لطالما كان الهدف المحوري الأميركي في غربي آسيا هو إقامة نظام إقليمي جديد يلتف حول الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، إلا أن العائق الأكبر لتشكيل هذا النظام هو إيران، ولهذا ماتزال عملية إضعاف طهران وتجريدها من نفوذها الإقليمي تمثل أولوية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
وفي ظل هذه الظروف، تنظر واشنطن إلى تركيا بوصفها تشغل موقعاً حساساً، إذ يرى واضعو الخطط الأميركيون بأنه يمكن هندسة المنطقة حول محور يضم تركيا والسعودية وإسرائيل، أو من خلال عملية تنسيق تشارك فيها كل من مصر والسعودية وإسرائيل.
وخلال العامين المنصرمين، اتخذت الاستراتيجية الأميركية شكلاً واضحاً، فقد سعت للقيام بسلسلة من الخطوات التي كان هدفها من ورائها إضعاف العناصر الفاعلة في المقاومة ضمن المنطقة، وكذلك القوى السياسية المنحازة لإيران.
وبما أن حماس اعتراها ضعف شديد، إذ تحد الضغوط المتواصلة على لبنان من القدرات العسكرية لحزب الله، في حين سقط نظام الأسد في سوريا، كما تم قطع الطريق على المساعي التي تعمل على إعادة نوري المالكي رئيساً للوزراء في العراق.
وبفضل تلك التطورات، أصبحت كل من واشنطن وتل أبيب ترى بأنه بوسع حملة جوية مكثفة على إيران أن تؤدي إلى تغيير النظام في نهاية المطاف، إلا أن أحداث الأسبوع الماضي كشفت عن عطب في تلك الحسابات، إذ لم تصدق التوقعات التي رأت بأن الاضطرابات الداخلية في إيران قد تشتعل جذوتها من جديد عند وقوع هجوم خارجي.
العواقب المترتبة على تركيا
منذ عام 1991، خلفت التدخلات العسكرية والسياسية الأميركية المتكررة في غربي آسيا عواقب سياسية واقتصادية سلبية على تركيا، لذا فإن طال أمد الحرب على إيران اليوم، فلابد لذلك أن يتسبب بآثار أسوأ بكثير.
وعلى الرغم من تلك المخاطر، فقد انحازت الحكومة التركية إلى واشنطن في كل من العراق وسوريا بنهاية الأمر.
بيد أن تأييد الغزو الأميركي للعراق ترك تركيا مع جارة جديدة، ألا وهي المنطقة الكردية التي تتمتع بحكم ذاتي بقيادة مسعود برزاني.
كما أن دعم السياسة الأميركية في سوريا أسفر عن جملة من العواقب، فقد تعرضت تركيا لموجة لجوء كبيرة ولظهور مؤسسات حكم ذاتي كردية على حدودها الجنوبية.
خلق النزاع السوري واقعاً جيوسياسياً جديداً، وعبر تدخل تركيا في سوريا، أصبحت جارة لإسرائيل بحكم الأمر الواقع. وعلى الرغم من أن أنقرة تقدم نفسها كأحد المنتصرين في سوريا، فإنها تتجه بالتدريج نحو تشكيل بنية تشبه الانتداب الأميركي-الإسرائيلي، تعززها ورقة الكرد التي يمكنها أن تستخدمها مستقبلاً.
وفي غمار المواجهة الأخيرة مع إيران، قدمت الحكومة السورية الجديدة نفسها بشكل صريح على أنها ضد إيران وحلفائها.
المشروع التركي-الإسرائيلي
على مدار سنين، شجعت واشنطن على قيام سوريا ما بعد الأسد بوصفها المفتاح لعودة التعاون بين تركيا وإسرائيل. فلدى كل من أنقرة وتل أبيب من يعتبرون هذا السيناريو بداية لفتح الطريق أمام تقاسم النفوذ في سوريا بين هاتين الدولتين.
وتتعارض تلك التوقعات بصورة صارخة مع المبدأ التأسيسي للسياسة الخارجية في الجمهورية التركية والذي يسعى لتحقيق: (السلام في الداخل والسلام في العالم)، إلا أن المفارقة هنا هي أن هذا المبدأ يجعل من تركيا أيضاً دولة جوار مباشرة لإسرائيل.
عقب سقوط بشار الأسد، تحركت واشنطن بسرعة لتطرح هذه الأجندة، فقد اعتبر صعود زعيم هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، ليصبح رئيساً لسوريا بمنزلة تطور بوسعه تسهيل عملية التعاون بين تركيا وإسرائيل.
وهذا التعاون برأي واشنطن يمكن أن يسهم بإقامة نظام إقليمي أوسع قائم على الهيمنة الإسرائيلية، فالإطار المقترح لهذا النظام يتوسع خارج قوس جغرافي واسع ليمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط والخليج العربي.
وفي مرات عديدة، ألمح السفير الأميركي إلى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، إلى هذه الرؤية، وذلك عندما أعلن عن تعاون مرتقب بين تركيا وإسرائيل في المنطقة، يمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، بل حتى ممر زنغزور المقترح الذي يربط بين أذربيجان وأرمينيا، والذي يُقال إنه قد يتحول إلى مبادرة تُعرف باسم "ممر ترمب" لمدة 99 عاماً، اعتُبر جزءًا من هذا المشروع الاستراتيجي الأوسع.
بيد أن هنالك هدف واضح يحتل لب هذا المشروع، وهو تشكيل جبهة تركية-إسرائيلية ضد إيران، وهذا التحالف لن يكتفي بسوريا الشرع بل أيضاً سيضم دولاً عربية والقوات الكردية في شمالي العراق. بل حتى المبادرة السياسية الداخلية التي ظهرت في تركيا مؤخراً، والتي رُوّج لها تحت شعار: التحالف التركي-الكردي-العربي، تنحاز بشكل كبير للاستراتيجية الأوسع التي تقدمت بها واشنطن.
أنقرة تتمسك بموقفها
في ظل هذه الظروف، وقع الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، غير أن تركيا لم تقف بجانب واشنطن وتل أبيب على الفور، إذ خلال الأسبوع الأول من النزاع، التزمت أنقرة بسياسة متوازنة حذرة، فانتقدت الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، كما اعترضت في الوقت ذاته على التهديدات الإيرانية لدول الخليج.
وحتى قبل بدء هذه العملية، ألمحت مؤشرات دقيقة إلى موقف تركيا، ففي صورة نشرها البيت الأبيض ظهر الرئيس دونالد ترمب في اجتماع مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واشتملت تلك الصورة على خريطة تظهر في خلفيتها القواعد الأميركية التي ستستخدم في تلك العملية، في حين غابت عن الخريطة مواقع القواعد التركية.
أما عملياً، فقد حافظت أنقرة على موقفها خلال الأسبوع الأول، فلم تفتح مجالها الجوي أو تسمح باستخدام القواعد العسكرية المقامة على أراضيها لشن هجمات على إيران.
الاستفزاز الصاروخي
غير أنه من غير المرجح لهذا الموقف المتوازن أن يمر مرور الكرام، إذ سرعان ما أعلن نبأ عاجل عن إطلاق إيران لصاروخ باتجاه تركيا ما دفعها إلى اعتراضه. وقد رُصد هذا الصاروخ بنظام الرادار التابع لحلف شمال الأطلسي في منطقة كوريجيك التابعة لولاية ملاطية التركية، في حين تولت وحدات من هذا الحلف عملية اعتراضه في البحر المتوسط.
ولكن القصة بدأت تتكشف في غضون ساعات، وذلك عندما أعلن القائد العام للأركان في إيران عن عدم إطلاق بلده لأي صاروخ باتجاه الأراضي التركية، وكرر النفي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وفي اليوم عينه، أكد تفصيل واحد أدلت به وزارة الدفاع التركية معلومة حاسمة، وهي: "تبين بأن قطعة حطام الصاروخ التي سقطت في قضاء دورتيول بولاية هاتاي تعود إلى ذخيرة دفاع جوي اعترضت تهديداً في الجو".
وهكذا صارت أمامنا ثلاث حقائق: أولها إصرار إيران على عدم استهدافها لتركيا، وتسجيل نظم رادار حلف شمال الأطلسي لإطلاق الصاروخ، وإطلاق أجهزة الاعتراض التابعة للحلف لنيرانها، إلا أن الحطام الذي وقع على الأراضي التركية لم تكن إيران مصدره.
وبذلك فشلت محاولة عرقلة السياسة المتوازنة التي خرجت بها أنقرة، ولكن سرعان ما أعقب ذلك استفزاز آخر.
البعد الأذربيجاني
في اليوم التالي، ظهرت سردية مماثلة في أذربيجان، إذ خرجت تقارير تزعم بأن مسيرات إيرانية استهدفت جمهورية ناخيتشيفان التي تتبع لأذربيجان وتتمتع بحكم ذاتي.
ومجدداً، أنكرت إيران تلك المزاعم، واستشهدت بعدم تنفيذها لأي نشاط بالمسيرات ضد أذربيجان.
إلا أن باكو، بخلاف أنقرة، بدت على استعداد أكبر لتبني موقف المواجهة، وذلك عندما أعلن الرئيس الأذري إلهام علييف عن موقف بلده قائلاً: "لن نتسامح مع هذا العمل الإرهابي غير المبرر والاعتداء على أذربيجان، ولهذا وجهنا تعليمات لقواتنا المسلحة بأن تستعد لتنفيذ ما يلزم من الإجراءات الانتقامية".
غير أن علييف نفسه وصف الحادثة بأنها "غير مبررة"، أما إيران فقد أعلنت بأنها لم تنفذ ذلك الهجوم، وعلى الرغم من ذلك، فإن أي عملية انتقامية تنفذها أذربيجان لابد أن تسعد الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولكن علييف الذي حافظ على علاقات طيبة مع إسرائيل حتى خلال فترة تنفيذها لإبادة جماعية في غزة، قد يكون لديه هدف آخر من وراء ذلك.
إذ بعد تصريحه ذاك، بدأت دعوات تظهر في الأوساط الأذرية والتركية على حد سواء للقيام بعملية مشتركة ضد إيران، بالاعتماد على اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين.
والتاريخ الحديث يقدم سياقاً مهماً، إذ خلال حرب إسرائيل وإيران التي امتدت لاثني عشر يوماً والتي وقعت قبل ثمانية أشهر، اعتمدت العمليات الاستخباراتية التي نسبت لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والموساد على مسيرات أطلقت من داخل إيران لتحديد الأهداف وتنفيذ الاغتيالات.
وليس لدى إيران ما يدفعها لاستفزاز تركيا أو أذربيجان، وبالمقابل، لدى الولايات المتحدة وإسرائيل دوافع قوية لجر كلا البلدين نحو المواجهة مع طهران.
ولكن حتى الآن، يبدو بأن أنقرة تقاوم هذا الضغط، فقد تبنى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نبرة تحذيرية عندما قال: "وُجهت لإيران التحذيرات اللازمة، وعلى الرغم من تلك التحذيرات، ماتزال تتخذ خطوات خاطئة".
كما أدلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بدلوه في الموضوع، فقال: "تحدثنا إلى أصدقائنا في إيران وقلنا إن كان ذاك صاروخاً ضل سبيله، فهذا شيء، ولكن إن استمر ذلك.. فنصيحتنا لهم: كونوا على حذر، ولا تسمحوا لأحد في إيران بخوض مثل هذه المغامرة".
ولكن في حال استمرار النزاع، يرجح أن يزداد ضغط واشنطن، إذ قد تسعى الولايات المتحدة لدخول المجال الجوي التركي والوصول إلى القواعد العسكرية المقامة على أراضيها.
كما يمكن أن تظهر وبكل سهولة محاولات استفزازية مشابهة لتلك التي شهدناها في السابق.
ناهيك عن أن استراتيجية التوازن التي تنتهجها أنقرة تشتمل على نقاط ضعف بنيوية، وعلى رأسها عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، وواشنطن تدرك هذه الديناميات تماماً، كونها استغلت ظروفاً مشابهة في الصراعات الإقليمية السابقة.
الوحدة الإقليمية وأمن تركيا
بالنسبة لتركيا، فإن معادلة الأمن بقيت تسير على خط مستقيم على مر التاريخ، بما أن وحدة دول الجوار تسهم في وحدة تركيا نفسها.
ويعبر المبدأ الذي خرج به مصطفى كمال أتاتورك والقائل: "السلام في الداخل والسلام في العالم" عن هذه الفكرة، فالاستقرار في دول الجوار يعزز الاستقرار في الداخل التركي، والعكس صحيح.
وعلى مر عقود طويلة، رسم هذا المبدأ شكل السياسة الخارجية التركية، إذ حتى بعد انضمام تركيا لحلف شمال الأطلسي، التزمت بهذا المبدأ بشكل كبير على الرغم من التوتر الذي كان يظهر بين الفينة والفينة في العراق وسوريا.
ثم أتى المنعطف مع ازدياد التدخل الأميركي في غربي آسيا، فعندما شنت الولايات المتحدة حربها على العراق في عام 1991، وأبدت حرصها على تأييد تركيا، ألمح الرئيس التركي آنذاك، تورغوت أوزال، إلى استعداده للتعاون، أي أن مبدأ التوازن الإقليمي وضع جانباً، على الرغم من أن تقييم القوات المسلحة التركية للوضع الإقليمي قلص حدود التدخل التركي.
ظهرت حالة مماثلة خلال الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، إذ كما فعل أوزال، أيد أردوغان التعاون مع واشنطن في بداية الأمر، إلا أن رفض البرلمان التركي لمذكرة الأول من آذار أبطأ تلك العملية، ومع ذلك، أيدت الحكومة الحرب عبر قنوات أخرى في نهاية الأمر.
والنتيجة كانت ظهور كيان كردي يتمتع باستقلال ذاتي على الحدود الجنوبية لتركيا.
كما ظهر نمط مماثل في سوريا بعد عام 2011، إذ في تلك الفترة، لعبت تركيا دوراً أكثر من فاعل، بل إنها كانت في بعض الأحيان تنتقد واشنطن لعدم تحركها بسرعة كافية ضد دمشق.
وبعد أربعة عشر عاماً من الاضطرابات، انهار نظام الأسد في عام 2024، وأصبحت تركيا تواجه الآن تشكيلاً سياسياً كردياً آخر على حدودها الجنوبية.
قد تبدو عملية دمج حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية ضمن الجيش السوري علاجاً لهذه المشكلة، إلا أن ذلك عملياً يفسح المجال لقيام تشكيل مستقل ذاتياً بحكم الأمر الواقع.
غيّر كل من التدخل الأميركي في العراق والحرب في سوريا التوازن الإقليمي بشكل كبير، فتحول العراق إلى دولة فدرالية رسمياً، في حين تنحو سوريا النحو ذاته.
بقيت تركيا على مر عشرات السنين تعتبر الطابع الوحدوي لكلتا الدولتين الجارتين بمنزلة ميزة استراتيجية، إذ كانت المعادلة بسيطة وتقوم على أن وجود عراق موحد وسوريا موحدة يعززان من وحدة تركيا نفسها.
إلا أن هذه المعادلة ضعفت منذ فترة، كما تبدو واشنطن اليوم عازمة على تقويض الركن الثالث، أي وحدة وسلامة الأراضي الإيرانية.
وفي حال تكرار تركيا للأخطاء التي ارتكبتها إيران وسوريا، فإن العواقب ستكون أشد بكثير، كما أن زعزعة استقرار إيران ستكون له تبعات كبيرة على تركيا.
وثمة أصوات في الولايات المتحدة وإسرائيل ترى بأنه بمجرد أن يعاد رسم ملامح العراق وسوريا وإيران، فإن تركيا ستصبح الهدف التالي.
فخ القواعد العسكرية
لهذا السبب يتعين على أنقرة أن تلتزم بسياسة توازن العلاقات مع دول الجوار وضبطها، ولكن ثمة تهديد لهذا النهج يكمن في أي استفزاز صاروخي آخر، وهنالك تهديد آخر يتمثل بالأخطار التي تمثلها القواعد العسكرية الأجنبية المقامة في الأراضي التركية، إذ بصرف النظر عن وضعها القانوني، تمثل هذه القواعد نقطة حساسة خطيرة مع استمرار العمليات الأميركية في المنطقة.
فإذا قيض لواشنطن أن تشن هجوماً على إيران من تلك القواعد من دون موافقة أنقرة، فإن العواقب التي ستترتب على تركيا ستكون وخيمة، كما أن الوقوف ضد هذا السيناريو يتطلب إجراء حاسماً.
لذا، يتعين على تركيا تعليق نشاط العمليات الأميركية في هذه القواعد وفرض ذلك القرار ريثما ينتهي هذا النزاع، لأن أنقرة لن تتمكن من تفادي الانجرار إلى أي مواجهة تهدد الاستقرار الإقليمي وأمن تركيا إلا عبر القيام بذلك.
المصدر: The Cradle