هل غيرت إسرائيل سياستها ضد إيران في سوريا؟

هل غيرت إسرائيل سياستها ضد إيران في سوريا؟

الصورة
images_11.jpg
13 كانون الأول 2019

ماجد عزام

باحث وإعلامى من فلسطين

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الحرب الإسرائيلي نفتالي بينيت تساؤلات عن حقيقة تغيير إسرائيل سياستها ضد إيران في سوريا التي قال بينيت أنه سيحولها إلى فيتنام بالنسبة لإيران، وسيعمل على إخراجها نهائياً، مؤكداً أو زاعماً بالأحرى أن هذه السياسة تتمتع بدعم كلاًّ من أمريكا وروسيا.

التصريحات اكتسبت أهميتها ليس فقط قياساً لمطلقها وموقعه، وإنما لأنها أعقبت غارات إسرائيلية مكثفة ضد أهداف إيرانية منها المقر المركزي للحرس الثوري في مطار دمشق، علماً أن تلك الغارات جاءت ردّاً على إطلاق إيران - الثلاثاء 19 نوفمبر- أربعة صواريخ عشوائية باتجاه الجولان المحتل، اعتبرت بدورها ردّاً –خجولاً – على استهداف إسرائيل لقافلة إيرانية - الأحد 17 نوفمبر- أدت لوقوع قتلى في صفوفها بينهم مسؤول إيراني كبير.

الغارات الإسرائيلية كانت توقفت لشهرين تقريباً مع تسريبات وتحليلات في الصحافة الإسرائيلية عن احتمال توقفها نهائياً مع حديث حتى عن انتهاء مرحلة المعركة بين الحروب برمتها التي استمرت سنوات وشهدت غارات وعمليات إسرائيلية سرية وعلنية ضد إيران وحزب الله في سوريا والعراق وساحات أخرى، بما فيها إيران نفسها دون أن تؤدي إلى تصعيد كبير أو حرب واسعة كونها تهدف أساساً إلى منعها من وجهة النظر الإسرائيلية.

كما كانت تسريبات وتحليلات إسرائيلية عديدة عن وجود احتمالات ولو نظرية لردّ إيراني قوي ضد إسرائيل بعد قصف مواقع شركة آرامكو النفطية في مدينة الظهران بالسعودية. كما إسقاط الطائرة المسيرة الأمريكية، وإستهداف سفن في الخليج العربى دون أي ردّ على تلك العمليات التي تتهم طهران على نطاق واسع بالمسؤولية عنها.

أتابع الإعلام الإسرائيلي عن كثب بشكل يومي منذ ثلاثين عام تقريباً ولم أشك لحظة أن التسريبات والتحليلات والتوقعات السالفة كانت متعمدة ومضللة، وأن إسرائيل لم تنوِ أبداً إيقاف غاراتها أو تغيير سياساتها ضد إيران في سوريا، وأنها لا تتوقع

توقف الهجمات الإسرائيلية العلنية ضد إيران في سوريا لشهرين تقريباً مرتبط برغبة تل أبيب في رؤية نتائج العقوبات الأمريكية ضد طهران

ردّ إيراني جدّي ضدها، وكما قال وزير خارجيتها يسرائيل كاتس "نحن لسنا السعودية "في تحذير مباشر وصريح لطهران، علماً أن مسؤولين إسرائيليين آخرين تباهوا دوماً أن تل أبيب وحدها تنفذ هجمات وتكيل الضربات لإيران دون أن تجرؤ هذه الأخيرة على الردّ.

أما توقف الهجمات الإسرائيلية العلنية ضد إيران في سوريا لشهرين تقريباً فمرتبط برغبة تل أبيب في رؤية نتائج العقوبات الأمريكية ضد طهران، ومدى تأثيرها على سياساتها الإقليمية، كما انتظار مالآت الانتفاضات العارمة والمستمرة ضدها في العراق ولبنان، وحتى في إيران نفسها.

غير أن تحليلات واستنتاجات الخبراء الإسرائيليين العسكريين والمجندين كانت بمثابة الفخ وهدفت أساساً إلى خديعة إيران ودفعها للاطمئنان والتصرف بحرية ونشر مزيد من المنظومات أو نقل مزيد من القوات والأسلحة النوعية إلى سوريا، حتى يمكن التخلص منها بضربة واحدة كما حصل فعلاً في غارات الأربعاء 20 نوفمبر الماضي.

الغارة التي لم يعلن عنها - الأحد 17 من نوفمبر - كانت بمثابة الرصاصة أو الصلية الأولى، وأعتقد أن تل أبيب توقعت بعد تسريباتها وتحليلاتها الموجهة والمضللة ردّاً إيرانياً لحفظ ماء الوجه بعد التهديدات والسقف العالي لتصريحات المسؤولين الإيرانيين واستعدت له مسبقاً - كما  جرى في جولة أيار 2018 - واستغلته من أجل تنفيذ هجمات مكثفة مستهدفة عدة مواقع أهداف إيرانية بما فيها المركز الرئيسي للحرس في مطار دمشق، والمعروف بالبيت الزجاجي، علماً أن الهجمات أوقعت عشرات القتلى دون أي ردّ إيراني معتبر وجدّي.

الغارات تعبّر إذن عن استمرار تل أبيب في سياستها التقليدية لمنع إيران من التموضع الاستراتيجي في سوريا، بمعنى منعها من نشر منظومات صاروخية وأخرى مضادة للطائرات، أو إقامة قواعد دائمة جوية وبحرية أو نقل منظومات أسلحة نوعية كاسرة للتوازن إلى لبنان دون ممانعة الوجود الإيراني بحد ذاته في سوريا، الذي يأخذ بدوره أشكالاً متعددة. مع القناعة إن إخراج إيران نهائياً منوط ومرتبط بالتفاهمات الأمريكية الروسية.

 السياسة الإسرائيلية تلحظ كذلك وضع ضغوط دائمة على إيران، وخلق ظروف مؤاتية أمام أمريكا وروسيا من أجل إخراجها نهائياً من سوريا مع اعتراف إسرائيل بعجزها عن تحقيق ذلك بمفردها.

من هنا يمكن الاستنتاج أن تصريحات وزير الدفاع لا تعبّر أبداً عن تغيير فى السياسات الإسرائيلية المعمول بها والانتقال نحو السعي لإخراج إيران من سوريا، وهى أي التصريحات سياسية بحتة وتهدف إلى تغليب نظرته وقناعاته وإثبات جدارته بالمنصب، كما التودد للقاعدة اليمينية المتطرفة على أعتاب الانتخابات المبكرة المقررة شهر مارس/آذار القادم.

أما حديثه عن الدعم الأمريكي الروسي فهو عام ومضلل، أيضاً كون واشنطن وموسكو تدعمان أصلاً السياسة الإسرائيلية التقليدية الهادفة لمنع إيران من التموضع  الاستراتيجي في سوريا، وواشنطن لا تخف ذلك عبر تصريحات علنية لقادتها

لا تغيير في السياسة الإسرائلية ضد إيران، وستستمر المساعي لمنع هذه الأخيرة من التموضع الاستراتيجي فى سوريا

ومسؤوليها السياسيين والعسكريين. وبالنسبة لموسكو، فالدعم حاضر ضمنياً في سياستها، علماً أن الناطق باسم جيش الاحتلال قال إن الغارات الأخيرة تم تنسيقها كما هو معتاد مع الجيش الروسي.

لذلك سارعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للرد والقول أو التسريب عبر المعلقين العسكريين المجندين أنفسهم أن تصريحات بينيت لا تعبر عن الموقف الإسرائيلي الرسمي، ولم يتم نقاشها أو إجازتها من قبل قادة جيش الاحتلال، ولا حتى الحكومة الإسرائيلية، وأنها بيانات دون رصيد، كما قيل حرفياً في الصحافة الإسرائيلية.

إذن لا تغيير في السياسة الإسرائلية ضد إيران، وستستمر المساعي لمنع هذه الأخيرة من التموضع الاستراتيجي فى سوريا، مع الاعتماد على واشنطن وموسكو لإخراجها نهائياً ضمن تسوية سياسية محتملة بينهما، وقبل ذلك وبعده فإن السياسة الإسرائيلية خاصة في بعدها العسكري لا يضعها وزير دفاع مدني، ناهيك عن أنه مبتدأ ومؤقت.

إلى ذلك يجب الانتباه كما دائماً إلى حقيقة أن إسرائيل دولة غير شرعية، وبالتالى فهى لا تمتلك الشرعية للهجوم أو العمل فى سوريا، أما إيران فهي دولة شرعية، لكنها بالتأكيد لا تمتلك الشرعية للتموضع فى سوريا أو أي دولة عربية أخرى.

شارك برأيك