هكذا صُلبنا مرّتين

هكذا صُلبنا مرّتين

الصورة
14 آب 2019

حسان الأسود

محامي سوري

لطالما كان الفقراءُ وقود الحروب وحطبها ولطالما كانوا ضحاياها وأموالهم وممتلكاتهم نهباً للمتحاربين أو حطاماً تحت أقدامهم. في أغلب شواهد التاريخ ازداد كثيرٌ من الأغنياء غنى جرّاء الحروب، بينما دفع البسطاءُ فواتيرها من دمائهم وجيوبهم، ومن بقي منهم على قيد الحياة أصبح لاجئاً أو نازحاً بلا وطن أو بلا مأوى.

كثيرٌ من شعوب الأرض مرّت بمحن الحروب، لكن قلّة منها تلك التي اختبر أهلها فواجع كتلك التي عاصرها السوريّون وما يزالون. قد يكون لطبيعة الصراع بين شعب أراد جزءٌ كبيرٌ منه الانعتاق والتحرر وبين سلطة نظامٍ غاشم لم يعرف لها التاريخ المعاصرُ مثيلاً، دورٌ في فرادة هذه المعاناة، بل قد يكون هو الدور الأكبر. ثم يأتي بعد ذلك حجمُ الخذلان والتخلّي الكبيرين، فباستثناء الفلسطينيّين الذين كانت

لقد تقاعست كثير من الدول المؤثّرة في المعضلة السوريّة عن القيام بما تفرضه أبسط قواعد الأخلاق والإنسانيّة لوقف هذا النزيف المستمرّ منذ تسعة أعوام

مأساتهم مع عدوّ محتلّ استيطاني ينطلقُ في عقيدته أساساً من فكرة إقامة دولة على أرض بلا شعب، لم يسبق في العصر الحديث أن اضطُرّ أكثرُ من نصف شعب كامل للهرب من مدنه وقراه أو أجبر على التهجير قسراً بفعل سلطة النظام الحاكم في بلده كما جرى مع السوريّين، وقد حصل ذلك وما زال يحصل تحت أنظار العالم أجمع.

لقد تقاعست كثير من الدول المؤثّرة في المعضلة السوريّة عن القيام بما تفرضه أبسط قواعد الأخلاق والإنسانيّة لوقف هذا النزيف المستمرّ منذ تسعة أعوام، لا بل حقيقة الأمر تُشيرُ إلى أنّ ذلك لم يكن مجرّد تقاعس، إنّما مساهمة فعليّة بهذه المحرقة المتجدّدة. لكلّ طرف حساباته الخاصّة ومصالحه التي وضعها بعين الاعتبار عندما أعملَ مِبْضَعهُ في هذا الجسد المُنهك، إلّا السوريّين البسطاء لم يكن بمقدورهم أن يفعلوا شيئاً غير ما فعلوه، فلم يكن يدور في خلدهم أن هذا ما ينتظرهم وأن هذا مآل حالهم وأنّهم سيكونون رحى الحرب وحصادها، وقودها ونارها، خبزها وماءها إلى أن تشبع من لحمهم ودمهم.

ليس مطلوباً من العالم أن يترك مشكلاته وأن يتفرّغ لمأساتنا، بالطبع ثمّة ما هو أهمّ منّا في الأخبار، وللحكومات والشعوب ما يشغلها أكثر من متابعة مسألة معقّدة عصيّة على الفهم كمسألة الحرب في سوريا، مشكلات المناخ، صعود اليمين، الطاقة البديلة، صراع الشركات الكبرى على الأسواق، برنامج إيران النووي، صواريخ كوريا الشمالية، تأمين طُرق الملاحة البحريّة... والكثير الكثير مما هو أكثر أهميّة من مأساة السوريّين، ونحن لا نطلب تغيير ذلك فهذه طبيعة الحياة وطبيعة البشر.

لا شكّ بأنّ المسؤوليّة الكبرى تقع على عاتقنا – نحن السوريّين بكلّ أطيافنا – فما الذي سيجعل من أولويّات المواطن الهولندي أو الياباني أو الكولومبي أو الأسترالي أو حتى المغربي والموريتاني والكويتي والعُماني وقف الحرب السوريّة أو مساعدة السوريّين المتضررّين منها، إذا كان يجد في السورييّن من لا يُريد لذلك أن يتمّ بل على العكس تماماً، ثمّ إنّ ذلك ليس من أولويّاته كمواطن يحظى بالاحترام في بلده ويعيش في محيط بعيدٍ كلّ البعد عن مأساة لا يكاد يسمع عنها سوى شذرات بين الحين والآخر دون أن يكون مضطرّاً للبحث والاستفسار عنها أكثر؟

لن ينفعنا أن نرفع الحمل عن كاهلنا ونلقي بالمسؤوليّة على تخاذل العالم عن نُصرتنا ما دمنا لم نستطع أن نتّفق على أساسيّات العمل الوطني أو حتّى الثوري منذ تسعة أعوام حتّى الآن. يجب أن نقف بشجاعة أمام المرآة وأن نُعيد قراءة كلّ ما حدث، أفراداً وجماعات، يجب أن نكفّ عن التباكي وأن نبدأ مرحلة المراجعة الشاملة لكلّ تاريخ هذه الثورة التي تحوّلت إلى ما نشاهده اليوم، حتّى لو أدّى ذلك إلى الإقرار بالهزيمة، فهذا سيكون أوّل خطوات الوصول إلى الطريق القويم.

لا يكفي أن نحمّل بشّار الأسد ونظامه أو دول الجوار أو الدول الكبرى مسؤوليّة ما حدث، لن ينفعنا ذلك، يجب أن نسأل أنفسنا آلاف الأسئلة وأن نجد الأجوبة الحقيقيّة عن سبب ما وصلنا إليه وكيفيّة التعامل مع النتائج وآليّات تصحيح أو تغيير المسار.

لماذا لم نستطع إفراز قيادات ثوريّة حقيقيّة، ولماذا لم نستطع اختيار قيادة سياسيّة وطنيّة مؤهّلة قادرة على تمثيلنا واستثمار تضحياتنا، لماذا لم نستطع بناء مؤسسات ثوريّة وسياسيّة ومدنيّة بديلة أو على الأقلّ موازية لمؤسسات النظام، لماذا لم نستطع أن نُحاسب من ارتكب بحقّنا الكوارث من هؤلاء الذين تصدّروا المشهد، لماذا لم نستطع أن نختارهم أساساً؟

لماذا تخلّينا عن السلميّة واتّجهنا إلى العسكرة، لماذا قبلنا أن تتحكّم بنا القوى الخارجيّة، لماذا سمحنا للحركات المتطرّفة أن تنشأ في بيئاتنا الحاضنة وأن تقتل خيرة أهلنا، لماذا تركناها تزاود علينا وتخطف راية ثورتنا وتحرّف أهدافها وتدنّس طهارتها، لماذا لم نستطع إنتاج خطاب وطنيّ جامع أو على الأقلّ خطاب ثوريّ موحّد، لماذا لم نستطع أن نخاطب الرماديّين منّا، لماذا لم نستطع أن نخاطب جمهور الشرائح المستفيدة من هذا النظام بل حتى المؤيّدين له؟

لماذا سمحنا أو على الأقل سكتنا عن التجاوزات بحقّ وطننا السوري، لماذا اصطففنا مع كلّ من تدخّل بشؤوننا ولم ننْحَزْ إلى سوريّتنا، لماذا رفعنا الأعلام الروسية والإيرانيّة والتركية، لماذا سكتنا عندما داست عصابات داعش والجولاني راية ثورتنا، لماذا قبلنا أن يكون القرار بيد قادة الفصائل العسكريّة لا بيد الثوّار المدنييّن، لماذا سمحنا لأنفسنا أن نبني مؤسساتنا الثوريّة على شاكلة مؤسسات النظام الذي ثرنا ضدّه، لماذا سمحنا لغير ذوي الاختصاص أن يسيّروا شؤوننا اليوميّة في المناطق التي أخرجناها عن سيطرة النظام؟

لماذا لم تستطع قوى المجتمع المدني في بلاد المهجر واللجوء إنشاء منظّمات أو هيئات قويّة راسخة قادرة

هل كان من المنطقي والمعقول والمقبول أن يُنحّى الضبّاطُ المحترفون عن قيادة الفصائل العسكريّة والتخطيط للمعارك مع قوّات النظام وأن يتسلَّمها نجّارو البيتون وسائقو الشاحنات؟

على تلبية احتياجات السوريّين في دول الشتات، لماذا لم نتمكّن من التواصل مع السلطات والحكومات في هذه الدول لتحصيل حقوقنا المنصوص عليها في القانون الدولي، لماذا بقيت جموع السوريّين من اللاجئين متناحرة متنافرة مشتّتة؟

هل يُعقلُ أن أنّنا سمحنا لخرّيج معهد متوسط بيطري أن يسمّي نفسه رئيساً لمجلس القضاء الأعلى في الجنوب مع وجود مئات المحامين والحقوقيّين في صفوف الثوّار، هل يُعقلُ أنّنا سمحنا لحفنة من الجهلة الأغبياء القادمين من مجاهل التاريخ أن يفرضوا علينا قوانين تورا بورا وأن يناقشوا قضاتنا ومحامينا بالقانون الواجب التطبيق، هل يُعقلُ أننّا قبلنا أن يقودنا أشخاص ما لهم من العلم ولا الثقافة ولا الأدب شيءٌ تحت مسمّى شرعييّن ومُفتين ومشايخ، هل كان من المنطقي والمعقول والمقبول أن يُنحّى الضبّاطُ المحترفون عن قيادة الفصائل العسكريّة والتخطيط للمعارك مع قوّات النظام وأن يتسلَّمها نجّارو البيتون وسائقو الشاحنات؟

ليس في هذه الأسئلة انتقاصٌ من ثوريّة أصحاب الحرف أو المهن أو أي شخص كان ولا انتقاصٌ من قيمته الشخصيّة ولا من قيمة مهنته أو حرفته أو شهادته، وإن كان الكثير ممن ذُكر أعلاه يجب أن يُحاكم كما سيُحاكمُ مجرمو الحرب لما ارتكبوه بحقّنا وبحق ثورتنا وبلدنا من فظاعات، بل هو انتقاصٌ من عقولنا التي قبلت أن يتسّيد ويتصدّر عديمو الكفاءة والاختصاص وأن يتمّ إقصاء وتهميش وتنحية أصحابهما فقط تحت شعار الثوريّة. ليس من المعقول ولا من المنطق في شيء أن يُطلب من طبيبٍ جرّاحَ أوعية دمويّة أو جرّاحَ أعصاب أن يفهم في تشغيل المفاعلات النوويّة ولا في إجراءات المحاكمة الجنائيّة ولا في بناء ناطحات السحاب ولا في صناعة الورق، كذلك لم يكن من المعقول ولا من المنطق في شيء أن يُترك لمساعد طبيب البيطري إدارة شؤون القضاء في منطقة تعادل مساحتها عُشر مساحة سوريا! ليس من المعقول ولا من المنطق في شيء أساساً أن نُضطرّ في العقد الثاني من الألفيّة الثالثة لإجراء هذه المقارنات والمقاربات!

ألف سؤال وسؤال يجب أن نطرحها ثمّ نجيب عنها، لا يمكن أن نبقى في حالة العجز هذه، وإن كان الدكتور برهان غليون قد بدأ بإجراء هذه المراجعة كفردٍ سبق أن لعب دوراً فيما حصل من خلال كتابه "عطب الذات" فإنّه يجب على كلّ من يعتبر نفسه قد ساهم أو كان يجب أن يساهم وعلى كلّ من خصّه أو كان يجب أن يخصّه الأمر أن يُبادر إلى بدء هذه المراجعة وعلى المستوى الذي يستطيعه، ويجب أن تبدأ هذه المراجعة أيضاً كلّ الجماعات التي أخذت أو أطلقت على نفسها تسميات وطنيّة أو ثوريّة أو حزبيّة أو أي شيء آخر، يجب ألّا ننتظر التاريخ ليحكم على تجربتنا هذه، يجب أن نبادر لصناعة التغيير منذ الآن، وإن لم نفعل فمصيرنا البقاء فيما نحن فيه، مُعلّقين على الصليب لا نحن مع الأحياء لنعيش ولا نحن مع الأموات لنُدفن.

شارك برأيك