هل تشارك منظمات إنسانية دولية في خطف الأطفال؟

2025.01.03 | 06:39 دمشق

أسماء الأسد
+A
حجم الخط
-A

ظهرت عدة تحقيقات استقصائية ـفي فترة الثورة ومع اشتداد الأزمة الإنسانية في سورياـ تشير بالأدلة والوثائق إلى عمل النظام السابق على استغلال وسرقة ممنهجة لمساعدات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية.

يبدو أن إجرام النظام لم يكتفِ بسرقة المساعدات المادية والعينية، بل استغل المنظمات الإنسانية الدولية وتمويلها لخطف الأطفال وإخفائهم عن عائلاتهم، ثم تالياً زجّهم كجنود في حربه الإجرامية ضد شعبه، في سابقة خطيرة تطرح أسئلة عن دور المنظمات الدولية التي تشارك الأنظمة القوية وتدعمها بقصد أو من دون قصد بدل تقديم المساعدات للشعوب المستضعفة.

بعد اكتشاف أطفال في سجن صيدنايا الوحشي، ظنّ بعضنا أنّ هذا أسوأ ما يمكن أن تراه العين ويختبره القلب، لكن ما ظهر بعد ذلك (ونقتصر هنا في حديثنا عن جرائم الأسد على موضوع الأطفال رغم فظاعة الجرائم الأخرى) جعلنا ندرك أن القادم ربما يكون أسوأ بكثير.

فبعد سقوط نظام الأسد، بدأت تتكشف جرائم من نوع جديد، وهي خطف أطفال المعتقلين وإخفائهم في دور رعاية تابعة لمنظمات دولية بأسماء مستعارة، ثم تختفي آثارهم ويجهل أهاليهم مصيرهم.. أصوات جديدة لم تكن تُسمع بدأت ترتفع وتحكي أوجاعها، والظلم بل والإجرام الذي وقع عليها.

بالبحث عن دار الرعاية واسمها الكامل "مجمع لحن الحياة لرعاية الطفل" نجد في الموقع الرسمي المعرّف لها أنها تتبع لـ"صندوق الرجاء" وهو صندوق مموّل من عدة منظمات دولية مثل: (We care - Das Leben)، مما يثير عدّة تساؤلات عن دور الذي تفعله تلك المنظمات ومدى تغلغل النظام في هيكلها والتحكم بها لتنفيذ أهدافه..

المقطع الذي ظهر للشاب علاء الرجوب  ـعلى سبيل المثال ـ وهو يحكي قصة اعتقاله مع خاله عندما كان عمره سبع سنوات فقط كان مرفقاً بوثيقة رسمية من دار رعاية الأيتام وقد غيّرت اسم عائلته بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

كذلك، أرسلت دار الرعاية أمراً كتابياً إلى المدرسة بتغيير اسم عائلته بناء على أمر من الوزارة، أي أن دار رعاية الأيتام كانت تنفذ الأوامر الإدارية التي ترسلها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وبطريقة روتينية تدلّ على تنسيق كامل بينها وبين الوزارة المعنية.

بالبحث عن دار الرعاية واسمها الكامل "مجمع لحن الحياة لرعاية الطفل" نجد في الموقع الرسمي المعرّف لها أنها تتبع لـ"صندوق الرجاء" وهو صندوق مموّل من عدة منظمات دولية مثل: (We care - Das Leben)، مما يثير عدّة تساؤلات عن الدور الذي تفعله تلك المنظمات ومدى تغلغل النظام في هيكلها والتحكم بها لتنفيذ أهدافه.. الآن يبحث علاء عن أهله الحقيقيين، وقد وجّه نداء استغاثة إلى كل الجهات المعنية.

وهذا يعني أن المنظمة التي كانت تستقبل الأطفال المرسلين من فروع أمن الأسد، والتي تعمل باسم منظمات دولية لم تهتم حتى بتوثيق داخلي لهؤلاء الأطفال، عسى يهتدون يوماً إلى أهاليهم.. لا تتوافر المعلومات، ولم يهتموا بالاستجابة، مما يثير الريبة عن دور الكوادر الموجودة ضمن أطر تلك المنظمات في تنفيذ مخططات نظام الأسد.

حالة أخرى ظهرت تفاصيل إضافية عنها بعد سقوط نظام الأسد وهي اختطاف الدكتورة رانيا العباسي مع أطفالها الستة، فبعد اعتقالها وزوجها، حاولت عائلة الطبيبة معرفة مصير الأطفال من دون جدوى، وبعد تأكدهم من وفاة زوج الطبيبة عبد الرحمن ياسين من خلال صور قيصر، بقي مصير الأطفال مغيباً، فقد فشلت كل محاولات العائلة، رغم الابتزاز الذي تعرّضت له من قبل عدد من الضباط وأعوانهم.

في العام 2022، حصل أخو الطبيبة حسان العباسي، في إفادة أحد الأشخاص، على مواصفات لفتيات يُقِمنَ في قرى الأطفال التابعة للمنظمة الدولية (SOS Children’s Villages) بدمشق، تطابق مواصفات بنات الدكتورة.

حاولت عائلة الطبيبة أن تستفسر عن تلك الفتيات والتأكّد من وجودهنّ في تلك المنشأة، لكن الإدارة رفضت، ولم تستطع العائلة تصعيد الموقف أو التوجه إلى الصحافة العالمية والمنظمات الدولية الحقوقية خشية إخفاء الفتيات ونقلهنّ إلى مكان آخر، وفقدان آخر الخيوط الممكنة.

بعد سقوط نظام الأسد كتبت المنظمة على معرفاتها الرسمية أنها مستمرة بتقديم الخدمات والدعم للأطفال في منشآتها، وأنها ستتابع التنسيق مع الحكومة الجديدة.

ما اعترفت به منظمة الـSOS يطرح أسئلة لا حصر لها عن دور تلك المنظمات الدولية في سوريا، ومدى علاقتها بنظام الأسد، وعمق التحكم الأمني الذي مارسه على مختلف المنظمات الدولية العاملة في سوريا مثل منظمات حماية الطفل والهلال الأحمر..

لكن البيان احتوى اعترافاً خطيراً باستقبال أطفال من غير بيانات توثّق أسماء عائلاتهم البيولوجية: "نعترف بالمخاوف السابقة بشأن الأطفال الذين أُحيلوا إلى منظمات الرعاية، بما في ذلك قرى الأطفال  SOS سوريا من قِبل الحكومة السابقة خلال الحرب الأهلية، إن هؤلاء الأطفال الذين انفصلوا عن أسرهم خلال النزاع تم وضعهم في رعايتنا من قِبل السلطات من دون توثيق لأصولهم، وقد حدثت هذه الإدخالات القسرية في منشآتنا، حتى عام 2019، عندما طلبنا من السلطات التوقف عن إرسال حالات الأطفال المذكورة أعلاه إلينا".

ما اعترفت به منظمة الـSOS يطرح أسئلة لا حصر لها عن دور تلك المنظمات الدولية في سوريا، ومدى علاقتها بنظام الأسد، وعمق التحكم الأمني الذي مارسه على مختلف المنظمات الدولية العاملة في سوريا مثل منظمات حماية الطفل والهلال الأحمر..إلخ، والدور الذي يفعله الموظفون في مثل تلك المنظمة الدولية الكبيرة لصالح أجهزة الأمن، ناهيك عن عدد الضحايا ومصيرهم، والإجراءات التي ستتخذها المنظمة الآن لفتح ذلك الملف في الوقت الحالي.

الأخطر هو إخفاء تلك المعلومات على مدار السنوات الماضية، وعدم وجود أي تسريبات على غرار قيصر، مما يعني سيطرة أمنية كاملة إن لم نقل موظفين تابعين للقوى الأمنية، تعمل على استثمار واستغلال المؤسسات الدولية في أعمالها القذرة.

من المفهوم تردّد المنظمة وفرعها في سوريا بكشف جميع ملابسات مثل تلك القضايا على العلن، من دون تنسيق مع الحكومة الجديدة وأجهزتها القضائية، لكن من غير المفهوم تجاهل تلك القضية كلياً وعدم التعاون مع الأهالي الباحثين عن أطفالهم، والتأخر بفتح تحقيق داخلي، والاكتفاء ببيان اعتذار على الموقع الرسمي هو أقرب للإدانة.

ما تكشف حتى الآن هي خيوط تحتاج إلى المزيد من العمل والجهد لمعرفة الصورة الكاملة، وكشف حجم التواطؤ بين المنظمات الدولية والنظام الأسدي في الداخل السوري وذلك بإشراف حكومي ودولي.

حتى ذلك الحين ما يزال مصير الطبيبة رانيا العباسي وأطفالها مجهولاً، وما زال الشاب علاء يبحث عن أهله، وهناك كثير من الأطفال الضحايا ينتظرون الكشف عن مصيرهم والعودة إلى عائلاتهم ومحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم.