هل فقدنا إنسانيتنا؟

هل فقدنا إنسانيتنا؟

الصورة
21 نيسان 2019

إيمان محمد

كاتبة وروائية وناشطة سورية

في أحد الشوارع العامة في مدينة الباب، في الشمال السوري، وقبل أن تضع قدمها في المواصلات العامة، سألت سيدةٌ السائق إن كان بوسعها الصعود مجاناً إذ إنها لا تملك مالاً، لم يفكر أكثر من لحظة حتى أومأ لها بالموافقة برضا كامل دون أي مؤشر إلى أنه أسدى لها معروفاً، وكأنما يقول لها: هذا حقك الطبيعي.

وقبل ذلك بأيام استوقف سائقاً آخر رجلٌ مع زوجته وفي يدها أدوية، وسأل إن كان بالإمكان إيصالهما مجاناً، فأجاب السائق: إن لم تمتلكا مالاً فاصعدا، ففعلا، وأيضا لم تكن هناك مؤشرات سلبية من السائق أو الركاب، بل حياة تسير وفق مبادئ إنسانيّة راقية.

وقبل ذلك بشهرٍ تقريباً، استوقفت امرأتان أحد السائقين، واستأذنتاه بالصعود دون دفع مقابل فهناك مريضة بحاجة لعيادة طبيبة والمكان بعيد، فلم يكن موقفه بكرم زميليه، ورفض وهو يقول إنهن قد يصرفن الأموال في السوق هناك " سوق الخميس"، وأغلق الباب وهمّ بالسير، ففوجئ بإحدى الراكبات تطلب بلطف أن يتوقف، ويسمح للسيدتين أن تصعدا على حسابها، وأعطته المال قبل صعودهما لئلا تتسبب لهما بحرج.

موقف رابع لثلاثة إخوة صغار – طلاب مدرسة- طلبوا الصعود ودفع أجرة لشخص واحد فقط، لم يضق بهم ذرعاً مع أن وجودهم يحتل مكان راكب إضافي، فتم الترحيب بهم وذهبوا إلى مدرستهم بسلام.

هذه فقط نبذة من مشاهداتي اليومية في مواصلات عامة تضم كل أنواع البشر، والأمثلة تتنوع وتختلف في مجالات أخرى، لتجيب على قلقي المفرط في الصباحات الغائمة والماطرة التي أمرّ بها أن الدنيا مازالت بخير

هذه فقط نبذة من مشاهداتي اليومية في مواصلات عامة تضم كل أنواع البشر، والأمثلة تتنوع وتختلف في مجالات أخرى، لتجيب على قلقي المفرط في الصباحات الغائمة والماطرة التي أمرّ بها أن الدنيا مازالت بخير، وأن الشعب السّوري العظيم على تعدد شرائحه واختلاف ثقافاته وعاداته يحمل من سمات الخيرية والإنسانية الشيء الكثير، وقد كنت أتساءل هل هذه سمة أصيلة في السوري، أم أن المعاناة التي عاشها الشعب جعلته يشعر ببعضه أكثر، ويتراحم مع الآخرين بهذا الجمال والوضوح!

هل حقاً أننا لم نتشوه إلى الحد الذي كنا نعتقد أننا وصلنا إليه؟ وبأننا لم نصبح أكثر نزوعاً لذواتنا، وبأننا رغم كل ما أخذوه منا، مازلنا نلغي الأنانية ونفكّر بالآخرين مع حالة العزلة المفروضة والشعور العميق بالوحدة، ومع حالة غياب المرجعية الأخلاقية والقيمية، وتعمق فكرة النجاة بالنفس بعد حالة الخذلان واليأس من كل شيء، ومن كل إنسان.

في الوقت الذي كدت أشعر فيه أن حالة الجشع والأنانية هي الصفة التي شاعت وانتشرت، خاصة أن الإعلام لم يتوقف يوماً عن نشر قصص القتل في مدن وقرى ومخيمات الشمال السوري، بالطعن أو إطلاق النار أو التفجير، فضلاً عن حوادث السلب والنهب التي تحدث بكثافة وبشكل يومي، مما يجعل شعوراً بانعدام الأمان يسيطر على الإنسان، ليترك انطباعاً بسوء وبشاعة العالم ككل، فللسرقة دوافع ولها أسباب، والجرائم مؤشر لخلل كبير في بنية المجتمع، وعدم فاعلية الإجراءات السطحية المتبعة في ضبط الأوضاع وإشعار الناس بالأمان، فلا قانون سائد ولا عقوبات رادعة، ولا خطط أو مشاريع لإنعاش الحالة الاقتصادية ودفعها للأمام، ولا أدوار تربوية واضحة في المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية، الأمر الذي لا يوصل إلا ظلامية المشهد دون بصيص نور، ما الذي يحدث إذاً؟ ولماذا لم يتحول الناس -كما أرادوا لهم- إلى وحوش بشرية؟

إن من الواضح اليوم أن المحاولات الجادة لغسل أدمغتنا لم تكن فعالة بما فيه الكفاية لتقتل الخير والإنسانية في نفوسنا، والتأكيد المستمر عبر وسائل الإعلام على اتصافنا بالوحشية والإرهاب، هي محاولات فاشلة.

إن من الواضح اليوم أن المحاولات الجادة لغسل أدمغتنا لم تكن فعالة بما فيه الكفاية لتقتل الخير والإنسانية في نفوسنا، والتأكيد المستمر عبر وسائل الإعلام على اتصافنا بالوحشية والإرهاب، هي محاولات فاشلة. وإن الجرعات الفوضوية والمبعثرة والقلقة التي تنتقل إلى أدمغتنا من مواقع التواصل الاجتماعي، لتخبرنا كم هو عالم متوحش كئيب بجماعاته وأفراده، هو أمر لا يمثل الحقيقة بالضرورة، ولا يمثلها أيضاً التحليق اللاعقلاني في عالم الأوهام، وفي عالم صناعة فقاعات الأمل الكاذب.

إن من الواضح كالشمس أن السّوريّ المكبّل باتهامات عنصرية كثيرة، عن تخلفه وهمجيته، وعشوائيته، والذي يروجون ليكون تصنيفه درجة ثانية عن شعوب العالم، هو شعب أصيل مضياف، لديه جذور أخلاقية ثابتة لا يمكن زعزعتها تحت أقسى الظروف، السوري الذي قاوم كل أنواع الامتهان، وظلّ محتفظاً بأصالته، مصرّاً على العطاء رغم حاجته، لا يمكن إقصاؤه عن الحياة، فهو صاحب التجربة ويدرك بعمق معنى الكرامة الإنسانية بشكل فريد ولافت، الشيء الذي يُعول عليه لأجل مستقبل أفضل، والأمر الذي يستحق لأجله كل الاحترام.

شارك برأيك