عادت الحركة تدريجياً إلى مداخل ومخارج أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، بعد أيام من التوتر الأمني الذي شهدته المنطقة إثر اشتباكات وقصف متبادل بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري، وخلال فترة التصعيد، فرضت قوات الجيش والأمن العام قيوداً على حركة الدخول إلى الأحياء، في حين سمح بخروج مئات العائلات التي فضلت النزوح باتجاه مناطق وأحياء أكثر أماناً داخل المدينة، وإلى منطقة عفرين شمالي حلب، تجنباً لتجدد المواجهات.
ويشتكي أهالي الشيخ مقصود والأشرفية من حالة التوتر الأمني والعسكري التي تفرضها "قسد" داخل الأحياء، ونشرها مرابض المدفعية والهاون بين منازلهم، وتلويحها المستمر بإشعال الجبهات مع الحكومة السورية مجدداً، وهو ما أخر عودة الأسواق والورش الصناعية إلى العمل، وسمح باستغلال التجار للحالة الراهنة ورفعهم أسعار معظم السلع، وبالأخص تلك الأساسية التي يحتاجها السكان في يومياتهم.
إبقاء حالة التوتر
برغم المساعي التي تبذلها الحكومة السورية للتهدئة بحلب إلا أن "قسد" ما تزال تصعد من استفزازاتها في محاولة للإبقاء على حالة التوتر، واشعالها المتكرر لبعض المحاور في محيط الشيخ مقصود والأشرفية وتنفيذها عمليات إعادة انتشار مؤقت تهدف كما يبدو إلى استفزاز القوات المرابطة من الجيش والقوات الأمنية، ولا يقتصر التصعيد على حلب المدينة إنما يمتد إلى أطراف منطقة دير حافر في الريف الجنوبي الشرقي وفي محيط سد تشرين بمنطقة منبج شمال شرق محافظة حلب.
يرى الكاتب والمحلل السياسي علي تمي أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تسعى إلى إشغال الحكومة السورية بملفات فرعية بهدف التهرب من تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس، مشيراً إلى أن المدة المحددة لتنفيذ الاتفاق أوشكت على الانتهاء مع نهاية العام الحالي 2025.
وأوضح تمي، في تصريحٍ لموقع تلفزيون سوريا، أن "قسد تحاول خلط الأوراق مجدداً، عبر نقل مسؤولية التعطيل إلى الحكومة السورية، لإحراجها أمام الرأي العام"، لافتاً إلى أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى كسب الوقت وتجنب الالتزامات المترتبة على الاتفاق.
وفي ما يتعلق باحتمال جر "قسد" للحكومة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، استبعد تمي أن تكون لدى "قسد" رغبة حقيقية بخوض معركة واسعة، قائلاً: "عادة ما تفتح قسد مواجهات محدودة، لكنها تسارع إلى التهدئة عندما تشعر أن الأمور خرجت عن السيطرة، وتحركاتها الحالية تصب في إطار التهرب من تنفيذ الاتفاق".
وأشار تمي إلى أن التصعيد القائم بين الجانبين قد يتطور إلى مسار أكثر خطورة مع بداية العام المقبل، إذا استمرت "قسد" في نهج التصعيد والمماطلة، محذراً من أن استمرار هذا السلوك "قد يفجّر جبهات جديدة ويقود إلى معركة طويلة ومكلفة".
وختم تمي حديثه بالتأكيد على أن مدينة حلب يجب أن تعود إلى سيطرة الحكومة دون إراقة دماء، داعياً إلى تمكين المؤسسات الرسمية من استئناف عملها في المناطق التي تسيطر عليها "قسد"، مشيراً إلى أن "السلوك الاستفزازي لقسد سيدفع ثمنه المدنيون القاطنون في الأحياء الخاضعة لسيطرتها".
الشيخ مقصود والأشرفية
تقع أحياء الشيخ مقصود والأشرفية عند الأطراف الشمالية الشرقية من مدينة حلب، وقد تحوّلت منذ مطلع الثورة السورية إلى إحدى أكثر المناطق تعقيداً من الناحية الأمنية والسياسية، ففي أواخر عام 2011، سمح النظام المخلوع ولأول مرة لـ"وحدات الحماية الكردية" بإدارة تلك الأحياء ذاتياً، في إطار تفاهم غير معلن يقضي بتحجيم الحراك الكردي وتحيده عن المشاركة في الثورة.
وبموجب الاتفاق، بدأت الوحدات بتنظيم نفسها عسكرياً بمساندة مباشرة من النظام، الذي زودها بالسلاح وأتاح لها نصب حواجز عسكرية على مداخل الأحياء وفرض رقابة أمنية مشددة.
ومع دخول فصائل المعارضة إلى مدينة حلب منتصف عام 2012، اتخذت الوحدات موقفاً دفاعياً لمنعها من دخول مناطق سيطرتها، وتمكنت من الصمود عدة أشهر قبل أن تبرم اتفاقاً سمح بدخول بعض الفصائل، لكن وجود هذه الفصائل لم يدم طويلاً، إذ اندلعت مواجهات جديدة انتهت بسيطرة "الوحدات" مجدداً على الحيين بين عامي 2015 و2016 بدعم من النظام، لتشارك لاحقاً إلى جانبه في العملية العسكرية التي أدت، بدعم روسي وإيراني، إلى استعادة السيطرة على كامل مدينة حلب وتهجير سكان أحيائها الشرقية.
وفي مقابل تلك المشاركة، سمح النظام للوحدات بالاستمرار في إدارة مناطقها داخل حلب تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلا أن العلاقة بين الجانبين ظلت متقلبة، وشهدت توتراً متزايداً بعد عام 2018 عندما تسلمت الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد إدارة الحواجز المؤدية إلى الأحياء تلك، واستخدمتها كورقة ضغط على "قسد" التي كانت تحاصر بدورها مناطق النظام في الحسكة والقامشلي شمال شرقي البلاد.
وبعد سقوط النظام المخلوع، ساد في المدينة اعتقاد بأن رفض "قسد" الانسحاب من الأحياء وتماديها في استهداف كل من يقترب من مناطق سيطرتها قد يقود إلى مواجهة عسكرية واسعة، خصوصاً مع الكثافة السكانية العالية في المنطقة وامتلاك "قسد" أسلحة ثقيلة وتحصينات وأنفاق تجعل أي معركة معقدة ومكلفة، ولكن التطورات جاءت مغايرة للتوقعات، إذ لم تندلع مواجهة مفتوحة بين الجانبين، فيما واصلت "قسد" وفق المصادر الميدانية عمليات الحفر والتجنيد، بما في ذلك تجنيد القاصرين، قبل أن تشهد المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً واشتباكات إثر اعتداءات متكررة من قسد استهدفت عناصر من الجيش والأمن العام.
النزوح يقوض سيطرة قسد
شهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب خلال الأيام القليلة الماضية حركة نزوح كثيفة، في ظل تصاعد التوتر والاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والجيش السوري.
وتعدّ هذه الموجة هي الأولى من نوعها التي تتجه فيها مئات العائلات من داخل مناطق سيطرة "قسد" نحو الأحياء الآمنة داخل مدينة حلب، فيما فضّل آخرون – بأعداد ليست قليلة – التوجه شمالاً إلى منطقة عفرين بحثاً عن الأمان.
وقالت مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا، إن حجم الاستعدادات العسكرية لقوات "قسد" داخل الأحياء أوحى بقرب اندلاع معركة طويلة، الأمر الذي دفع العديد من الأسر إلى مغادرة منازلها خشية تفاقم الوضع، كما ساهم القصف المتبادل بين "قسد" والجيش السوري في تسريع وتيرة النزوح، خصوصاً من الكتل السكنية القريبة من خطوط الاشتباك.
وفي المقابل، أفادت مصادر محلية بأنّ "قسد" اتخذت إجراءات جديدة للحد من حركة الخروج، إذ منعت العائلات من مغادرة الأحياء، وسمحت فقط بمرور الموظفين والتجار، في محاولة منها لاحتواء موجة النزوح، كما دعت الأوساط الموالية لها داخل المنطقة إلى وقف مغادرة السكان، معتبرة أنّ استمرار النزوح سيؤدي إلى خسارة ورقة ضغط بيد "قسد" أمام الحكومة السورية، وقد يسهّل دخول القوات الحكومية إلى الأحياء في حال فرغت من سكانها.
من جانبه، قال مدير المكتب الإعلامي في منطقة عفرين، زانا خليل، في تصريحٍ لموقع تلفزيون سوريا، إنّ "العائلات النازحة من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب بدأت بالوصول تباعاً إلى المنطقة، ومعظمها تم استقبالها من قبل أقارب وأصدقاء في عفرين".
وأضاف خليل أنّه "في حال تزايد أعداد النازحين خلال الفترة المقبلة، سيكون لإدارة المنطقة دور فاعل في إيوائهم وتقديم الدعم والمساعدة اللازمة لهم".
وفي ذات السياق، تعيش مدينة حلب حالة توتر مستمرة نتيجة بقاء أحياء الشيخ مقصود والأشرفية والمناطق الصناعية المجاورة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما أدى إلى عرقلة الجهود الرامية إلى إنعاش المدينة وإعادة الخدمات إلى جميع سكانها، ويبدو أن استمرار هذا الواقع الأمني الهش وجه رسالة سلبية للراغبين بالعودة إلى المدينة، مفادها أن حلب ما تزال غير آمنة بالكامل رغم مرور نحو عشرة أشهر على سقوط النظام المخلوع، الأمر الذي انعكس في حالة من الاحتقان الشعبي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الحكومة.
هذا الاحتقان المتزايد جعل الأصوات المطالبة بإخراج "قسد" بالقوة هي الأعلى مقارنة بالدعوات الأخرى التي تنادي بالتهدئة والتوصل إلى اتفاق سلمي ينهي وجودها في المدينة، في وقت لا تزال فيه المخاوف من اندلاع مواجهة مفتوحة قائمة مع استمرار التوتر الأمني وغياب الحلول السياسية الواضحة.