هل انسحبت تركيا من أفغانستان حقا؟

تاريخ النشر: 29.08.2021 | 07:21 دمشق

أنهت وزارة الدفاع التركية عملية إجلاء قواتها المسلحة من أفغانستان بعد عملية مراجعة شاملة للأوضاع القائمة والأجواء الأمنية والسياسية الراهنة في البلاد كما قيل. القرار التركي لا يعني أن أنقرة ستجمد علاقاتها الدبلوماسية مع كابول أو تستدعي سفيرها أو ستنسحب تماما من المشهد الأفغاني بعد 19 عاما من الوجود العسكري المتوازن والمنفتح على جميع شرائح المجتمع وتجنب المشاركة في العمليات القتالية التي نفذتها وحدات الأطلسي هناك. حاولت أنقرة أن تجري نقاشا متعدد الجوانب مع حركة طالبان لإقناعها بتغيير مواقفها وقبول المشاركة التركية في توفير أمن مطار كابول لكنها فشلت لأن طالبان الطرف المسيطر بالقوة على إدارة شؤون البلاد تقول إنه بمقدورها فعل ذلك بمفردها ولأنها تضع الوجود العسكري التركي على مسافة واحدة مع جميع القوات الأجنبية الواجب مغادرتها قبل نهاية الشهر الحالي.

قرار سحب القوات موقف يدعمه الحكم والمعارضة في تركيا. لكن المشكلة والتباعد سيبرزان قريبا كون الرئيس التركي كشف النقاب عن تقديم حركة طالبان عرضا لأنقرة من أجل المشاركة في عملية إدارة شؤون مطار حامد كرزاي عبر فنيين وخبراء مدنيين وأن تركيا ما زالت تدرس الطلب. الاستجابة لطلب طالبان والتعاون معها سيعني الكثير بالنسبة لأنقرة وسياستها الأفغانية والإقليمية وسيتطلب لعبة توازنات محلية وإقليمية هناك.

بقدر ما كان قرار الانسحاب العسكري من كابول صحيحا رغم أنه يأتي متعارضا مع أسباب وجود القوات الدولية ومهامها في أفغانستان، وعلى رأسها محاربة المجموعات الإرهابية ومساعدة الحكومة الشرعية على إدارة شؤونها ويتجاهل أن طالبان سيطرت على مقدرات البلاد بقوة السلاح، بقدر ما يحتاج طلب مساعدة هذه الحركة على إدارة شؤون مطار كابول إلى دراسة وتحليل مفصل وشامل لأنه سيعني شئنا أم أبينا مساعدتها على إدارة شؤون البلاد.

رغم أن أردوغان أشار إلى استمرار دراسة طلب الحركة وأن تركيا لن تطلب إذن أحد حيال أي اتصالات تجريها مع طالبان فأنقرة لن تدخل في عملية الاعتراف الرسمي بها قبل التعرف جيدا إلى مسار التوازنات الإقليمية والدولية حول الحركة والنظرة إليها وكيف سيتم التعامل معها. ثم إن هناك أولويات تركية داخلية وخارجية تنتظر ردوداً إيجابية وضمانات كافية حولها قبل الإقدام على خطوة من هذا النوع.

تركيا مثل غيرها من الدول حذرة في التعامل مع الحركة وهي تردد أنها ستحدد مسار علاقاتها بطالبان على ضوء الأفعال وليس الأقوال

تردد طالبان التي أحكمت سيطرتها على المدن الأفغانية أنها استفادت من تجاربها السابقة بين الحكم والعودة إلى الجبال وأنها لن تهدر هذه الفرصة الجديدة وأنها لن تسمح بأن تتحول أفغانستان إلى منطلق لأعمال إرهابية ضد جيرانها أو أي دولة أخرى. لكن تركيا مثل غيرها من الدول حذرة في التعامل مع الحركة وهي تردد أنها ستحدد مسار علاقاتها بطالبان على ضوء الأفعال وليس الأقوال لأن خطر تفجير الوضع في أفغانستان وإعادة البلاد إلى ما كانت عليه قبل 3 عقود مازال قائما ولأن هذه المجموعات قادرة على التسبب بانفجار إقليمي أوسع في آسيا نتيجة ممارساتها وأساليبها.

 أنقرة تنتظر من طالبان أن تقبل اقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية جامعة تبقي القوى السياسية الكبرى أمام طاولة القرار في البلاد بانتظار الذهاب إلى الصناديق.

نحن لا نعرف بعد أي نوع من الإدارة الإسلامية ستتبنى طالبان في الإشراف على شؤون البلاد. هل ستقبل بالصناديق والاقتراع وقرار الناخب الأفغاني أساسا أم لا؟ هل ستغادر الشوارع وتسحب الأسلحة من يد عناصرها وتنقلها إلى المخازن والمستودعات؟ ما هي الضمانات الاجتماعية والسياسية والمعيشية التي ستتعهد بها أمام المواطنين؟ كيف ستتعامل الحركة مع موضوع المرأة وحقوقها ومشاركتها في الحياة اليومية؟ الموسيقا أفيون الشعوب أم من لا يغني لا يعرف قيمة الانتصار؟

ثم هناك مسائل إقليمية كثيرة مرتبطة بمصالح وعلاقات تركيا مع دول الجوار الأفغاني لا تريد أنقرة أن تعرضها للخطر نتيجة أي تقارب أو انفتاح على طالبان. أكثر من عاصمة عربية وغربية تحاور طالبان بعيدا عن الأعين لكن وضع ودور تركيا سيكون مختلفا خصوصا إذا ما كانت طالبان صادقة في ما تقوله حول مسار علاقاتها المحتملة مع تركيا.

صحيح أن طالبان خيبت آمال أنقرة بسبب تمسكها بشرط مغادرة القوات التركية لكابول وهذا ما فعلته تركيا، لكن الصحيح أيضا هو أن أنقرة لن تعطي الحركة أكثر من ذلك خصوصا إذا ما شعرت أنها ستحاول الاستقواء بالموقف التركي لتحسين تموضعها وعلاقاتها في الداخل والخارج. تعاون أنقرة مع طالبان سيكون بالنسبة للبعض مصيدة الإسلام السياسي وبالنسبة لآخرين امتحان دولة علمانية مسلمة مع مجموعات تطمح للجلوس فوق المصطلحين فهل تورط حكومة العدالة نفسها في معادلة من هذا النوع لم تخرج من ارتدادات تجاربها العربية والإقليمية عليها بعد؟

خدمات تقدمها تركيا لطالبان في الداخل والخارج لن تكون بالمجان طبعا. طالبان تعرف أهمية وقيمة الدور التركي إذا ما تحول إلى جسر تواصل بينها وبين شركاء تركيا في الغرب خصوصا مع دول الأطلسي وحجم الخبرات التركية في مشاريع إعادة الإعمار وخطط التنمية لذلك أي تحرك تركي بهذا الاتجاه لا بد أن يواكبه تنازلات واضحة محددة للحركة بينها التعهد بالتخلي عن أسلوب القوة والسلاح بيد المقاتلين في الشوارع والمؤسسات وقبول طالبان الحوار السياسي مع خصوم الأمس دون تمييز أو شروط مسبقة. عندما يطلب أردوغان مدة زمنية قبل الرد على مقترحات طالبان فهو يقصد التريث لمعرفة المزيد من المواقف والخطوات الواجب على الحركة الإقدام عليها لتساعد أنقرة على تحديد موقفها.

تركيا تتحرك بالأصالة عن نفسها لكنها تتحرك أيضا نيابة عن العديد من اللاعبين لمنح الجميع فرصة الحيلولة دون انفجار أمني واجتماعي واقتصادي أكبر في افغانستان

نجاح أنقرة في إيقاف موجات اللجوء الأفغاني باتجاه الأراضي التركية عبر إيران رسالة تركية أخرى لطالبان بانتظار أن تحولها إلى فرصة. طالبان تدرك أن موضوع اللجوء أو إصرار الآلاف على مغادرة البلاد ستتحول إلى ورقة ضغط إقليمي ودولي ضدها وأن من يساعدها على الخروج من هذه الأزمة هو تركيا التي بنت منظومة علاقات قوية ولها تجاربها مع الغرب في ملفات اللجوء والهجرة. تركيا تتحرك بالأصالة عن نفسها لكنها تتحرك أيضا نيابة عن العديد من اللاعبين لمنح الجميع فرصة الحؤول دون انفجار أمني واجتماعي واقتصادي أكبر في أفغانستان ينعكس سلباً على دول الجوار وآسيا. والاحتمال الأقرب هو أن طالبان والعديد من العواصم ستدعم التحرك التركي باستثناء أميركا التي كانت منذ البداية تخطط وتعد لتفجير أمني سياسي اقتصادي في المنطقة يضرب مصالح أكثر من لاعب إقليمي هناك بعد اكتشاف واشنطن أن سياستها الأفغانية وصلت إلى طريق مسدود. دبلوماسيو تركيا وقياداتها في جهاز الاستخبارات لم يحاورا طالبان نحو 4 ساعات من أجل ملف التنسيق في إدارة أعمال مطار العاصمة الأفغانية حتما. هناك مطالب وشروط وضرورات نوقشت بين الطرفين وعلى ضوء النتائج ستحسم أنقرة موقفها.

الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين