هل تتغير تركيبة "الإدارة الذاتية" إثر تهديد تركيا لمناطق نفوذها؟

هل تتغير تركيبة "الإدارة الذاتية" إثر تهديد تركيا لمناطق نفوذها؟

الصورة
القوات التركية والامريكية خلال دورية مشتركة حول منبج (رويترز)
22 تشرين الثاني 2018
باز بكاري - تلفزيون سوريا

فتحت التهديدات التركية الأخيرة لمناطق شرق الفرات، الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، باب التحليلات والتكهنات لمستقبل المنطقة، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعلن موقفاً واضحاً من هذه التهديدات، وحاولت أن توازن بين مصالحها مع حليفها الإقليمي التركي والشريك المحلي السوري «قوات سوريا الديمقراطية» ولم تكن الدوريات المشتركة التي سيرتها واشنطن مع "قسد" على الخط الحدودي الفاصل مع تركيا كافية لدرجة تطمئن شركائها في "الإدارة الذاتية" التي يقودها "حزب الاتحاد الديمقراطي".

في المقابل أثارت هذه التهديدات أن يكون مصير المنطقة كمصير عفرين، التي تعيش لليوم في حالة من الفوضى الأمنية التي تسببت بها فصائل المعارضة، إما بسبب انتهاكاتها المستمرة بحق المدنيين، أو بسبب الخلافات والإشكالات الداخلية،  لوجود توتر أمني في المنطقة، الأمر الذي اضطر الداعم التركي ليتدخل بالقوات في المدينة في محاولة لضبط الأوضاع؟

أيضاً، هناك تخوف لمكونات المنطقة شرق الفرات وخاصة لدى الكرد من أن هذه العملية سوف تستهدف وجودهم كقومية، وأن تركيا تسوق حجج محاربة العمال الكردستاني لغايات أبعد مما هو معلن.

في ظل استمرار التهديد التركي باجتياح المنطقة والتطمينات الأمريكية الخجولة، والردود التي وصفت بأنها عاطفية أكثر منها واقعية للإدارة الذاتية، ذهبت العديد من التحليلات إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تعمد لإيجاد حلول بديلة وإحداث توازنات جديدة في المشهد السياسي في شرق الفرات لتضمن استقرار منطقة نفوذها وتطمين الحليف التركي في آن معاً.

ولتحقق واشنطن هذا التوازن والتخفيف من حضور "حزب الاتحاد الديمقراطي"-المحظور في تركيا- فإنها من الممكن أن تعمد لإشراك قوى سياسية معارضة للاتحاد الديمقراطي وفي  الوقت  ذاته ليس للأتراك حجة لمحاربتهم وهذه القوى ذاتها شريكة للمعارضة المدعومة تركياً، وعلى رأس هذه القوى المجلس الوطني الكردي والمنظمة الآثورية الديمقراطية.
 

المجلس الوطني الكردي شريك مع وقف التنفيذ

بالعودة إلى تأسيس "الإدارة الذاتية" والظروف السياسية آنذاك فقد كان مشروع إعلانها مشروعاً مشتركاً بين حركة المجتمع الديمقراطية، والمجلس الوطني الكردي في سوريا، ولكن كان أن أعلنت "الحركة" الإدارة الذاتية من جانب واحد، ما تسبب بتعميق الخلاف آنذاك بين الطرفين الكرديين الأبرز في سوريا، ولم تستطع الاتفاقات التي وقعت بين الطرفين في أربيل عاصمة إقليم كردستان-العراق رأب الصدع بين الطرفين.

اليوم وصلت الخصومة بين الطرفين لحد التخوين وتأزمت العلاقة بينهما لتصل إلى حد العودة منه ليس بالأمر اليسير.

في الآونة الأخيرة نستطيع القول إن موقف المجلس الوطني الكردي، والإدارة الذاتية كان يصب في  الاتجاه ذاته من التدخل التركي في المناطق ذات الأغلبية الكردية، خاصة بعد عملية "غصن الزيتون" في عفرين.

لكن في الآونة الأخيرة نستطيع القول إن موقف المجلس الوطني الكردي، والإدارة الذاتية كان يصب في الاتجاه  ذاته من التدخل التركي في المناطق ذات الأغلبية الكردية، خاصة بعد عملية "غصن الزيتون" في عفرين.

المنسق العام لحركة الإصلاح الكردي – سوريا، والقيادي في المجلس الوطني الكردي فيصل يوسف يجد أن «التهديدات التركية موجهة نحو المناطق الكردية وليس شرق الفرات حسب تقسيمات مناطق النفوذ الدولية في سوريا وهي تتجنب استخدام مصطلح "المناطق الكردية" في سياق خطابات السياسة التركية القديمة الحديثة ومواقفها من القضية الكردية، المتمثلة بالحيلولة دون إيجاد الحلول لها بشكل سلمي ديمقراطي».

 وعن الوجود الأمريكي بمنطقة شرق الفرات قال السيد يوسف لموقع تلفزيون سوريا إنه «مرتبط بتنفيذ الأهداف الأمريكية وليس من ضمنها دعم حقوق الشعب الكردي، بل الحل السياسي العام في البلاد حسب ما تصرح به ديبلوماسيتها، والتي تنسجم مع هدفي إنهاء الإرهاب والحد من النفوذ الإيراني ووجود القوات الأمريكية في شرق الفرات يملي على الحكومة التركية التوافق مع الحكومة الأمريكية في حال أرادات تنفيذ تهديداتها».

أما بخصوص إمكانية ضم المجلس الوطني الكردي في الإدارة الذاتية وفقاً للتحليلات الحالية، يقول السيد يوسف «المجلس الوطني الكردي يلتزم بالرؤية الكردية المشتركة الموقعة بين معظم أطراف الحركة الكردية عام ٢٠١٢ واعتمدت في اتفاقية دهوك عام ٢٠١٤، وتم فيها إقرار التشارك بإدارة روج آفاي كردستان معاً بعد تعديل العقد الاجتماعي ولازلنا نعتقد بذلك بعد توفير المناخات المناسبة للحوار بين المجلس وحزب الاتحاد الديمقراطي».

أما فيما يخص وجود خطوات جدية من واشنطن بخصوص إشراك المجلس في إدارة المنطقة أوضح يوسف أن «المجلس يتواصل من جانبه مع مجمل القوى الدولية والمعارضة لتثبيت حقوق الشعب الكردي في إطار سوريا ديمقراطية اتحادية علمانية متعددة القوميات ولا شك أن التقسيمات الإدارية الملائمة لذلك سيكون تحصيل حاصل أما السعي للمشاركة في أية إدارة دون ذلك فستكون جوفاء، ولم نسع لذلك كمجلس ولم تتواصل أمريكا مع المجلس بهذا الخصوص تحديداً بل حول إيجاد حل سياسي عام للأزمة القائمة في البلاد».
 

المنظمة الآثورية الديمقراطية كأبرز القوى المرشحة

من جهته يجد مسؤول المكتب السياسي للمنظمة الآثورية الديمقراطية كبرييل كورية أن التهديدات التركية تثير الخوف والقلق لدى سكان الجزيرة السورية الذين يعيشون حالة استقرار سياسي مقارنة مع باقي المناطق السورية ويقول: «نرى بأنّ تلويح تركيا باقتحام مناطق في شرق الفرات، يهدف إلى توجيه رسائل للولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تخفيف، أو وقف دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، وتحديداً وحدات حماية الشعب التي تنظر إليها تركيا كامتداد لحزب العمال الكردستاني، واستخدامها بنفس الوقت كورقة ضغط من أجل تنفيذ اتفاق منبج المتعثر، وربما السعي للوصول إلى اتفاق مماثل في منطقة تل أبيض».

ويتابع السيد كورية قائلاً لموقع تلفزيون سوريا «وبرأينا لا يوجد تهديدات جدّية لمصالح وأمن تركيا انطلاقاً من مناطق الجزيرة، التي يفضّل معظم سكانها (ومن كافة المكونات)، الحفاظ على حالة الأمان والاستقرار النسبي التي يتنعمون بها. ولهذا ندعو جميع الأطراف إلى الابتعاد عن لغة التهديد والاستفزاز، واتّباع سبل الحوار والتفاوض للقضاء على أسباب التوتر. ونعتقد أنّ التدابير التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في التواصل مع الحكومة التركية قد خفّف كثيراً من حدّة التوتّر في المنطقة. ومن المؤكّد أنّ وجود القوات الأمريكية في المنطقة، يشكّل عنصراً هاماً في الحدّ من طموحات ليس تركيا فحسب، وإنّما أيضاً روسيا وإيران والنظام، باقتحام المنطقة والسيطرة عليها».

وعن إمكانية إحداث تغييرات في بنية الإدارة الذاتية الحالية يقول كورية: «هناك تحليلات وتسريبات إعلامية ودبلوماسية، تتحدث عن عزم الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية المتحالفة معها، لممارسة ضغوط على الإدارة الذاتية والقوى النافذة فيها (تحديداً حزب الاتحاد الديمقراطي pyd)، من أجل تعديل سلوكها، وفك ارتباطها بقوى تثير حفيظة الأتراك، وإجراء تغييرات في الخارطة السياسية للإدارة الذاتية من خلال إشراك قوى سياسية أخرى تنشط في منطقة الجزيرة وشمال سوريا. لكن ذلك لم يرقَ إلى اعتماد سياسات واضحة وملموسة في هذا المجال. إذ إنّ الولايات المتحدة في مقارباتها لملفّات المنطقة، تنطلق من فكرة تبديد هواجس تركيا وكسبها إلى صفها من أجل التركيز على أولوياتها المتمثلة بالقضاء على داعش، وتحجيم النفوذ الإيراني، والوصول إلى حلّ سياسي للأزمة في سوريا».

"المنظمة الآثورية الديمقراطية، قبل وبعد تشكيل الإدارة الذاتية، دعت، وتدعو إلى تشكيل إدارة وطنية في الجزيرة السورية، تستوعب كل مكوناتها القومية، وقواها السياسية الفاعلة دون إقصاء لأي طرف".

ويضيف كورية فيما يخص موقف المنظمة الآثورية من المشاركة في عملية إدارة المنطقة كقوة مرشحة لتكون جزء من العملية السياسية أن «المنظمة الآثورية الديمقراطية، قبل وبعد تشكيل الإدارة الذاتية، دعت، وتدعو إلى تشكيل إدارة وطنية في الجزيرة السورية، تستوعب كل مكوناتها القومية، وقواها السياسية الفاعلة دون إقصاء لأي طرف، إدارة تقوم على أساس الشراكة الكاملة بين كافة أطرافها، وفق رؤية وطنية جامعة بعيداً عن منطق الاحتكار والاستئثار والهيمنة، أو فرض إيديولوجيا محدّدة من قبل هذا الطرف أو ذاك. وعند توفر إرادة مشتركة لدى كافة الأطراف للمضي في هذا المشروع، فإنّ المنظمة الآثورية الديمقراطية، لن تتوانى عن المشاركة في مثل هذه الإدارة الوطنية»، ونفى تلقي المنظمة أي اتصال من الولايات المتحدة الأمريكية، أو أي طرف آخر حيال هذه النقطة.

وعن العلاقة مع قوى المعارضة السورية التي تشكل المنظمة جزءاً منها في حال انضمت المنظمة للإدارة المدعومة أمريكياً مستقبلاً يقول كورية «المنظمة الآثورية الديمقراطية، دائما تحترم التزاماتها ضمن أطر المعارضة الوطنية الديمقراطية، دون أن يفقدها هذا استقلاليتها السياسية. وفي حال سمحت الظروف بقيام إدارة وطنية ديمقراطية في منطقة الجزيرة وفق المواصفات التي ذكرتها، أعتقد بأنّ قوى المعارضة السورية سترحّب بذلك، وستتخطّى حساسيات هذه الدولة أو تلك. لأنّ قيام مثل هذه الإدارة، يأتي تجسيداً حقيقياً للإرادة الوطنية، وترجمة لقدرة القوى الوطنية في تغليب منطق الاتفاق والتوافق عبر الحوار، وتجاوز حالة الانقسام والخلاف وفق منظور وطني شامل».

 

الإدارة الذاتية الديمقراطية والخيارات الصعبة

يقول الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في إقليم الجزيرة التابع للإدارة الذاتية حكم خللو لموقع تلفزيون سوريا إن «السياسة الأمريكية مبنية على مصالحها وإعادة ترتيب المنطقة ضمن خطتها ومشروعها الشرق الأوسط الجديد، بالتأكيد العلاقة مع تركيا كحليف في الأطلسي والعلاقات الاقتصادية القوية ستؤثر على بعض جوانب السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ومن ضمنها سوريا بكل جغرافيتها إلا أن أردوغان بتوجهاته الجديدة وإعادة الذهنية العثمانية ودعمه للراديكاليبن الإسلاميين عدا عن تحول تركيا إلى دول استبدادية ابتعدت عن قيم الديمقراطية  كل هذا يجعل تركيا تخسر العديد من نقاط قوتها».

وبالحديث عن التطمينات الأمريكية للإدارة الذاتية بخصوص مستقبل المنطقة يقول خللو «هناك تطمينات شفهية وبعض المواقف التي صدرت من قيادات أمريكية وخاصة تبني أمريكا والمجموعة المصغرة معها خارطة طريق لحل الأزمة السورية متضمناً القضاء على الإرهاب والحل السياسي وفق جنيف والوقوف أمام التمدد الإيراني والحفاظ على السلم وإعادة الإعمار في المناطق التي حررتها قواتها قسد والتحالف الدولي».

وعن إمكانية إجراء تغييرات في ملامح المشهد السياسي في المنطقة وإشراك قوى جديدة في الإدارة الذاتية أوضح خللو: «بالتأكيد هناك اختلاف أيدلوجي بينpyd  والولايات المتحدة الأمريكية ولكنه يوجد التقاء للمصالح، وفي الوضع السوري لا يفيد التشدد في المواقف والحلول تفرض تنازلات من الأطراف، أما بالنسبة لانضمام بعض الأطر السياسية قلناها دوماً أبواب الإدارة مفتوحة للجميع بدون استثناء شرط قطع الصلات مع الأطراف الإقليمية والمحلية التي تعارض وتسعى إلى تقويض الإدارة».

التهديدات التركية تأتي في وقت تمر به الإدارة الأمريكية بمرحلة تخبط لا تسمح لها برسم مخططات على المدى البعيد وتتبع سياسة الترقيع للحفاظ على مناطق نفوذها في سوريا، في مواجهة التوسع الروسي.

وفي  الوقت  ذاته أكد خللو أن «هناك الآن 30 حزبا سياسيا من مختلف القوميات والاتجاهات الفكرية مرخصة لدى الإدارة وهناك لقاءات وعلاقات مع كافة القوى السياسية في شرق الفرات».

شهدت منطقة شرق الفرات تهديدات عدة طوال سنوات الثورة السورية، سواء كانت تهديدات تنظيم "الدولة الإسلامية" أم تهديدات نظام الأسد، لكن الظروف السياسية وقتذاك كانت في صالح الإبقاء على الاستقرار في المنطقة، لكن التهديدات التركية تأتي في وقت تمر به الإدارة الأمريكية بمرحلة تخبط لا تسمح لها برسم مخططات على المدى البعيد وتتبع سياسة الترقيع للحفاظ على مناطق نفوذها في سوريا، في مواجهة التوسع الروسي الذي يعتبر نفسه المتحكم الأقوى بالمشهد السوري، وهنا قد تدفع منطقة شرق الفرات ضريبة توافقات مفاجئة بين الأطراف الدولية والإقليمية، ولعل الفرصة أما الفرقاء السياسيين في شرق الفرات لا تسمح لهم بالدخول في مهاترات سياسية وخطابات للاستهلاك الإعلامي، بل باتوا أمام لحظة حقيقة إما أن تذهب بكل شيء أو تبقي على الاستقرار والأمان في المنطقة.

شارك برأيك