، أثناء البحث المحموم عن أي خيط يمكن أن يوصل إلى مكان اختفاء زوجها الذي قتل الآن، ولكن الانتقام المعمّم من أسرته وأقربائه مستمر. ولذلك يمتاز الكتاب، فضلاً عن رسم الصورة المعروفة عن وحشية السجون السورية، بالحديث عن شريحة «الرهائن»، ممن اعتقلوا للضغط على الزوج أو الأخ لتسليم نفسه، أو انتقاماً منه كما في حالتنا هذه. وربما قضى بعضهم سنوات طويلة، كما هي حال جلود التي أمضت أحد عشر عاماً في أماكن احتجاز مختلفة، منها تجربة قليلة المرويات، نسبياً، عن سجن النساء في دوما.

يستحق الكتاب القراءة، إذاً، وهو يحتمل الكثير من النقاش والاختلاف. ولا سيما مع رجل تكرر جلود وصفه «بالمعلم» وتسبغ عليه صفات الفداء والبطولة والحكمة، وترى أن ما فعله هو نتيجة شعور متراكم بالتمييز الطائفي خلال مسيرته كضابط، فيما لا يرى أعداؤه شخصاً يملأ كامل معنى كلمة «مجرم» أكثر منه.

غير أن ما يسترعي الانتباه هنا، وقد ظهر الكتاب أولاً في حلقات على فيسبوك كتبت أثناء الثورة وبحافز منها، هو توجه المؤلفة الثابت إلى اعتبار الأحداث التي عاشتها «ثورة» أولى لم يُكتب لها النجاح، وأن ما يجري الآن استكمال لها. وهو ميل تشاطرها فيه شريحة وازنة من الإسلاميين، وقطاع أقل اتساعاً من جمهور الثورة. كما يقابل اتجاهاً مماثلاً في معسكر النظام يسوّق أن ما يجري هو استمرار لمؤامرة «الإخوان المسلمين» على البلد، بعد أن يتم توسيع ضفاف هذه الجماعة لتصبح مفهوماً مطاطياً يشمل الطليعة والنصرة وداعش والجيش الحر... والقبيسيات مؤخراً.

ويستند هذا التوجه، في بيئة الثورة، إلى نقد ما يفترض أنه حسن نية الثورة نفسها، حين خرجت بمظاهرات سلمية، وحين أمِلت في اجتذاب العلويين وسواهم من أبناء الطوائف، وحين انطلقت بشعارات مدنية ووطنية وأغفلت العامل الإسلامي. وها هي قد وصلت –كما يقولون- إلى الوعي الذي بدأ منه «ثوار ومجاهدو الثمانينات»، من استحالة إسقاط النظام إلا بالوسائل العسكرية، ومن تبيّن طبيعته الطائفية التي تجعل من أي مواجهة غير طائفية معه نوعاً من الأماني الوردية، ومن أن المحرّك الإسلامي هو الأكثر فاعلية في معركة بهذه الشروط على الأقل.

ولكن هذا الرأي يغفل معطيات أساسية؛ أولها أن أحداث الثمانينات كانت من فعل تنظيم صغير، بدأ بعشرات الأفراد قبل أن يتوسع ناهلاً من الخزان البشري للإخوان ومن خارجهم، وأنه تنظيم إسلامي متشدد، ومسلح، وطائفي بحكم التكوين والطروحات. مما جعل الشعبية الطارئة والجارفة التي حازها محدودة بمدينتي حلب وحماة المحافظتين، فضلاً عن فروع قليلة الفاعلية في مدن سنّية أخرى، دون أن يمتد بشكل واسع إلى أريافها، إن لم نقل أنه يستقطب شرائح طائفية وقومية مغايرة، مما كان سيجيز، حينها، إطلاق وصف الثورة عليه لا وصف تمرّد جماعة مسلحة استثمرت في مظلومية الطبقة الوسطى المدينة العربية السنّية حصراً. وحتى هنا صعُب عليها استقطاب جمهورها المفترض في دمشق وفي مدن عديدة، مما جعل الاستفراد بالتمرد والقضاء عليه أمراً ممكناً، وإن بالوحشية المعروفة التي توّجت في حماة.

للخطابات والقيم النظرية التأسيسية قوة مهيمنة أصلب بكثير مما يظن المستغرقون في الشأن اليومي. وإذا كان تمرد الثمانينات قد اجتذب مظاهراته الشعبية لاحقاً، وحرّك قوى سياسية يسارية وقومية ومثقفين علمانيين وبعض النقابات، فقد ارتكس إلى عصبه الفئوي الأساسي في كل مناسبة مفصلية. وفي حقيقة الأمر لم تكن للحراك السياسي المعارض صلة جدية، أو حتى غير جدية، بالطليعة التي كانت علاقتها مع جماعتها الأم، الإخوان، تعاني من عسر شديد متناوب الحدة انتهى بقطيعة مشحونة انفعالياً حتى اليوم.

وبالمقابل فإن القيم المؤسِّسة للثورة ما تزال الفضاء الرمزي الحاكم الذي تضطر الفصائل الإسلامية إلى العودة إليه تباعاً، بدءاً من حركة أحرار الشام وحتى استخدام جماعة الجولاني المتزايد لرموز الثورة وشعاراتها خلال العام الأخير. ومهما قادت تحولات الواقع جمهور الثورة وشرذمت ناشطيها فإن وصفها الأولي الذي يشكّل رسالتها إلى السوريين، وصورتها الخارجية التي تتيح لها كلاً من إمكانية الحصول على الدعم وأهلية التفاوض؛ هو أنها حراك قطاعات وطنية واسعة ضد حكم دكتاتوري، لأهداف تتعلق بالعدالة والحرية والكرامة.

ما مصير آخر كنوز إدلب في ظل الإهمال المحلي والتجاهل الدولي؟
بلا أمصال مضادة وعلاجات كافية.. لدغات الأفاعي تهدد سكان شمال غربي سوريا
الجولاني: النظام يحاول استفزازنا ليعرف حجم قوتنا وهناك أسلحة لا نرغب بكشفها
روسيا ترسل لقاح "سبوتنيك لايت" إلى نظام الأسد
بعد أسابيع من انخفاضها.. الإصابات بكورونا تسجل ارتفاعاً في تركيا
دراسة: زيادة الفترة الفاصلة بين جرعتي لقاح فايزر يعزز مستويات الأجسام المضادة