هل عاد تنظيم داعش أم استُدعي؟

هل عاد تنظيم داعش أم استُدعي؟

هل عاد تنظيم داعش أم استُدعي؟

تاريخ النشر: 18.01.2021 | 00:00 دمشق

يشير تزايد وتواتر العمليات العسكرية لتنظيم "داعش" في مناطق البادية السورية، ضد قوات نظام الأسد وحلفائه وسواهم، إلى عودة نشاط التنظيم في هذه المنطقة الواسعة من شرقي سوريا، وذلك بالرغم من تلقيه ضربات عسكرية قوية من طرف قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أفضت إلى خسارته آخر معاقله في منطقة الباغوز في آذار/ مارس عام 2018، وإعلان أكثر من طرف دولي ومحلي عن القضاء على التنظيم والانتصار عليه.

ولعل عودة داعش مجدداً تظهر بوضوح أن الحل العسكري، مهما كان فتاكاً وقوياً، فإنه لا يجدي نفعاً وحده في حلّ مشكلات التنظيمات الإرهابية في سوريا، وأن الحلّ المطلوب يجب أن يكون شاملاً ومتعدد الجوانب، ويبدأ بالتخلص من نظام الأسد الإجرامي، لأنه أصل المشكلات جميعاً، والعامل الأساس في كل ما آلت إليه الأوضاع في سوريا.

الانتهاكات والإجحاف والظلم، الذي وقع على أهالي البادية من قبل قوات النظام والميليشيات الإيرانية وميلشيات قسد، جعل بعض أهالي المنطقة ينضمون إلى داعش طلباً للحماية والانتقام

وإن كانت حرب الأربع سنوات، التي خاضتها قوات التحالف الدولي ضد الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، قد أفضت إلى خسارة التنظيم معظم قادته وفقدانه المناطق الشاسعة التي كان يسيطر عليها، إلا أن جلّ مقاتليه لجؤوا إلى مناطق البادية في أرياف محافظات دير الزور والرقة وتدمر وحلب، وبعضهم انتقل إليها عبر اتفاقات ملتبسة مع قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب آلاف آخرين نقلهم إليها نظام الأسد من مناطق في أرياف دمشق والسويداء ودرعا عبر تسويات مشبوهة معهم، الأمر الذي أفضى إلى تجميع أغلب عناصر التنظيم في البادية السورية، التي شكلت بيئة مناسبة لهم للاحتماء والاستقرار فيها، بالنظر إلى معرفة معظم مقاتليه تفاصيلها وتضاريسها وطرقاتها، حيث راحت عناصر تنظيم داعش تستخدم الوديان والكهوف الموجودة في الجبال للتخفي والاحتماء، وتستغل ظروف البادية للتحرك ونقل الإمدادات والذخائر وسواها.

ولا شك في أن الانتهاكات والإجحاف والظلم، الذي وقع على أهالي البادية من قبل قوات النظام والميليشيات الإيرانية وميلشيات قسد، جعل بعض أهالي المنطقة ينضمون إلى داعش طلباً للحماية والانتقام، الأمر الذي شكل عاملاً مساعداً للتنظيم، زاد من قدرته على التحرك للقيام بعمليات عسكرية وفق استراتيجيات وتكتيكات جديدة، تنهض على تشكيل مجموعات صغيرة من المقاتلين، يسهل عليها القيام بعمليات استنزاف سريعة ومباغتة، عبر هجمات ليلية على المواقع، ونصب كمائن للقوافل العابرة للبادية، ثم الهروب للعودة والاختباء.

واستغل داعش جملة من العوامل كي يعود بقوة، وخاصة صراعات النفوذ والسيطرة على الأرض السورية ما بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران، وتأثير جائحة كورونا على الدول المنخرطة في التحالف الدولي، والانكفاء العسكري لها بعد انسحاب التنظيم من المراكز الحضرية التي كان يسيطر عليها، وتغيير وجهة قوات سوريا الديمقراطية نحو حماية كيان انفصالي في مناطق شرقي نهر الفرات. إضافة إلى الغارات والهجمات الإسرائيلية على مواقع الميليشيات الإيرانية، التي أثرت على انتشارها في مناطق البادية السورية، ولجأت كي تؤمن الحماية لمقاتليها إلى الانتشار في المناطق السكنية في المدن، فضلاً عن أنها غير معنية أصلاً بالحرب على داعش.

غير أن أطرافاً عديدة تستفيد من عودة داعش، ولها مصلحة في ذلك، بالرغم من أنها تدعي معادته ومحاربته، مثل نظام الأسد والروس والإيرانيين، حيث إن من مصلحة النظام أن يعود داعش، بغية استغلاله كي يظهر للعالم أنه يحارب التنظيمات الإرهابية، خاصة وأنه يتحضر لإجراء مهزلة انتخاباته الرئاسية في منتصف العام الجاري. كما أن ميليشيات قسد مستفيدة أيضاً من عودة داعش، كونها تشكلت بالأساس من أجل أن تستخدمها الولايات المتحدة في حربها ضد داعش، لذا فإنها باتت مرتاحة لعودة داعش، بوصفها فرصة لاستدرار المزيد من الدعم الأميركي والدولي مع مجيء إدارة أميركية جديدة داعمة لها.

وتعد كل من إيران وروسيا من الأطراف المستفيدة من عودة داعش، كونها تشكل لنظام الملالي الإيراني ذريعة من أجل توسيع تموضعه الميليشياوي في الأراضي السورية، وخاصة على الحدود السورية العراقية، وفي مناطق البادية التي تنافسه روسيا في السيطرة عليها، حيث تسعى روسيا إلى السيطرة على المناطق التي توجد فيها حقول النفط والغاز والفوسفات، لذلك تخطط لإخراج الميليشيات الإيرانية منها، وبنفس الوقت تقوم مقاتلاتها بقصف مناطق وجود داعش القريبة منها.

كشفت تطورات الصراع في سوريا وعليها أن ظهور داعش، وتحوّله إلى قوة فاعلة فيه، كان مرتبطاً على الدوام بتداخلات القوى الدولية والإقليمية والمحلية على الأرض السورية

وسبق أن جرى استدعاء داعش في العراق من طرف رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، الذي قدم لها معدات وأسلحة ثلاثة ألوية من الجيش العراقي بأكملها، وسهل لها السيطرة على مناطق واسعة في عدة محافظة عراقية وعلى مدينة الموصل التي أعلنت دولة الخلافة فيها. كما سبق وأن استقدم نظام الأسد داعش في أكثر من منطقة في جنوبي سوريا وشمالها، إضافة إلى أن عودة داعش مجدداً تشكل مناسبة للأطراف المستفيدة كي تقوي مواقعها، لذلك فإنه بقدر ما تشير العمليات العسكرية للتنظيم إلى عودته القوية في سياق التطورات الحاصلة على الأرض السورية، بقدر ما يظهر الأمر وكأنه استدعاء لها من طرف قوى مستفيدة من هذه العودة لغايات وأهداف خاصة بها في إطار صراعات النفوذ والسيطرة في سوريا.

وكشفت تطورات الصراع في سوريا وعليها أن ظهور داعش، وتحوّله إلى قوة فاعلة فيه، كان مرتبطاً على الدوام بتداخلات القوى الدولية والإقليمية والمحلية على الأرض السورية، إذ جرى توظيفه في إطار الصراع بينها بغية تحقيق أجنداتها ومصالحها، وخاصة من طرف نظام الأسد وحلفائه في النظامين الإيراني والروسي، ولا يستثنى من ذلك كل من الولايات المتحدة وتركيا، وبالتالي فإن عودة داعش أو استدعاؤه تأتي من جهة الحاجة إلى تجديد دوره في تطورات وتغيرات الصراع على سوريا خدمة لمشاريع القوى المتدخلة فيها.

مقالات مقترحة
روسيا تنفي علاقتها بنشر معلومات مضللة حول لقاحات كورونا الغربية
إصابة واحدة و80 حالة شفاء من فيروس كورونا شمال غربي سوريا
كورونا.. 5 وفيات و56 إصابة جديدة في مناطق سيطرة "النظام"