تشهد العلاقات السورية - الأميركية تطورات على المستويين العسكري والاستراتيجي، و تجلى ذلك في زيارة أجراها السفير الأدميرال البحري ليام إم. هولين إلى العاصمة دمشق، التقى خلالها قيادات ومسؤولين في وزارتي الدفاع والداخلية.ا
وتأتي هذه الزيارة بالتزامن مع تسليم عدد من القواعد العسكرية في شمال شرقي سوريا للحكومة السورية، واكتمال دمج قوات "قسد" ضمن هيكلية الجيش السوري، لتسلط الضوء على مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والعسكري بين واشنطن ودمشق.
وحول أبعاد هذه الزيارة ونقاط التحول في مسار التعاون العسكري والاستراتيجي، استعرض برنامج "سوريا اليوم" عبر شاشة تلفزيون سوريا التفاصيل والتحليلات.
تقارب عسكري وتنسيق مباشر لمكافحة الإرهاب
في هذا السياق، أكد المتحدث السابق باسم التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، مايلز كاجينز، لتلفزيون سوريا، أن زيارة السفير الأدميرال البحري ليام إم. هولين تشكل إشارة واضحة إلى احترام الولايات المتحدة ورغبتها في بناء علاقات جيدة وطبيعية ثنائية مع القادة في سوريا، بما فيهم وزارتا الدفاع والداخلية.
وأوضح أنه عقب خروج القوات الأميركية من بعض القواعد في شمال شرقي سوريا في آب الماضي، والتي كانت تحت سيطرة "قسد" سابقاً، أصبحت تدار مباشرة من قبل وزارة الدفاع السورية، مشدداً على حرص أميركا على الاستمرار في مشاركة المعلومات الاستخباراتية لتحقيق هدف مكافحة الإرهاب.
ولفت كاجينز إلى أن موقع الأدميرال في الولايات المتحدة يجعله مسؤولاً عن مهمة مكافحة "داعش" في العراق وسوريا، مشيراً إلى أنه بالرغم من مغادرة الجنود الأميركيين للعراق خلال الأسابيع الماضية، إلا أنهم بحاجة لاستمرار التنسيق مع سوريا والعراق لتحقيق أمن أكبر، مع استمرار الولايات المتحدة في تنفيذ هجمات جوية وبعض العمليات الخاصة بناءً على طلب مباشر من حكومة دمشق أو حكومة بغداد.
من جانبه، أوضح الدكتور الأكاديمي والمحلل السياسي، عصمت العبسي، لتلفزيون سوريا، أن الزيارة تأتي ضمن إطار الانفتاح الأميركي على الحكومة السورية الجديدة في دمشق والتنسيق مع التحالف الدولي، لاسيما وأن المنطقة مقبلة على حرب ضد تنظيم "داعش"، و يتطلب الوضع الإقليمي بناء شراكات لحماية المصالح المشتركة واستتباب الأمن.
وأضاف أن التغيرات الحاصلة على الأرض، من انسحاب القواعد الأميركية وتقليص الوجود في العراق وإعادة التنظيم بعد الحرب بين أمريكا وإسرائيل من طرف وإيران من طرف آخر، تتطلب لقاءات دورية ومتابعة مستمرة لتبادل الخبرات والمعلومات وتقييم المستجدات.
آفاق التعاون الاقتصادي وبيع المعدات العسكرية
وفيما يتعلق بتطور العلاقات، بيّن كاجينز أن العلاقة بين واشنطن ودمشق علاقة متنامية تتضمن الشراكات العسكرية والتنسيق الاستخباراتي، إلى جانب توطيد العلاقات الاقتصادية والاستثمارات.
وأشار إلى زيارته لدمشق في الثاني عشر من أيلول، حيث لمس تطوراً اقتصادياً واضحاً في قطاع البنوك، مؤكداً أن التعاون انتقل من الميدان العسكري إلى دعم الاقتصاد، لكون الاقتصاد القوي وفتح الآفاق أمام الشباب يسهمان بشكل مباشر في منع الإرهاب.
وأضاف كاجينز أن الولايات المتحدة تمهد لبناء علاقة مع سوريا تشبه علاقتها بالأردن ولبنان والسعودية، من حيث بيع المعدات العسكرية وإجراء التدريبات والتنسيق رفيع المستوى، موضحاً أن هذه الخطط طويلة الأمد تتطلب موافقة الكونغرس الأميركي وتخصيص الميزانيات وتمرير التصريحات القانونية الخاصة ببيع الأسلحة والمعدات لدمشق،و إلغاء العقوبات عن سوريا كان تمهيداً وبداية لهذه العملية.
تنويع مصادر التسليح وتطوير القدرات الدفاعية
من جهته، تعقيباً على ملف التسليح، بيّن العبسي أن امتلاك سوريا لترسانة من الأسلحة الروسية يجعل الحكومة حريصة على صيانتها وتذخيرها وتطويرها، وهو سبب التوجه المباشر نحو روسيا في هذا المجال، إلا أنه أكد أن الحكومة السورية أعلنت رسمياً عدم اكتفائها بمصدر واحد للسلاح، واتخذت قراراً بتنويع المصادر من خلال التوجه نحو السلاح الغربي، سواء من أوروبا أو تركيا أو الولايات المتحدة، لضمان التوازن الدبلوماسي وعدم الاحتكار.
وأشار العبسي إلى أن التوجه الحالي المباشر يتجه نحو تركيا التي تسهم عبر خبراتها في تدريبات وإعادة تاهيل الجيش السوري، معتبراً أن إبرام صفقات أسلحة أميركية أمر ممكن على المدى البعيد.
وأضاف أن سوريا حريصة في بناء علاقاتها على التوازن والمصلحة الوطنية، والوصول إلى تسليح متطور خاصة في مجالات الطيران والدفاع الجوي والمجالات الدقيقة التي يتفوق فيها السلاح الغربي.
كما شدد العبسي على أن زيارة الوفد العسكري الأميركي الرسمي لهيئة الأركان السورية أصبحت متاحة وممكنة بعد رفع اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهي خطوة لرفع مستوى التنسيق وتحسين العلاقات، فضلاً عن كونها تسهم في إعادة بناء الجيش السوري وتأهيله.
الأمن الإقليمي ومنع النفوذ الإيراني
وحول أبعاد الاستقرار الإقليمي، أشار كاجينز إلى أن القيادة المركزية الأميركية والكونغرس يدركون أهمية الشراكة مع سوريا لمنعها من التحول إلى ساحة معركة بين تركيا وإسرائيل، مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة ترغب في تقليل الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب السوري، ومنع النفوذ الإيراني وحزب الله من تهريب السلاح عبر الأراضي السورية إلى لبنان".
وأكد أن "دمشق تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع ملتزمة بقطع إمدادات حزب الله القادمة من إيران، والتي كانت تسهل سابقاً في عهد النظام المخلوع، ما يمنع الحزب من تخطيط عمليات ضد إسرائيل".
وأضاف كاجينز أن "هزيمة حزب الله في لبنان يجب أن تتم عبر القوات اللبنانية المدعومة أميركياً دون إقحام سوريا في معارك داخل لبنان"، مشيراً إلى أن دور سوريا المحوري يكمن في منع دخول الإمدادات، وحماية أمنها القومي وحدودها مع دول الجوار، وتأمين الاستقرار الداخلي.
دمج قوات "قسد" والوساطة الأميركية للحد من الانتهاكات
وفي ذات السياق، شدد العبسي على أن التدخل الميداني في لبنان أمر مرفوض قاطعاً من رئاسة الجمهورية ومعظم القيادات العسكرية السورية، مبيناً أن التنسيق الحالي يتركز على الانتهاكات الإسرائيلية وإكمال اندماج قوات "قسد" ضمن وزارة الدفاع السورية، حيث تحولت قنوات التواصل السابقة لـ "قسد" مع أمريكا إلى قنوات رسمية مباشرة مع هيئة الأركان السورية.
وحول التوجسات الإسرائيلية من التعاون السوري - التركي في بناء الجيش، لفت إلى أن إسرائيل تعيش حالة من عدم الواقعية والمبالغة في المخاوف، وتحاول أميركا لعب دور يشبه "غرفة عمليات الأردن" للتنسيق وتبريد المنطقة ولجم الانتهاكات الإسرائيلية.
وأضاف أن الحكومة السورية تأمل أن يسهم فتح القنوات المباشرة مع الجيش الأميركي في الضغط على إسرائيل، والوصول إلى اتفاق أمني حقيقي يوقف التعديات والجرائم.
بدوره، رأى كاجينز أن عملية الدمج الجارية بين قوات "قسد" ووزارة الداخلية والدفاع السورية تسير بشكل جيد، وتعيين مظلوم عبدي كمستشار خاص للرئيس أحمد الشرع يسهم في فهم آليات العمل مع الأميركيين، مؤكداً أن القوات التي حاربت "داعش" تتمتع بتدريب وتجهيز ممتاز منذ 2014، و سوريا باتت جاهزة الآن لمحاربة الأخطار الداخلية ومتابعة عمليات الدمج وتطوير التدريبات بشكل طبيعي.
واختتم العبسي حديثه، بالإشارة إلى الغموض والضبابية من الجانب الإسرائيلي تجاه الاتفاق الأمني والمناورات المفاوضاتية، مؤكداً أن الولايات المتحدة يقع عليها دور حقيقي في الضغط على إسرائيل للوصول إلى اتفاق أمني يضمن حماية الشعب السوري.
وتعقيباً على ذلك، أشار كاجينز إلى التأثير السياسي للحكومة الإسرائيلية في واشنطن، ورغبة الإدارة الأميركية في دفع سوريا نحو "اتفاقات إبراهيم"، مع الحد من التوسع والهجمات الإسرائيلية التي تقوض النمو الاقتصادي في سوريا.