هكذا تفاعلت إسرائيل مع الاحتجاجات السورية في آذار 2011

تاريخ النشر: 08.03.2021 | 06:53 دمشق

في مثل هذه الأيام من 2011، انشغلت الساحتان السياسية والأمنية في إسرائيل بما بدأت تشهده سوريا من مظاهرات جماهيرية واحتجاجات شعبية، وبدا الأمر لكل متابع للشأن الإسرائيلي كما لو أن ما يحصل في شوارع دمشق ودرعا واللاذقية، إنما يعد شأناً إسرائيلياً داخلياً لكثرة التحليلات والمتابعات والتقييمات، التي تناولت الشأن السوري بجميع تفاصيله الدقيقة: سياسياً، وعسكرياً، واجتماعياً، وطائفياً! وحظيت المواجهات التي تشهدها سوريا باهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بمختلف أشكالها وتوجهاتها.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى النقاط المتعلقة بالإدراك الإسرائيلي لسوريا، والقائمة على الاعتبارات التالية، أولها جغرافياً: فالتطورات الجارية في سوريا، تمثل تطورات تجري في بلد مجاور لإسرائيل، وثانيها رسمياً، حيث ما زالت سوريا في حالة حرب مع إسرائيل، برغم الاحتمالات المتزايدة بإمكانية أن تكون بلداً مرشحاً للدخول في اتفاقية سلام معها.

هناك بعد ثالث يتعلق بامتلاك سوريا ترسانة أسلحة كبيرة، بما في ذلك الأسلحة الصاروخية، والرؤوس الحربية الكيمياوية، وإذا وقعت هذه الترسانة العسكرية في يد معارضي إسرائيل، كما ترى هي، فمن الممكن أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى اندلاع حرب شرق أوسطية كبيرة.

أما البعد الرابع فيتمثل في الارتفاع المتزايد في سقف التساؤلات الإسرائيلية المتعلقة بما إذا كانت مناشدات دمشق القائلة بضرورة استئناف محادثات السلام مع إسرائيل ما زالت سارية المفعول، وتتمتع بالجاذبية، مع أنه خلال السنوات الماضية، وهذا هو البعد الخامس، ظلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تطالب الحكومات المتعاقبة بتلبية نداءات دمشق بإحلال السلام، لإدراكها بأنَّ إنجاز السلام معها، وإن كان ثمنه إرجاع الجولان المحتل، فسيتيح لإسرائيل فرصة إبعادها عن إيران، وضرب حزب الله، مما يعزز أهدافها الاستراتيجية الكبيرة.

تل أبيب تعرف كيف تتعامل مع المسؤولين السوريين الموجودين في دمشق، لكنها لا تعرف كيف ستتعامل مع "سوريا أخرى" في حال تغير النظام

كل ما تقدم يمكن له أن يفسر حجم المتابعة الإسرائيلية الحثيثة لما شهدته الشهور التالية لمارس/آذار 2011، وبات واضحاً أن القيادة الإسرائيلية بشقيها: السياسي والعسكري، تتابع ما يجري في المحافظات السورية بانتباه شديد، خاصة ما يتعلق بأثرها المتوقع على زعزعة استقرار البلاد هناك، ولعل أدل على ذلك ما قام به جملة من القيادات الإسرائيلية، يرافقه عدد من قادة الجيش بزيارة للحدود الشمالية قرب الجولان المحتل، وإعلانهم بما لا يدع مجالاً للشك أن أي زعزعة داخلية في سوريا، ستخفف عن إسرائيل "جبهة حربية"!

مما يؤكد المخاوف الإسرائيلية أن تل أبيب تعرف كيف تتعامل مع المسؤولين السوريين الموجودين في دمشق، لكنها لا تعرف كيف ستتعامل مع "سوريا أخرى" في حال تغير النظام، في ضوء التوقعات التي قد تشير إلى احتمال تصاعد الموقف هناك بصورة دراماتيكية، مما سيضعها على "أتون بركان ملتهب" من الممكن انفجاره في أي وقت، ويعني أن النظام السوري، وفقاً للتقدير الإسرائيلي، وإن نجح بقمع المظاهرات، فلن يستطيع كبح جماح بقية الاحتجاجات في العديد من المدن الأخرى، مع إصراره على التعامل بعنف مع المتظاهرين.

في ظل المتابعة الحثيثة من قبل المحافل الإسرائيلية بقلق لآخر التطورات الميدانية في سوريا، أبدت تل أبيب ثقتها أن رأس النظام السوري في خطر، لأن مفعول ما وصفته بـ""الدومينو" بدأ يضرب بقوة نظام الحكم هناك، بعد أن كسر الشعب حاجز الخوف، وخرج الناس إلى الشوارع، وحطموا التماثيل الضخمة، وأضرموا النار في مباني المؤسسات الحكومية الرسمية.

قدرت الأوساط الإسرائيلية أن استمرار الأمور في سوريا على هذا النحو، سيؤثر لفترة طويلة من انعدام الاستقرار، وستكون له آثار بعيدة المدى على الشرق الأوسط عموماً، وأمن إسرائيل خصوصاً، لأنَّ تخوف جيشها انصبّ آنذاك على مصير الأسلحة غير التقليدية الكيمياوية والبيولوجية التي يحوزها النظام السوري، وعلى عدم وجود ضمان بأن تبقى المنطقة الشمالية على الحدود معها هادئة إن تغيرت الأمور في دمشق.

في إطار التركيز الإسرائيلي على الشأن السوري في بدايات الأحداث الجماهيرية والاحتجاجات الشعبية، ذكرت إسرائيل ألف سبب وسبب يجعل تصنيف الرئيس السوري ضمن النوع الذي لن يبدو متهاوناً في التراجع أمام التطورات الداخلية، محصية أسباباً عديدة.

في ذات السياق، راقبت إسرائيل بحذر مستقبل العلاقات بين سوريا من جهة، والفصائل المسلحة الموجودة هناك كحماس وحزب الله، التي كانت ترعاها دمشق، وتدعمها سياسياً، معربة عن قلقها من مواصلة دعمها لها، لمحاولة صرف الأنظار عما يحصل من تطورات داخلية، والضغط عليها لـ"التحرش" بإسرائيل، إن لزم الأمر، وربما وصل الأمر ببعض الإسرائيليين للإعلان صراحة أنه يمكن القول بكل ثقة "وداعاً للسلام مع سوريا"، لأنه لو أرادت الأخيرة السلام فعلياً مع إسرائيل، لأصبح متأخراً جداً الآن، وهذا الكلام قد ينطبق على بدايات الثورة السورية، وليس الآن وقد تزايدت التلميحات من الجانبين بإمكانية إنجاز اتفاق بينهما.

وفي حين أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حاولت المفاضلة بين نظام وآخر في المنطقة العربية، فإن الوضع في الأحداث السورية بدا مختلفاً ومغايراً، بالنظر إلى الحساسية الدقيقة للدولة السورية، لاسيما على صعيد الموقع الجيو-سياسي، بالنسبة لإسرائيل، ما يتطلب من الأخيرة أن تدير تقييماتها لما يحصل لدى جارتها الشمالية وفق أساسات هامة، تقوم على: قراءة سليمة للتطورات الداخلية هناك، والمزيد من التأهب الأمني، إلى جانب الحوار والتنسيق الوثيقين مع الولايات المتحدة، والأهم من كل ذلك "رأس مفتوح" للفرص التي قد ينطوي عليها الوضع الجديد.

أهمية الأحداث ليست بحجمها، بل في كونها غير مسبوقة في هذه الدولة التي لم تشهد مظاهرات كهذه منذ ثلاثين عاماً

وفي حين أنه بدا من السابق لأوانه محاولة تقدير وجهة سوريا، لاسيما في الأسابيع الأولى للاحتجاجات الداخلية، إلا أن أهمية الأحداث فيها حالياً ليست بحجمها، بل في كونها غير مسبوقة في هذه الدولة التي لم تشهد مظاهرات كهذه منذ ثلاثين عاماً، ما يعني أن تغير الأمور بصورة دراماتيكية يعني بشكل تلقائي انهيار "الحلف غير المقدس" بين سوريا وإيران.

وفي الوقت الذي ما زالت فيه الأوساط الإسرائيلية تنظر بعين من الترقّب إلى مآلات الأوضاع في سوريا، فقد بدأت تطرح أسئلة استشرافية من قبيل: هل هذه هي نهاية سلطة عائلة الأسد؟ أم أنها نهاية "الخيار السوري" لإسرائيل؟ خاصة في ظل اعتياد رؤساء الحكومات الإسرائيلية التعبير في الماضي أن يفحصوا إمكانية التوصل إلى تسوية مع دمشق، أو إعلان ذلك على الأقل، كلما وصل التفاوض مع الفلسطينيين إلى وضع حرج، بل إن بعضاً منهم، كـ"رابين ونتنياهو وباراك"، خطوا خطوات عملية، لكنهم صدموا سريعاً بـ"حائط صد" من الرفض السوري.

ومع ذلك، فإن القراءة الإسرائيلية لما يحصل في سوريا تؤكد مجموعة مما سمّتها "الفرضيات الإسرائيلية الخاطئة"، ومنها القراءة التشاؤمية في إسرائيل لما يقال إنه "ربيع الشعوب العربية"، ومنها سوريا، فقد تجلى بعد وقت قليل أنه بداية لـ"شتاء طويل مظلم"، ما يؤكد أن فرضية نزولها عن هضبة الجولان، قد أُنزل عن جدول الأعمال، بسبب ما يقال إنه شرق أوسط غير مستقر، لأنه على سبيل المثال لو وقعت إسرائيل مع سوريا على اتفاق في شأن انسحاب إلى الساحل الشرقي لبحيرة طبريا مقابل "ترتيبات أمنية"، فماذا كانت احتمالات أن يتم الحفاظ عليها؟ سواء بقي نظام الحكم الحالي، أو حل نظام آخر محله؟

رغم أن جميع التقديرات الإسرائيلية الصادرة خلال السنوات القليلة الماضية بشأن إمكانيات حدوث أي مواجهات بين النظام السوري ومعارضيه كانت تؤكد على أن لدى الأسد من القدرة ما يجعله واثقاً في مسألة بقائه في السلطة، إلا أنه يمكن القول إن الأحداث التي شهدتها بعض المدن السورية في الشهور الأولى من ذلك العام جعلت كبار مسؤولي وزارة الحرب وأجهزة الاستخبارات في تل أبيب يراجعون تقديراتهم بهذا الشأن.

اجتهدت السطور السابقة في استعراض المزيد من المواقف الإسرائيلية من التطورات السورية في مثل هذه الأيام من 2011، أمكن من خلالها رصد التوجهات الإسرائيلية حيال مستقبل الأوضاع في سوريا، وتداعياتها الإقليمية، وكيف سعت إسرائيل لتوظيف تلك الأحداث لمصلحتها، فأصابت مرة وأخطأت مرات!