هل سيعيد الأخ الأكبر كتابة تاريخنا؟

تاريخ النشر: 31.05.2018 | 00:05 دمشق

في روايته 1984 يتحدث "جورج أورويل"، عن الآلية التي ينظر بها الأخ الأكبر (رمز الحاكم الفرد) إلى مسألة التاريخ، وكيف أنه يعيد تشكيل التاريخ عند كل مفصل جديد، وبهذا يتمكن من إعادة تشكيل الحاضر والمستقبل، على نحو مغاير، ولا ينتهي عن تكرار شعاره كل حين،

((من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل؛ ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي)).

لطالما كانت وقائع التاريخ المدونة، موضع جدل طويل، ولطالما عرفنا أن التاريخ يكتبه الأقوياء والمنتصرون.

في السابق كان من بواعث التدخل في صياغة وكتابة التاريخ، على منوال محدد،

من المرجح أن التقنيات الحديثة، والتي تتابع الأحداث دقيقة بدقيقة، وفرت قدرا كبيرا من حفظ الأحداث وبشكل متسلسل، ومعظمها موثق بالصوت والصورة.

للعبرة والمفاخرة وتأسيس الشرعية بآلية راجعة، أي أنهم ينسجون مسوغات الشرعية، استنادا إلى وقائع تعلل سيرورة انتقال الحكم من أسلافهم، وتشرعن انتقالها لخلفهم أيضا.

وكانت حفنة قليلة من الخبراء، تدرك مدى التزييف الحاصل في تلك الروايات، وغالبا ما تكون هذه الحفنة مكمومة الأفواه.

واليوم بات من المرجح أن التقنيات الحديثة، والتي تتابع الأحداث دقيقة بدقيقة، وفرت قدرا كبيرا من حفظ الأحداث وبشكل متسلسل، ومعظمها موثق بالصوت والصورة، كما يضفي وروده من مصادر متنوعة، تعزيزا للاتجاه العام للرواية، بغض النظر عن ثبوت دقائق التفاصيل.

صحيح أن شطرا من هذا التوثيق يعتريه التشويش، ويمكن بإعمال التقنيات الحديثة، التثبت من دقة زمن التصوير أو التسجيل ومن مكانه أيضا، وإن مقاطعة البيانات، ومقارنتها بنظيراتها، سيمكننا من نفي الروايات الهشة، إلا أن هذا العمل سيكون مقتصرا على وقائع محددة، في هذا البحر المتلاطم من الوثائق الإلكترونية، التي يزخر بها فضاء العالم الافتراضي. والتي باتت تشكل للسواد الأعظم، المرجعية اليومية لمعرفة ما يجري.

كما أننا في واقع الأمر، وفي زمن حدوث الوقائع، غالبا ما نصطدم بروايات متعددة لواقعة واحدة، وهذا يجري يوميا في أحداث تنقل، إلى سمع العالم وبصره ساعة حدوثه، أو بعد الحدث بدقائق.

ومثل هذا جرى في مساحات واسعة، من توثيق الحرب العالمية الثانية، وغيرها من الوقائع السياسية والحربية، التي تكون فيها رواية المنتصر، هي الرواية صاحبة الصوت الأعلى، والظهور الأبهى.

والخلل الأكبر سيكون في تعليل الوقائع، أو في دقة نسبتها لفاعليها، كما يحدث الآن، في صعوبة إثبات بعض جرائم الحرب، (القصف بالسلاح الكيماوي) ونسبها للجهة الفاعلة أصلا، خاصة إذا أردنا اعتماد بعض الصيغ الإجرائية، التي تفرضها هيئات دولية، كمعايير لقبول القرائن والأدلة.

ومن المؤكد أن الازمة السورية والحرب الدائرة على أرضها، ستنتهي يوما ما، ربما من الصعب التكهن كيف ومتى، ولكن بعدها سيصار إلى إعادة صياغة تاريخ ما حدث، ومن وجهة نظر أطراف مختلفة، الأمر الذي ستنتج عنه سرديات متباينة، فإذا نظرنا للشطر الأول، سنجد أن ما يسمى معارضة، قد توزعت على محاور واتجاهات عدة، من الصعب بمكان أن ينتج عنها سردية واحدة، تفسر ما جرى أو توثقه.

وعلى الطرف النقيض، سنجد أن النظام وحلفاءه، سيقدمون مجموعة أخرى من السرديات، التي ستتحدث عن دور الجيش الوطني البطل، أو دور أحفاد زينب والعباس، أو دور حزب الله وما قدم من شهداء ...إلخ من سرديات، تنسب كل واحدة منها الفضل والبطولة إلى فصيلها.

وستكون هناك أطراف ثالثة من رمادي اليمين ورمادي اليسار وحياد الوسط وغيرها من الأطياف التي يصعب حصرها لتكون لكل تيار من هذه التيارات "وما أكثرها" سرديته الخاصة،

غدا في زمن سيأتي، سيكون من الصعب بمكان، التكهن بما سيملى على أولادنا بعد مئة عام، ومن الجهة التي سيعتمد رأيها، أو روايتها في سرد تلك التفاصيل

الأمر الذي سيوقعنا أو يوقع مطالع هذا التاريخ مستقبلا في حيص بيص فلا يستطيع التمييز بين الرواية الصحيحة والرواية المزيفة.

هذا إذا تجاهلنا السرديات، التي تعج بها مراكز الرصد الأوربية، والتي تستند في كل واحدة منها، إلى مقدار دقة المصادر التي اعتمدتها، في توثيق الوقائع، والتي ستعتريها ذات العلل، التي أصابت نظيراتها المحلية.

وغدا في زمن سيأتي، سيكون من الصعب بمكان، التكهن بما سيملى على أولادنا بعد مئة عام، ومن الجهة التي سيعتمد رأيها، أو روايتها في سرد تلك التفاصيل، وهل سيكون الأسد، من وجهة نظر تاريخية سائدة آنذاك، (باني سوريا الحديثة وقاهر الإرهاب) كما تحدثت بعض الروايات عن ستالين، وهل سيتحدث التاريخ عن الثورة السورية، بأنها (ثورة للغوغاء والإرهابيين)، الذين حاولوا تدمير سوريا الحضارة.

ربما تطلع بعض الهيئات الأكاديمية، ومراكز البحث والتوثيق، في توثيق الوقائع الرئيسية، كي لا يتم التلاعب بها في مقبل الأيام، وحتى لا يقتل القتيل مرتين.

وإلا كيف لنا أن نثق في التاريخ، إذا كان الحاضر، يتم تزويره أمام أعيننا.

 

كلمات مفتاحية