هل تتذكرون المفكر السوري أنطون مقدسي؟

تاريخ النشر: 18.04.2021 | 11:54 دمشق

محمد علاء الدين عبد المولى

بعد أن دخل أنطون مقدسي لحظة من لحظات الوجود التي اسمها العدم، هو الذي كان يقف دائما في قلب الموضوع الفلسفي بكل أسئلته وقلقه وتأملاته وخوفه على الحياة الكريمة والنبيلة، ها هو يعود إلى لحظة الصمت السرمدية التي لا فكاك منها.

رسالة المقدسي: السوريون مواطنون لا رعايا

 ومع أن شكل نعوته في جريدة النظام يوم مات، كان شكلًا مؤسفاً ومتواضعًا ولا يرقى أبداً إلى المعنى الحقيقي لموت رجل فكر ومعرفة كأنطون مقدسي، مع ذلك نشعر أن الراحل يبتسم بمحبة في وجه الجميع فقد امتلأت حياته بنسائم الحب والشفافية والنبل المفقود، وربما فهمنا خلفية ذلك حين نستذكر مواقف رائدة للراحل مقدسي في وجه الوريث الأسدي. فقد كتب يومئذ رسالة نشرت في (الحياة اللندنية) رفعها إلى بشار أسد، ملخصها أنه طالبه فيها بأن يحول السوريين من رعايا إلى مواطنين، موجزاً بذلك الحاجة الأكثر أهمية في حياة السوريين، وهي الحاجة إلى الشغل بالسياسة والعدالة والكرامة والقانون. فحين تتحقق هذه العوامل فسوف ينتقل أي مجتمع من كونه عبداً إلى كونه ذا شخصية فاعلة يحكمها قانون وليس شخصاً.

أغضب الديكتاتور فطرده

 لقد كانت رغبة أنطون مقدسي المعبر عنها بجرأة مهذّبة، كما هو معروف عنه في حياته الشخصية، رغبة في رؤية بلاده وقد تحررت من ميراث الأسد الأب. لكن هيهات لنظام منغلقٍ على نفسه أن يصغي لأحد يطالبه بأي مطلب. لهذا يتذكر السوريون الآن كيف تم طرد أنطون مقدسي، بعد رسالته تلك، من مكتبه في وزارة الثقافة التي بالأساس قامت في جزء كبير منها على كتفيه؛ وذلك مكافأة له على جرأته في مخاطبة الديكتاتور الشاب. فكيف ستكون نعوته في تلك الحالة؟  

المعلّم والشاعر والفيلسوف

على يد أنطون مقدسي تعلمت أجيالٌ طريقة التفكير المنطقي والسؤال الفلسفي في المدارس على كتبه الفلسفية بمنهاج الدراسة في مرحلة من المراحل. على يده تبلورت مشاريع لها صفة الديمومة في مؤسسة ثقافية عريقة لعب دورًا طليعيًا حقيقيًا في أخذها إلى مصافّ الإنتاج الثقافي المتميز.

غلّب مقدسي نقاء اليد والحضور على ما سواهما في كل حياته، فترك سيرة هادئة غنية لا تشوبها شائبة. كان معلمًا من دون مواعظ، حكيمًا من دون مدارس، شاعرًا من دون كتابة، فيلسوفاً من دون اجترار نظريات

ويلاحظ كل المعنيين بنشر الكتاب الثقافي، تأليفا وترجمة وإبداعًا، كيف كانت يد أنطون تترك بصماتها عليه. وهو في ذلك كان يجد الفسحة المتوافرة – حيث لا فسحات أخرى – لتحقيق رسالته التي يدعو إليها ويبشر بها بطرق معرفية وانطلاقا من حاجة فكرية محضة.

غلّب مقدسي نقاء اليد والحضور على ما سواهما في كل حياته، فترك سيرة هادئة غنية لا تشوبها شائبة. كان معلمًا من دون مواعظ، حكيمًا من دون مدارس، شاعرًا من دون كتابة، فيلسوفاً من دون اجترار نظريات، أبًا من دون دكتاتورية، مفكراً مدنياً ينشغل بمواطنية البشر لا بكونهم رعاعًا بل بكونهم أبناء وطن واحد يسلبون حقوقهم فيأسف على سلب الحق وضياعه.

لم يكن يرتجل الموقف ارتجالاً في أي لحظة، بل ثمة تأسيس عميق يقف وراء كل ما يفعل وبكل سلاسة ومن دون صخب. حتى إن الداخل إليه في مكتبه يرى أنه في حضرة نسمة لشدة ضعفه وسفره في أعماقه، ولكن النسيم يرحل بصمت دائماً.

حرية الثقافة والمثقف

لم يترك كمّاً من الكتب، وهذا شأن من شؤون منظومته المتكاملة في رأسه. لا يريد انشغال الإعلام به ولا ضجيج اللقاءات والمحاورين حيث لا محاورون.

ومع أنه كان مسؤولًا عن مديرية التأليف والنشر في الوزارة العتيدة لكنه لم يسمح لنفسه ولو للحظة باستغلال منصبه من أجل نشر مؤلفاته، وكان بإمكانه أن يفعل ذلك بكل سهولة وأن يترك لنا مجلدات من كتبه (كما كان يفعل غيره)، لكنه لم يكن يريد أن يخرج على تآلفه مع نفسه ومع نبله ونزاهته، تاركًا الوقت ليعبر الآخرون عن نتاجهم وترجماتهم ورواياتهم ونظرياتهم بكل أطيافها المتنافرة والمتناقضة. حيث لم يكن يعني ذلك في حساباته إلا مزيدًا من الحرية والغنى المعرفي والجمالي للقارئ ولحركة التأليف في البلد. ولذلك نثر أفكاره وتأملاته في دراسات انتشرت في عدد من المجلات الثقافية هنا وهناك. حتى كتابه (اختراقات الجسد العربي) الصادر عن دار الريس لم يكن ليصدر لو كان الأمر له كلياً.

ومع أن الكتاب ضاع في زحمة الرقابات العربية والوطنية فإن صاحبه لم يكن ليعنيه هذا في شيء، خاصة أنه يؤمن بأن الواقع العربي لم يعد قادرًا على تحمل مزيدٍ من الحرية. فالحرية المعطاة لنا كافية لتخنقنا؛ لأننا لسنا أهلًا لها، وكأننا هوامُّ شاردةٌ في صحراء الوجود لا قيمة لنا ولا معنى ولا جوهر لنا إلا بقدر تصفيقنا وانحنائنا للطواغيت هنا وهناك.

يقول: "أما الأديب فلا تعرف له مكاناً، ولهذا حشرناه في وظائف أخرى، فهو معلم أو بيروقراطي من كل الأنواع، ومذيع.. وقد يكون محاسباً، ولم لا، فالمحاسبة وظيفة هامة. وفي أحسن الحالات نجعل منه مدرساً في ثانوية أو أستاذاً بكرسي أو بدون كرسي في الجامعة، أو صحفياً. أما وظيفته فيجب أن يقوم بها تبرعاً، خارج أوقات الدوام الرسمي الذي حدد ساعاته التشريع بدقة رياضية".‏

ربما كان من الصعوبة للوهلة الأولى أن نلم بمجموع أفكار الرجل، ولكننا في تعمّقنا للعدد القليل من الدراسات (نقول دراسات تجاوزاً لأنه لم يكن مهموماً بأن يمشي وفق خطة دراسة ما في أي من كتاباته النقدية) في تعمقنا لها سنكتشف أنه كان من الذين ينظمون أفكارهم ويصوغون آراءهم بمنهجية حرة بمعنى أنه لم يكن يأسر قلمه لشكل نظري ما. فكان بذلك يجاري كتاب النصوص الفلسفية الذين يتركون الحرية للفكرة تذهب وتتحرك كيف تشاء مؤمنين بأن ذلك يعادل نظرتهم للحرية في الوقت نفسه.

الأدب كتعبير عن الحرية

ولأنه حر فقد كان يؤمن أن الأدب هو مجال من مجالات التعبير عن الحرية، فلم يكن مأخوذا -  رغم انشغالاته الأيديولوجية ونضالاته السياسية – بتوظيف الأدب وظيفة مباشرة أو نفعية لأن نفع الأدب كان عنده نفعا متعلقا بحقل الأدب فقط دون تداخله الرخيص مع وظائف ليست من جنسه. وفي هذه النقطة فقد أعطى مثالًا مهمّاً في كيفية قراءة العقل الفلسفي للأدب والفنون، وهذا ما يتطابق مع شخصيته الفكرية من جميع نواحيها. إذ كان يتلمس حتى في المقولة السياسية ما هو أعمق وأكثر من الارتجال والخطابات. لهذا كانت رسالته الشهيرة التي أشرنا إليها في البداية دعوة لممارسة السياسة من منطلق الفكرِ والرؤية المدنية الحضارية لمفهوم السياسة.

من المؤسف ألا يلتفت أحد في سوريا إلى ضرورة جمع ونشر دراساته وبحوثه وترجماته. وهي متناثرة في عدد كبير من المجلات المختلفة.

أنطون مقدسي حاجةٌ سوريةٌ راهنةٌ، محرض على الحرية الفكرية والجرأة والشجاعة في العلاقة مع الأنظمة المستبدة.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
حصيلة الوفيات والإصابات بفيروس كورونا في سوريا
خبراء يحذرون من تراجع مستوى التعليم في تركيا بسبب إغلاق المدارس
كورونا.. 8 حالات وفاة و147 إصابة جديدة في سوريا