حين رُفع علم «قسد» فوق الباغوز في 23 آذار/مارس 2019، أُعلنت نهاية «الخلافة» المكانية لتنظيم «داعش» شرق الفرات، بعد معركة طويلة أنهكت ما تبقّى من عناصره وحاصرته في جيب صحراوي ضيّق على ضفاف النهر. بهذا الإعلان طُويت صفحة السيطرة الإقليمية التي امتدّت بين عامي 2014 و2019 على مساحات واسعة من سوريا والعراق، لتتحوّل «داعش» من كيان حاكم إلى تنظيم متخفٍّ يعمل بمنطق الخلايا الأمنية وحرب الاستنزاف.
جاء هذا التحوّل نتيجة لتراكب عوامل متعدّدة: ضغط عسكري متواصل من التحالف الدولي وشركائه المحليين، واستهداف متكرّر للقيادات، وانهيار في القدرات المالية واللوجستية، إضافة إلى تفكّك شبكات الحوكمة «الظلّية» التي كان التنظيم يعتمدها لإدارة السكان والموارد. غير أنّ النهاية كانت «ترابية» لا «فكرية»، و«عسكرية» لا «بُنيوية»: فقد انتهت الدولة ولم تنتهِ الشبكات. وهو ما شدّدت عليه تقارير دولية رصينة في لحظة النصر نفسها، إذ أكدت أن الهزيمة الإقليمية لا تعني زوال التهديد، بل انتقاله إلى طورٍ سرّي منخفض الحدّة، رهنٍ باستمرار الضغط الأمني ومنع نشوء البيئات الحاضنة لإعادة التشكل.
داعش لم تمت… بل غيّرت جلدها
برغم انهيار مشروع «الدولة»، بقي التنظيم قادرًا على إيلام خصومه عبر خلايا صغيرة ومرنة تتحرك في الفراغات الأمنية: زرع عبوات، تنفيذ اغتيالات، نصب كمائن على الطرق، وشنّ هجمات خاطفة على نقاط نائية. ويمكن قراءة نمط نشاطه خلال عامي 2024 و2025 كسلسلة «نبضات» متقطعة لا تصنع جبهة واضحة، لكنها تُنهك وتُربك خصومه وتؤكد استمرار قدرته على الإزعاج الميداني. وتتعدد الأمثلة على ذلك في شرقي سوريا والبادية، من هجمات على مركبات عسكرية أو حافلات تقلّ عناصر، إلى إطلاق النار على دوريات قوى محلية، في مسارح يصعب حسمها ميدانيًا بسبب طبيعتها الجغرافية والإنسانية المفتوحة.
تقف القيادة السورية اليوم بين كفّتَيْن متوازيتَيْن: كفّة جهودها لترسيخ الاستقرار، وكفّة الخطر المتنامي إن تعثّرت هذه الجهود.
ويبرز عامل آخر يُبقي الخطر حيًا: ملف السجون والمخيّمات. فما يزال عشرات الآلاف من الموقوفين وذويهم في منشآت احتجاز ومخيّمات نزوح شمال شرقي سوريا. هذا الخزان المركّب (من نساء، وقُصّر، ومتشدّدين، وأفراد بلا أوراق) يعدّه التحالف الدولي وخبراء مكافحة الإرهاب «قنبلة مؤجلة»؛ إذ تتقاطع فيه الهشاشة الإنسانية مع إمكانات التجنيد والتهريب وإعادة التنظيم. وتشير تقديرات أممية حديثة إلى أن نحو 27 ألف شخص ما زالوا في مخيّم الهول حتى نهاية تموز/يوليو 2025، غالبيتهم من الأطفال، في حين تفيد تقارير أخرى بوجود آلاف الموقوفين المرتبطين بالتنظيم في سجون «قسد». وكل تأخير في المعالجة القانونية أو الاجتماعية يزيد من الكلفة الأمنية المستقبلية.
أما على مستوى القدرات الخارجية، فتُظهر البيانات الميدانية أن التنظيم لا يزال يسعى إلى امتلاك «ذراع طويلة» عبر خلايا تخطيط بعيدة المدى. ففي 19 أيلول/سبتمبر 2025، أعلنت القيادة المركزية الأميركية تصفية «مخطّط عمليات خارجية» للتنظيم خلال عملية داخل سوريا، في تذكيرٍ بأن ملف «التهديد العابر» لم يُغلق بعد، وأن العمل الاستباقي ما زال ضرورة لا خيارًا. مثل هذه الضربات تقوّض «الدماغ» التخطيطي للتنظيم وتمنع إعادة وصل الخلايا المحلية بنظيراتها الخارجية.
لكن السؤال الأعمق يبقى: لماذا لا تموت «داعش» كليًا؟ لأن نهاية هذا النوع من التنظيمات ليست أمنية فحسب، بل هي أيضًا سياسية واجتماعية. فالفراغات السيادية، وضعف الحكم المحلي، والاقتصاد الموازي، وخطوط التهريب، والانقسامات الأهلية، وسرديات المظلومية والتدخّل الخارجي؛ جميعها تشكّل التربة التي تعود منها التنظيمات في مواسم الأزمات، مهما تبدّلت الأسماء والرايات.
كيف تحارَب داعش إذا؟
تتفق معظم التقارير العسكرية والرقابية على ثلاثية واضحة في مقاربة مكافحة «داعش»: اصطياد القيادات، تفكيك شبكات التمويل، وحرمان التنظيم من الملاذات الآمنة. عمليًا، يعني ذلك استمرار الضربات الدقيقة ضد قادة العمليات والخلايا اللوجستية، وتعزيز التعاون الاستخباري العابر للحدود، وتكثيف العمليات المشتركة، إلى جانب محاولات تطوير أساليب ميدانية جديدة تُبقي الضغط قائمًا على قدرات التنظيم وتمنع إعادة تشكّله.
وتؤكد تقارير عملية «العزم الصلب» لعام 2025 هذه المقاربة، إذ تؤطّرها ضمن رؤية أوسع تضيف إليها بعدين لا يقلّان أهمية: ضمان أمن الاحتجاز في السجون والمخيّمات، وتمكين الحوكمة المحلية وتحسين الخدمات الأساسية بما يحول دون تحوّل الشكاوى المعيشية إلى رافعة تعبئة جديدة للتنظيم. بهذه المقاربة الشاملة، تُطرح مكافحة «داعش» كعملية مستمرة تتقاطع فيها الأبعاد الأمنية والسياسية والاجتماعية، لا كمعركة عسكرية تُحسم مرة واحدة.
القيادة السورية بين جهودها والخطر عليها
تقف القيادة السورية اليوم بين كفّتَيْن متوازيتَيْن: كفّة جهودها لترسيخ الاستقرار، وكفّة الخطر المتنامي إن تعثّرت هذه الجهود. فـ«داعش» تراهن على أيّ تعثّر إداري أو سياسي للرئيس أحمد الشرع كي تعيد تدوير الفوضى واستغلالها؛ إذ يشكّل كلّ اختناق معيشي، وكلّ تأخّر في الخدمات، وكلّ اهتزاز في سيادة القانون، بيئة حاضنة لعمل خلاياها. ويزيد المشهد تعقيدًا تقاطع الضغوط الخارجية والأطماع الإقليمية—من الضربات الإسرائيلية وشبكات النفوذ الإيرانية إلى حدود رخوة—فضلًا عن تسعّر العلاقة بين «قسد» والقيادة السورية، وهو ما قد يفتح الباب لداعش كما بعض القوى الاقليمية والمحلية للاستفادة من داعش للضغط على دمشق.
إذا تقدّم مسار الحوكمة والخدمات والعدالة المحلية انكمش هامش مناورة التنظيم وتراجعت قابليّة الاشتعال ناهيك عن رعاية خارجية حقيقية لمحاربة داعش لا تزكيتها أو غض الطرف عنها لمكاسب سياسية.
في المقابل، تعمل القيادة الجديدة على حزمة متزامنة من الإجراءات: دفع مسارات إعادة هيكلة المنظومة الأمنية تحت قيادة عمليات أوسع؛ إدماج التشكيلات المحلية الصديقة في عقيدة موحدة حيثما أمكن؛ تعزيز التنسيق الحدودي والأمني مع دول الجوار؛ فتح ملف السجون والمخيّمات بمسارات قانونية وبرامج إعادة تأهيل وإعادات منظّمة؛ وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع وشبكات التهريب.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يتعزّز التنسيق الاستخباري وتُكثَّف العمليات الدقيقة ضد شبكات القيادة واللوجستيات، في حين يُطرح—بوصفه ورقة قوة رمزية وعملية معًا—الانضمام الرسمي إلى التحالف الدولي ضد "داعش" ناهيك عن أن "داعش" تحولت لمادة أساسية في اللقاءات السورية-التركية؛ وهي خطوة قيد البحث قد تمنح دمشق قناة دعم وتدريب وتسليح مشروعة، وتحوّل مكافحة الإرهاب إلى بطاقة إضافية لاستقطاب المساندة الخارجية، وترسيخ سردية مؤدّاها أن أمن سوريا خط الدفاع الأول عن أمن المنطقة برمّتها.
غير أنّ المعادلة تبقى مرهونةً بالنتائج: فإذا تقدّم مسار الحوكمة والخدمات والعدالة المحلية انكمش هامش مناورة التنظيم وتراجعت قابليّة الاشتعال ناهيك عن رعاية خارجية حقيقية لمحاربة داعش لا تزكيتها أو غض الطرف عنها لمكاسب سياسية؛ أمّا إذا تدهور الواقع تحت وطأة الأزمة الاقتصادية أو صراعات الوكلاء، فإنّ «داعش» سيجد الفرصة لإعادة تجميع صفوفه عند تقاطُع الفقر والسلاح والمصالح الخارجية والداخلية.
سوريا بعد عام من التحرير.. تقييمُ التقييم
الكهرباء في سوريا: مقياس الشرعية والتموضع والمستقبل
هل تعود "داعش" بقوة في سوريا؟
زيارات مكثّفة بين لبنان وسوريا.. هل فُتحت صفحة جديدة في العلاقات؟
حزب الله يعدّل المسار مع سوريا والخليج.. وينتظر