هكذا أدارت إسرائيل "معركة الرواية" خلال عدوان غزة

تاريخ النشر: 25.05.2021 | 06:01 دمشق

آخر تحديث: 25.05.2021 | 07:29 دمشق

ظهر واضحا خلال أيام العدوان على غزة، حجم "التجنيد" من مختلف الوسائل الإعلامية الإسرائيلية: المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية، خلف الجيش والحكومة، وبث بعض المراسلين تقاريره من داخل الدبابة، ولم يعد سهلا التفريق بين "المراسل" العسكري و"الناطق" العسكري.

شملت تأثيرات العدوان على غزة مختلف الجوانب داخل المجتمع الإسرائيلي: السياسية والعسكرية والإعلامية، عبر الاصطفاف منقطع النظير خلف المؤسستين العسكرية والسياسية، وغاب فيها الخيط الأبيض عن الخيط الأسود.

لقد نظر الإعلام الإسرائيلي للعدوان على غزة من منظار الأمن، واكتفى بما تمليه عليه الحكومة والأمن والجيش من معلومات، مستخدما التضليل، بانتهاج مبادئ أساسية في تغطيته الإخبارية، أهمها: تجاهل انتهاك المستوطنين للمقدسات الإسلامية في القدس والمسجد الأقصى، واعتبار أن حماس هي المعتدية، وإسرائيل معتدى عليها، وأن الفلسطينيين بدؤوا بالحرب، فيما الإسرائيليون يدافعون عن أنفسهم، وأن الجيش يقوم بـ "رد فعل" على "العنف" الفلسطيني، مما يوفر سبباً للهجوم عليهم.

كما التزم الإعلام الإسرائيلي أسلوب التكرار بنقل خبر معين، حتى تغرس الفكرة في نفوس المتلقين، مثل خبر محاولة اغتيال محمد الضيف عشرات المرات، ومهاجمة "مترو حماس" من الأنفاق، فضلا عن إغراق شبكات التواصل والمدونات وساعات البث المباشر بمشاركة دبلوماسيين ومجموعات ضغط، بسلسلة من "الرسائل" المعدة مسبقا، لتبرير العدوان الإسرائيلي على غزة.

الإعلام الإسرائيلي استغل إطلاق الصواريخ من قبل حماس لتبرير شن العدوان على غزة، كي تحظى بتعاطف الغرب

وقد دأب الإعلام الإسرائيلي على تكرار "صور نمطية" خلال أيام العدوان الأحد عشر، كي تستقر في ذهن المشاهد، والتأكيد على "معاناة اليهود" من هطول صواريخ غزة، وكأنها هي المشكلة، دون التركيز على معاناة المدنيين في غزة من القصف الإسرائيلي، وظهر هذا بإعطاء معالجة مطولة بالصور والفيديوهات للإسرائيليين الخائفين من صواريخ المقاومة، وتأثيرها عليهم، أما معاناة الفلسطينيين، فتم التقليل من قدرها لتصبح مجرد أرقام يتم تبريرها باعتبارها "أضرارا جانبية".

مع العلم أن الإعلام الإسرائيلي استغل إطلاق الصواريخ من قبل حماس لتبرير شن العدوان على غزة، كي تحظى بتعاطف الغرب، وحرصت ماكينة الدعاية الإسرائيلية على الظهور بكل مكان، وتوفير الناطقين المتحدثين بالإنجليزية، وشمل ذلك إنكار الحقائق، وإلقاء اللوم على الفلسطينيين، بزعم "أننا لم نفعل هذا، هم جعلونا نفعله".

فيما شكلت الرقابة العسكرية الإسرائيلية حلقة مهمة في ضبط العلاقة بين السلطة والإعلام خلال العدوان على غزة، لإملاء المواقف الأمنية والعسكرية، مما جعل الضباط يتحكمون بأدائها، فارضا نفسه بقوة عليها، بداعي المصلحة الأمنية، وشهدت الحرب على غزة العديد من النماذج التي اعتبرتها الرقابة العسكرية أسرارا لا يمكن للصحافة التعاطي معها، ومنها: قصف المبنى الذي يضم قناة الجزيرة في غزة، حجم الخسائر البشرية الإسرائيلية، أماكن سقوط صواريخ المقاومة، التراجع الفوري عن خبر العملية البرية خشية جلب ضغوط دولية.

ليس ذلك فحسب، بل إن الإعلام الإسرائيلي طولب خلال فترة الحرب بعدم بث بعض الأخبار والأحداث بحجة أنها مواد دعائية معادية، مثل خطابات زعماء المقاومة، خاصة "أبو عبيدة" الناطق باسم كتائب القسام، لأن هدفها بث الخوف واليأس بين الإسرائيليين، ولأنهم غير معنيين بأن يصل هذا "الملثم" في المساء إلى صالون بيوتهم عبر شاشة التلفاز، بعد أن "زارهم" ظهرا في شوارع سديروت!

اعتمد الإعلام الإسرائيلي خلال العدوان على غزة مصطلحات أصبحت جزءاً من قاموسه اليومي، ومنها: المخربون والإرهابيون بدلا من الفدائيين والمقاومين، الفلسطينيون بدلا من الشعب الفلسطيني، العمليات الوقائية بدلا من التوغل والاقتحام، المواطنون بدلا من المستوطنين، والبلدات بدلا من المستوطنات، أعمال هندسية بدلا من تجريف الأراضي الزراعية، خطوات أمنية بدلا من عمليات انتقام وعقاب، عمليات إحباط موضعية بدلا من تصفية واغتيال.

كما مارس الإعلام الإسرائيلي دورا تحريضياً على الفلسطينيين بغزة، باعتماده تغطية خاصة تضم معظم صفحات الصحف اليومية، وغالبية ساعات البث التلفزيونية، مع صور للدماء والقتلى والمصابين، للإسرائيليين طبعاً، وليس الفلسطينيين، وغصت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالمقالات والتحليلات التي حثت الحكومة والجيش على بذل المزيد من الجهود لمواصلة حرب غزة، وتم النظر للمقاومة، وتحديدا حماس، على أنها "فيروس قاتل" يحتاج لعلاج مكثف وعنيف، وضرورة التوجه لحل جذري مهما كان مكلفا ودمويا، كالعملية الجراحية التي مهما بلغت خطورتها فلا بد منها، في إشارة واضحة لتنفيذ العملية البرية التي خشي الجيش من الذهاب إليها.

وأضحى المراسلون الإسرائيليون يتنافسون فيما بينهم لإظهار عدائهم للشعب الفلسطيني، ويتجاهلون في تقاريرهم الحديث عن الآثار الإنسانية للقصف الإسرائيلي لغزة، "ولو تعلق الأمر ببعضهم لأطلقت إسرائيل صواريخ برؤوس نووية على غزة وجباليا"، لأنهم مثلوا دورا تحريضيا، وبدا انعطافهم واضحا نحو اليمين، وخلقوا إعلاما متعطشا للدم لا مثيل له.

أثبتت الأيام الأحد عشر من العدوان على غزة أن الإعلام الإسرائيلي اعتمد على الكذب والدس والتضليل والتحريف، بما فيه تشويه الحقيقة، واختلاق كذبة لتصبح حقيقة بعد تكرارها، وهو أسلوب يؤكد أن "القاتل" لم يجد ملجأ يسوغ ممارساته إلا بالافتراء على "الضحية"، باتهامها أنها سبب الجريمة التي استحقتها.

من الأساليب التي انتهجها الإعلام الإسرائيلي لتسويق الأكاذيب وترويجها: استخدام صيغة المبني للمجهول، كما في كلمة "قتل" لإبقاء الفاعل مجهولا، وتقليل مسؤولية الجيش، واختلاق أكذوبة التوازن الخاطئ، بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال، القاتل والمقتول، بين ضدين لا يلتقيان إلا في إطار جدلية الصراع، ومقارعة بعضهما للآخر، وتصوير الأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين على أنهم "تروس دفاعية حية" بأيدي المقاومة، لأنها كانت على الدوام تجند الأطفال لساحة المعركة.

وبعد شروع الاحتلال في سياسة اغتيال قيادات المقاومة خلال العدوان على غزة، تكفل الإعلام الإسرائيلي بمهمة تسويغ هذه السياسة وشرعنتها، عبر عدة مراحل، من أهمها انتقاء مصطلحات ذات وقع أخف من كلمة الاغتيال، كالقتل المستهدف، الدفاع الإيجابي، التصفية الموضعية، ضربات مختارة، إحباط ناجح، وشرعنة الاغتيالات وفق قاعدة "من يرد قتلك اقتله"، لأن القياديين الفلسطينيين الذين تمت تصفيتهم مسؤلون عن مقتل عشرات الإسرائيليين، ويخططون لعمليات أخرى.

أثارت متابعة الإعلام الإسرائيلي منذ بداية العدوان على غزة علامات سؤال عديدة حول مهنية ومصداقية مراسليه ومحرريه

واتضح مع مرور الوقت أنه فور الإعلان عن اغتيال ناشط فلسطيني، يتم إلصاق جميع التهم الملفقة المعهودة، مما يشير إلى أن قوائم التهم معدة سلفا، وهذا الإعلام بانتظار الضحية القادمة ليس إلا، بجانب التهويل من قوة الأمن الإسرائيلي بتنفيذ الاغتيالات، فلجأ الإعلام الإسرائيلي للحرب النفسية المبرمجة، وبات حديث المراسلين عن الاغتيالات، كأنها واحدة من "بطولات" الجيش، وقدرته على الوصول لكل مطلوب.

وقد أثارت متابعة الإعلام الإسرائيلي منذ بداية العدوان على غزة علامات سؤال عديدة حول مهنية ومصداقية مراسليه ومحرريه، ليس فقط بما يقولونه، بل بما لا يقولونه، وانتهج بتغطيته للعدوان أسلوبا لترويج الموقف الرسمي، وقامت روايته على عدم إحضار متحدثين فلسطينيين في البرامج الحوارية، بل إسرائيليين يتحدثون مع بعضهم، يكيلون التهم للفلسطينيين دون أن يدافع عنهم أحد، وعدم استخدام المصادر الفلسطينية بصورة عادلة، باستخدام كلمة "يدعي أو يزعم" عند ذكر الفلسطينيين.

كما اعتمد الإعلام الإسرائيلي في معلوماته على مصادر الحكومة، ومكتب رئيسها، والناطق العسكري، مما دفع الإعلاميين الإسرائيليين لقبول خطاب الأمن "حصراً" لفهم أحداث الحرب، وعدم نقل معاناة أبناء غزة في أيام الحرب، فمليونا إنسان محاصرون، عزلوا تماماً عن العالم، لا يستدعي دقائق معدودة من ساعات البث الحربية، واعتبار الضحايا الفلسطينيين "أرقاماً"، فرغم زيادة عدد الشهداء عن 230 فلسطينياً وأكثر من ألفي جريح، معظمهم من الأطفال، لكن الإعلام الإسرائيلي اكتفى بنشر أعدادهم، دون ذكر أسمائهم وأعمارهم وظروف استشهادهم، وتجاهل بث الصور المؤثرة لعمليات انتشال الأطفال من تحت الأنقاض في غزة، وتركيز الصور على مسلحين فلسطينيين يتقدمون الجنازات!

كلمات مفتاحية
"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي