هل تحوَّل التيك توك إلى منصَّةٍ للتسوُّل في سوريا؟

2023.05.06 | 06:24 دمشق

هل تحوَّل التيك توك إلى منصَّةٍ للتسوُّل في سوريا؟
+A
حجم الخط
-A

سيدة طاعنة في السن، تعيش في خيمة متهالكة في مخيم النازحين السوريين، يحيط بها خمسة أطفال صغار، الكاميرا مسلَّطة على الأجساد الغضة الطرية المستسلمة للنوم، وعلى ذلك الوجه المغضَّن المتعب، منذ بداية ساعات الليل وحتَّى الصباح، تستجدي هذه الأجساد كلَّ يوم عطف المستخدمين أو داعماً يرمي لهم هدية من هدايا برنامج التيك توك الرقمية التي يمكن أن تتحوَّل إلى أموال حقيقية، حتى لو كانت الهدية وردة قيمتها أقل من سنت واحد، وهكذا تنقضي أيامهم ولياليهم وهم يدورون في رحى مستغليهم المباشرين وغير المباشرين. من المؤكَّد أنَّ هذه السيدة العجوز بعيدة كل البعد عن تقنيات الاتصالات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومن المؤكَّد أيضاً أنَّ هناك مِنْ غرَّر بتلك العجوز التي تلوِّح بصمت للعالم الذي يقبع خلف الشاشة، ووعدها بفتات من المال، وكأنَّها بصمتها وتلويحها المتكرِّر المُلِح تترفَّع عن ذلِّ السؤال.

تختلف أشكال التسوُّل عن طريق التيك توك، لكنَّها في النهاية تصبُّ في غاية واحدة وهي استغلال حاجة الناس وضعفهم لتحصيل الأموال بطريقة سهلة

هذا ما بتنا نراه على منصة التيك توك، الموقع الاجتماعي الأكثر شهرة في العالم حالياً، شبكات نصب واحتيال يديرها بعض الأشخاص الذين تجرَّدوا من إنسانيتهم، وكرَّسوا حياتهم من أجل كسب المال بأيِّ طريقة كانت، ومن الطبيعي أنَّ شركة عالمية مثل هذه الشركة قائمة في الأصل على غاية الربح لن تمانع هذه السلوكيات ولن تسعى إلى ردعها بإغلاق الحسابات أو حظرها، على العكس تماماً فهي تقدِّم الدعم والتسهيلات لها؛ وذلك لأنَّ مثل هذه الحسابات تحقق لها مصالحها في الأرباح التي تقتسمها مع اللصوص المستغلين، بنسبة تصل إلى 70% من قيمة الأرباح التي تدخل إلى تلك الحسابات، ومن المخيف جداً أن تتحوَّل هذه الظاهرة إلى عمل يمتهنه بعض الناس، ويقومون بتوظيف الأسر المحتاجة للقمة العيش مقابل فتات الفتات. 

وتختلف أشكال التسوُّل عن طريق التيك توك، لكنَّها في النهاية تصبُّ في غاية واحدة وهي استغلال حاجة الناس وضعفهم لتحصيل الأموال بطريقة سهلة لا تتطَّلب إلا سفح ماء وجه الإنسان، بطرق مختلفة، فرأس مالها الوحيد هو الإنسان الذي هوى في وادٍ سحيق من الضياع والتشرُّد، وكأنَّ العادة والتعوُّد ينسفان القيم والمبادئ التي تربَّى عليها الإنسان بدعوى أنّ الحياة تغيَّرت، وأنَّنا يجب أن نسلك سلوكات فهلوية للحصول على الأموال متخطِّين كلَّ الخطوط الحمراء التي فرضتها الأعراف الاجتماعية والدينية، وصحيح أنَّ ما مرَّت به سوريا شكَّل منعطفاً تاريخياً غيَّر الكثير من المفاهيم في البنية الذهنية للمجتمع السوري، ولكنه لم ينسفها نسفاً تاماً، وهذه نقطة مهمة وضعت المجتمع السوري في حالة من الضياع، فلا هم قادرون على العودة لماضيهم ولا هم قادرون على بناء حاضرهم.

يعتمد البث المباشر الذي يقوم في أساسه على التسوُّل عن بُعد على لغة الجسد والأصوات المعدلة بالمؤثرات المختلفة لإقناع المشاهد، ويستخدم البعض الأطفال الصغار وكبار السن، ويتعمَّدون إظهار ثيابهم الرثَّة ووجوههم وأيديهم المتسخة وطعامهم المتواضع، لمخاطبة العواطف الإنسانية والضغط عليها، وقد يكون جسد المرأة هو العنصر الأكثر جاذبية لإدارة مثل هذه الحسابات، ممَّا أدَّى إلى  تشويه كبير لصورة المرأة السورية، وحطَّ من قيمتها ومكانتها، ومن الغريب جداً أنَّ الكثير من الفتيات اللواتي يقمن بعرض أجسادهنَّ بوضعيات مخلَّة تغيب عنهنَّ رقابة العائلة، مع أنَّهن ينتمين إلى عائلات ذات عقلية شرقية، ما زالت تعيش ضمن المجتمعات الأبوية التي تُفرض فيها الرقابة الأبوية على أفراد العائلة، وخاصة على الإناث، وطبعاً هذا لا يعني أنَّهنَّ قد تحررن من تلك الرقابة السلطوية التي تسعى نساء العالم للتحرر منها.

ويبدو أنَّه قد تم تحريف الكثير من المفاهيم والقيم التي كان الناس يحترمونها، ويحسبون لها حسابات كثيرة قبل اتخاذ أي خطوة، كل ذلك حدث في ظلِّ غياب الأنا الأعلى الذي يمثل عند الإنسان رادعاً داخلياً ضدَّ السلوكيات الخاطئة والشريرة من ناحية، وفي ظلِّ سيطرة رغبات الإنسان على سلوكه من ناحية أخرى. وحين تغيب كل الروادع الذي يمكن أن تقف أمام لا إنسانية البشر الذين يستغلون الآخرين أو يتحدون الأعراف والتقاليد والأديان بهدف جمع الأموال تهون كل الوسائل من أجل غاية واحدة فقط وهي المال.

كيف يمكن للآلاف من الأطفال الذين اعتادوا على هذا النوع من التسوُّل أن يعرفوا قيمة التعلم والعمل والجهد والتعب؟

والمشكلة أنَّ مثل هذه المنصات الاجتماعية تدفع المستخدمين إلى الإدمان على استخدمها، لأنَّها تقدِّم المال مقابل القليل من التعب، والكثير من الكرامة، وهذا يجب أن يدفعنا إلى القلق على المستقبل القادم، خاصة وأنَّ الرقابة القانونية التي يجب أن تجرِّم مثل هؤلاء الأشخاص الذي يقومون بتشويه الطفولة وإذلال كبار السن وهدر كرامتهم وتشويه صورة المرأة التي تقف موقف المتفرج على هذا العالم وهو ينهار، الخوف الأكبر هو على هؤلاء الأطفال الذين يكبرون في عباءة الذل والمهانة، كيف يمكن للآلاف من الأطفال الذين اعتادوا على هذا النوع من التسوُّل أن يعرفوا قيمة التعلم والعمل والجهد والتعب؟ يبدو أنَّنا وصلنا إلى مرحلة صعبة جداً من الانهيار فقدنا فيها أهم ما يبني المجتمعات، لقد فقدنا معنى الأسرة!!!