هذه النهاية لم تكن أبدا لنا

تاريخ النشر: 20.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 21.12.2018 | 05:59 دمشق

ويأتيك حديث الغوطة وصور أهلها، سيل من العذابات والآلام تكتبها أقدار جَمعت بين طفل وعالمه، الطفل يُنتشل حياً دون ذويه المردومين تحت الأنقاض، لا يفقه مغزى هذا الجنون وعالم يحيط به يراه ولا يراه، وتأتيك الصورة والصرخة وتتبعها أخرى في عالم يسمع ولا يسمع.

وينقلك ناشط بكاميراته إلى عيون كهل يطالع العدسة محدّقاً كأنه ينظر إليك وهو الخارج المكسور ليقول متحسراً فوق ركام حياته وثورته: هذه النهاية لم تكن أبداً لنا، وبذلك أتراهُ ينظم شعراً أم يطرح في وجوهنا خيبته من أمل البدايات، البدايات التي كانت يوماً تُظن أنها الأصعب، إلى أن تكشف وجه بل وجوه أخرى للنهايات، كأن تكون النهاية على شكل ما يحدث للغوطة وأخواتها وهو ذاته ما حدث وتفرجنا عليه سابقاً في حواضرنا الثائرة أو التي كانت كذلك.

أما ذات الطفل الحي الذي انتشل للتَّو في الأسطر الأولى،

لن يدرك الطفل المدمى المخنوق الآن ما تعني الثورة على نظام الأسد سيدرك لاحقاً

فكانت البدايات والنهايات الصعبة من نصيبه دون أن يدرك معنى للمصطلحات الكبرى التي تصف حاله كأن يُسمى ابنَ الثورة أو ضحيتَها أو ضحية حرب الآخرين على أرضه أو نزاع المصالح بين القوى العظمى الذي أفرز أخيراً نشوة روسية واندفاعاً لقتل السوريين بحثاً عن مجد غابر يشيد فوق الأجساد.

لن يدرك الطفل المدمى المخنوق الآن ما تعني الثورة على نظام الأسد سيدرك لاحقا، هو الذي قدّمَ في سبيلها نصف عائلته دون أن يعايش منها سوى جحيم قصف النظام الذي سيحوله إلى نازح بعد قليل محمول في حقيبة لم تتسع لسواه أو ربما لا شيء ثميناً يُحمل فيها سواه من بقايا حياة أبيه هذا إن كان الحامل أبوه!

وبين ذاك المحمول والحامل قصة جيل نبت هنا وقبل أن يزهر اقتلع، لا يعرف أين ستكبر جذوره، يتأمل بشرود الطريق ورواده الكثر المتعبين يريد أن يعرف الوجهة لكنهم أنفسهم لا يعرفون، هي طريق تودي إلى كل الاحتمالات فالسالك طريق الخروج من الغوطة اليوم لا يريد أن يصل فلا غاية له غير ألا يكون هو أو طفله ذاك الجسد الممزق المتروك في الطريق إثر قصف روسي لم يمنح الأهل إن كانوا أحياء فرصة للملمة بقايا لحمه المحروق، ليتحول مادة للتصوير ولي ولغيري ممن يكتبون.

أولئك جميعاً أعطوا كل شيء خلال السنوات السبع لكي لا تكون في حياتهم هذه اللحظات، لحظات تمر على وقع أقدام جنود الأسد ومن معهم من شذاذ آفاق،

سؤال عن كل الوجع، والجوع والقهر والحسرة والضياع فهل يحق له أن يبكي سنواته السبع اليوم؟

يدخلون الغوطة بعد أن دمرها الطيران الروسي الذي سحق حتى أحلام القابعين في الأقبية بأن يخرجوا يوماً ليعودوا إلى بيوتهم تلك التي لم تعد موجودة إلى هناك في الأحلام والذكريات.

ومع كل الصور التي تصل غزيرة كما أخبار الانهيار يكبر السؤال في قلب ذاك الطفل الذي حُمّل صورة الأسد فحملها ليمرَّ إلى غده، سؤال عما جرى في حياته التي عاشها في كنف الثورة التي حمل على إثرها عابرا نازحا تائها صغيرا صورة قاتل أهله وأقرانه ومضى، سؤال عن كل الوجع، والجوع والقهر والحسرة والضياع فهل يحق له أن يبكي سنواته السبع اليوم؟ هل يحق له أن يسأل عن البدايات والنهايات وما بينهما، هل لدى هذا العالم إجابات؟ هل لدى فصائل الغوطة الشرقية إجابات؟ هل لدى موسكو والأمم المتحدة بهيئاتها ومجالسها إجابات؟ هل لدى اليونيسف إجابات، هذه التي تركت بيانها فارغاً ذات جلسة لأنها لم تعد تملك من الكلمات ما يصف المعاناة والألم فليس هناك كلمات تنصف "الأطفال القتلى".


ستبقى كل هذه الصور ومئات الآلاف غيرها، ستبقى كل الأصوات والحشرجات وكل الدموع والآهات وصمةَ عار على كل جبين وتبقى معها العذابات في الصدور فمن كانوا في الصور لن ينسوا وإن أخرجوا اليوم وإن حملوا في حقيبة سفر وإن حُمّلوا صورّ القتلة لن ينسوا فالخير في البدايات وهذه النهايات لم تكن أبدا لهم.