هل قررت روسيا مراجعة سياستها السورية؟

هل قررت روسيا مراجعة سياستها السورية؟

الصورة
07 تموز 2019

سمير صالحة

أستاذ جامعي تركي في العلاقات الدولية

تبنّت روسيا وعلى عكس العديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين وحتى الأمس القريب سياسة سورية شبه ثابتة في التعامل مع ملف الأزمة السورية منذ اندلاعها وحتى اليوم. هي لم تطرح الكثير من الأفكار والخطط لتعود وتساوم على تعديلها في إطار حسابات الربح والخسارة.

بحث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو مع المبعوث الأممي لسوريا غير بيدرسن تشكيل اللجنة الدستورية السورية، وفرص التوفيق بين جميع أطراف التفاوض لترتيب رؤية مشتركة للعملية السياسية في سوريا.

في مطلع كانون الأول عام 2017 خلال محادثات وقف إطلاق النار التي عقدت في أستانا وزعت روسيا على المعارضة السورية هناك مسودة مقترح لدستور سوري جديد وضعته موسكو "على طريق إنهاء الصراع" كما قالت يومها. بعد أشهر طويلة من التفاوض حول أسماء اللجنة الدستورية السورية يعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن إطلاق عمل اللجنة الدستورية يمثل خطوة حاسمة على طريق العملية السياسية في سوريا.

ما الذي ستفعله اللجنة؟ بحث المقترح الروسي أم إعداد وثيقة دستورية جديدة؟

هي في جميع الأحوال مرونة روسية برزت إلى العلن في التعامل مع الملف السوري ولكن ليس حيال أنقرة وطهران وكما كان يحدث في العامين المنصرمين تحديدا تحت سقف أستانا وسوتشي، بل باتجاه واشنطن وتل أبيب هذه المرة.

هي في جميع الأحوال مرونة روسية برزت إلى العلن في التعامل مع الملف السوري ولكن ليس حيال أنقرة وطهران وكما كان يحدث في العامين المنصرمين تحديدا تحت سقف أستانا وسوتشي، بل باتجاه واشنطن وتل أبيب هذه المرة

 موسكو جاهزة كما يبدو للتنسيق أكثر فأكثر مع إسرائيل وأميركا في الموضوع السوري أمام التصلب التركي والإيراني. وهي على استعداد لمد يدها أكثر نحو واشنطن تحديدا في إيجاد صيغة تفاهمات ثنائية حول سوريا أمام وصول سياستها اليوم إلى طريق مسدود.

الصواريخ الروسية التي يجري تعليبها لإرسالها إلى أنقرة، دفعت أنقرة ثمنها لكن هناك ثمن آخر تريده موسكو حتما وهو المزيد من التنسيق والتقارب معها في ملفات ثنائية وإقليمية يتقدمها الملف السوري أولا ثم اطلاق يدها للتفاوض مع تل أبيب وواشنطن على المرحلة السياسية والدستورية الجديدة في سوريا ثانيا.

روسيا التي تسيطر على الأرض والقرار السياسي للنظام في دمشق هل سيكون بمقدورها فرض ما تريده على الجميع في التعامل مع الملف السوري؟

بوتين كان يقول قبل أشهر ان نجاح روسيا في سوريا يرجع لاتباعها استراتيجية تجمع بين التكتيك والوسائل العسكرية الحديثة المبتكرة والدبلوماسية الفعالة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. هل هو ما زال عند رأيه اليوم بعد الدخول الأميركي الإسرائيلي التركي الواسع على خط الأزمة؟

عقبات كثيرة تعكس حقيقة أزمة المشروع الروسي محليا وإقليميا بينها:

- ما ذكر في شهر نيسان المنصرم حول عمليات استطلاع رأي روسية تجري في مناطق الكثافة السكانية العلوية بشأن مستقبل سوريا وسط سيناريو سياسي من دون بشار الأسد. ووصولها إلى استنتاج أن ولاء الساحل مطلق لعائلة الأسد وأن ثمن الاصرار على إبعاد الأسد قد يكون المطالبة بالانفصال في سوريا. 

- وما نشر حول استطلاع قام به أحد أهم المراكز الروسية المتخصصة يتعلق بالوجود الروسي في سوريا وحيث ظهرت النتائج المعلنة وهي تتحدث عن ارتفاع عدد الروس الذي يطالبون بعدم التدخل العسكري لبلادهم في سوريا وحيث طالبت نسبة 55 بالمئة من المستطلعين الروس بإيقاف تدخل بلادهم العسكري في سوريا، في حين انحفضت نسبة المؤيدين لمواصلة العملية العسكرية إلى 30 بالمئة.

استطلاع قام به أحد أهم المراكز الروسية المتخصصة يتعلق بالوجود الروسي في سوريا وحيث ظهرت النتائج المعلنة وهي تتحدث عن ارتفاع عدد الروس الذي يطالبون بعدم التدخل العسكري لبلادهم في سوريا وحيث طالبت نسبة 55 بالمئة من المستطلعين الروس بإيقاف تدخل بلادهم العسكري في سوريا

- وحيث ثبت في الآونة الأخيرة ان موسكو تجد صعوبة في تجيير انتصاراتها السياسية والميدانية في سوريا إلى قرارات وصيغ حلول تفرضها على الشعب السوري واللاعبين الإقليميين المتابعين للملف.

- وعندما كان بشار الأسد يعلن من طهران أن نظامه نجح في معركة القضاء على مخطط تفتيت سوريا ولم يبق سوى القليل لبسط سيادة الدولة على الأراضي السورية بأكملها، كان الرئيس فلاديمير بوتين يعلن بعد استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو عن وجود خطة روسية لإنشاء مجموعة دولية جديدة تشمل الدول المنخرطة في النزاع السوري، وتتولى مهمة "الاستقرار النهائي" بعد استئصال الإرهاب من هناك ثم ذهب ليبحث ذلك مع الأميركيين والإسرائيليين في تل أبيب.

- وتقدم حقيقة أخرى على الأرض حيث كانت روسيا تسعى إلى فرض شرعية جديدة للنظام بعد تلميع صورته لكنها هذه المرة وبعد جلوسها أمام الأميركيين والإسرائيليين والحديث عن ضرورات العودة إلى صيغة جنيف فهي يبدو أنها قبلت الواقع الجديد غير أسلوب التهديد الروسي والأسلوب الفوقي الذي رأيناه في أستانا وسوتشي "من لا يحضر سيجد نفسه مهمّشا".

موسكو تخلت كما يبدو أيضا عن تصلبها في تحريك ورقة النظام السابقة التي كانت تردد من خلالها أن التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا بات ممكناً مع استعداد الأسد لإعداد دستور جديد. موسكو بعد الآن تريد المساومة على إضعاف النفوذين التركي والإيراني مقابل طاولة تفاهمات أميركية إسرائيلية تحمي حصتها الكبرى في سوريا. لكن مشكلتها الكبرى تبقى استعداد النظام لإدارة الظهر لها ولعب ورقة الطائفة العلوية ومشروع الساحل الانفصالي واستحالة إقناع قوى المعارضة السورية بالتعاون والتنسيق معها وهي تناور على كل الحبال لإلزام الجميع بما تقول.

كل خطوة تقدم عليها موسكو في سوريا بعد الآن ستعرضها لأزمة أكبر ومساءلة أوسع وعزلة سياسية إقليمية ودولية أخطر.

موسكو بعد الآن تريد المساومة على إضعاف النفوذين التركي والإيراني مقابل طاولة تفاهمات أميركية إسرائيلية تحمي حصتها الكبرى في سوريا. لكن مشكلتها الكبرى تبقى استعداد النظام لإدارة الظهر لها ولعب ورقة الطائفة العلوية ومشروع الساحل الانفصالي

الحقيقة هي أن الحوار الروسي الإسرائيلي الأخير كان يهدف لإعلام الجميع أن موسكو جاهزة للجلوس حول طاولة ثلاثية من هذا النوع في إطار صفقة سورية متعددة الجوانب ترسم خرائط المستقبل السياسي والدستوري والعرقي هناك. لذلك هي لن تكون مفاجأة إذا ما سمعنا قريبا من يقول لنا في موسكو إن روسيا فقدت ثقتها بتفاهمات أستانا وسوتشي وإن العودة إلى مسار جنيف وفق قرارات مجلس الأمن وبرعاية دولية وعبر التنسيق الأميركي الروسي المباشر هو الفرصة المتبقية للحل في سوريا.

موسكو هذه المرة هي التي تحاول لعب دور جسر التواصل بين تكتلي أستانا والطاولة الثلاثية لتل أبيب في محاولة لدفع المسار السياسي في سوريا في إطار العودة إلى جنيف والقرارت الأممية مع الاعتراف بثقل ونفوذ اللاعبين الإقليميين خلال تقاسم قطعة الجبن. هي جاهزة للمساومة على رأس النظام مع واشنطن وتل أبيب وغيرهما طالما أن هناك من يلتزم بإعطائها ما تريد. المساومة قد تصل إلى إخراج إيران من سوريا إذا ما اتسعت رقعة التفاهمات وتبادل الخدمات بينها وبين من يضمن لها الحصة الأكبر في بناء خارطة سوريا الجديدة.

المشروع الروسي في سوريا أمام مرحلة سياسية جديدة. موسكو جاهزة للمساومة على كل شيء مقابل الخروج من الورطة التي تتتسع دائرتها يوما بعد آخر بسبب الرفض والاعتراض والمقاومة المحلية والإقليمية والدولية التي تواجهها.

 

شارك برأيك