بمجرد أن عاش أوائل الفلاحين في التاريخ حياة الاستقرار وتخلوا عن الترحال، صاروا يقدرون قيمة المجتمع ذي العلاقات المتينة المترابطة، ولذلك لم يكتفوا بإقامة علاقات ووشائج مع جيرانهم المباشرين فحسب، بل رحبوا بالوافدين من قرى أخرى أيضاً.
في دراسة جديدة نشرتها مجلة Scientific Reports تبين بأن المجتمعات الزراعية الأولى تطورت بمرور الوقت، فقد أثبتت الدراسة بأن تلك المجتمعات صارت تستقبل أي شخص يفد إليها، بصرف النظر عن المكان الذي أتى منه. وعبر فحص أسنان قديمة عثر عليها في مواقع أثرية بسوريا، تمكن الباحثون من اكتشاف أنماط للتنقل والتحرك، والتعرف على شكل حياة أهالي القرى التي اعتمدت على الزراعة في معاشها.
نمط حياة جديد خلال العصر الحجري الحديث
كانت حقبة العصر الحجري الحديث (التي امتدت من نحو 11.600 إلى 7.500 سنة قبل يومنا هذا) فترة تحول مهمة في التاريخ الذي شهد انطلاق نشاط الزراعة وتربية الحيوان، لأنه مثّل نقطة تحول شاملة من نمط الحياة البدوي لنمط الحياة المستقر.
خلال الفترة الأولى من هذا العصر، أي المرحلة أ من الحقبة ما قبل الفخارية للعصر الحجري الحديث (من الألفية العاشرة وحتى التاسعة قبل الميلاد)، بدأ من عاشوا في بلاد الشام بتجريب أمور بسيطة بدائية في نمط الحياة الزراعية، فأصبحوا يعيشون ضمن مجموعات أصغر لا تتواصل بشكل كبير مع الأشخاص من خارج نطاقها المباشر.
ولم يبدأ البشر بالخروج من تلك التجمعات وتطوير علاقات مع غيرهم من أبناء مختلف المناطق حتى المرحلة ب من الحقبة ما قبل الفخارية في العصر الحجري الحديث. وفي أواخر هذا العصر (أي ما بين الألفيتين السابعة والسادسة قبل الميلاد)، أصبحت تلك الأواصر أعمق، لدرجة دفعت أبناء تلك المناطق لتبادل أنماط وأساليب صنع الفخار.
في شمالي بلاد الشام، تطور الارتباط بالمنطقة الجغرافية خلال العصر الحجري الحديث، وهذا الارتباط بالمكان أدى وبشكل غير مسبوق إلى ظهور مفاهيم مستحدثة حول الملكية والهوية الجمعية، ولذلك أضحى دفن الموتى في البيوت تأكيداً على أهمية الارتباط بالمكان والتماسك الاجتماعي. إلا أن هذا الوضع تغير بنهاية العصر الحجري الحديث، مع تراجع تلك الطقوس على الرغم من تأكيدها على أهمية المكان عبر ظهور تجمعات للقبور أي مقابر والاعتماد على مظاهر جنائزية جمعية، فقد أصبح من الشائع الاستعانة بأماكن عامة مخصصة للدفن، أي المقابر، إلى جانب الاعتماد على حرق جثة المتوفى. فلقد أظهرت أحدث الدراسات الأثرية الحيوية على أن طقوس الدفن وتنظيم تلك العملية ضمن الحيز المكاني كانت تتم وفقاً لعناصر محددة مثل القرابة البيولوجية أو غير البيولوجية (كالانتماء إلى جماعة معينة تضطلع بمهمة معينة، أو الانتماء إلى فئة عمرية معينة)، أي أن هذا الأمر يختلف باختلاف الفئة العمرية والمكان والمنطقة، ما يعني بأن تحديد الانتماء لجماعة معينة كان يعتبر مسألة معقدة طوال حقبة العصر الحجري الحديث في جنوب غربي آسيا.
تعقب تحركات السكان من خلال الأسنان
في دراسة جديدة، حاول الباحثون فهم تطور تحركات السكان طوال فترة العصر الحجري عبر دراسة أسنان تعود لواحد وسبعين شخصاً عثر عليها في خمسة مواقع أثرية في الشمال السوري وهي تل الشيخ حسن، وتل المريبط، وتل جعدة المغارة، وتل حلولة القريب من نهر الفرات، وتل صبي أبيض القريب من نهر البليخ أحد روافد الفرات.
اعتماداً على دراسة نظائر السترونتيوم والأوكسجين المشعة في مينا تلك الأسنان، تمكن الباحثون من التمييز بين الأشخاص الذين عاشوا وماتوا في الأماكن التي ولدوا فيها، وبين من انتقلوا إلى منطقة أخرى، وذلك بحسب ما نشر في بيان صحفي حول هذه الدراسة التي أظهرت وجود مستويات وأنماط مختلفة للتنقل في شمالي بلاد الشام وذلك خلال الفترة الممتدة ما بين الحقبة ما قبل الفخارية وحتى العصر الحجري المتأخر، وجرت مقارنة النظائر المشعة للسترونتيوم والأوكسجين بأدلة أثرية أخذت من مناطق في جنوب غربي آسيا، فتبين وجود نزعة أكبر تجاه إقامة مبان متينة ودائمة خلال الحقبة ما قبل الفخارية في شمالي بلاد الشام، ما يشير إلى تراجع عملية التنقل خلال الفترة الممتدة ما بين الألفية 14 والألفية الثامنة قبل الميلاد. كما يشير وجود واردات إلى أن سكان شمالي بلاد الشام خلال تلك الحقبة كانوا يتواصلون مع مناطق أخرى في جنوب غربي آسيا إما بشكل مباشر أو عبر شبكات متخصصة بالتبادل التجاري.
يتميز تحليل النظائر المشعة لعنصري السترونتيوم والأوكسجين والمأخوذة من مينا الأسنان البشرية بأنه يقدم أدلة عن تنقل الأفراد خلال حياتهم، وذلك مقارنة بغيرهم من الناس أو الأشخاص الذين أخذت منه تلك العينات التي عثر عليها في المواقع الأثرية، وذلك لمعرفة طبيعة التحركات من حيث وضع الإقامة واللوجستيات التي تمت الاستعانة بها، بحيث تعبر نسبة تلك العناصر المشعة عن جوانب مختلفة للصبغة المحلية وللمكان الذي تشكل فيه نسيج السن. باختصار، نقول إن نسبة النظائر المشعة للسترونتيوم في الأنسجة البشرية للأسنان تسجل جيولوجيا المكان الذي عاش فيه الإنسان وتناول مواد غذائية كانت تزرع في مناطق معينة، في حين تعبر النظائر المشعة للأوكسجين عن نسبة المياه التي استهلكها الإنسان، ولهذا تتفاوت نسب نظائر السترونتيوم المشعة بين المناطق باختلاف العصر وتركيبة الصخور المحلية، وكذلك باختلاف عوامل الحت والتعرية، وباختلاف ما يرسبه الهواء والماء في المنطقة. في حين تؤثر العوامل البيئية على نسبة نظائر الأوكسجين المشعة في مياه المنطقة، وتشمل تلك العوامل درجة حرارة الهواء، والهطولات المطرية وموقع المنطقة على خطوط العرض، وارتفاعها، وغيرها من العوامل القارية، فضلاً عن حالة التبخر، وما يخالط المياه ويمتزج بها من مواد وسوائل أخرى.
وبناء على ذلك، يحدد مينا الأسنان نسبة النظائر المشعة للسترونتيوم والأوكسجين اللذين يتوقع وجودهما عند تشكل أنسجة أسنان الأشخاص الذين سكنوا منطقة معينة في مرحلة الطفولة، لذلك إن اختلفت نسب تلك النظائر المشعة لهذين العنصرين لدى الأفراد في مدافنهم عن النسب التي عثر عليها لدى غيرهم من الأفراد الموجودين في منطقة معينة، فهذا يعني بأنهم أمضوا طفولتهم في منطقة أخرى. إلا أن عوامل ثقافية أخرى، مثل السلق والتخمير والطهي على نار هادئة وتناول الحليب كلها تؤثر على نسب القيم المشعة للأوكسجين ضمن تلك الأنسجة.
كما توصل الباحثون إلى اكتشاف أنه في الوقت الذي بقي معظم هؤلاء الأشخاص في مناطقهم بقراهم خلال الحقبة ما قبل الفخارية من العصر الحجري الحديث، تنقل عدد أكبر من الأشخاص خلال الحقبة المتأخرة من العصر الحجري الحديث، إذ بعد قرون من حالة عزلة نسبية، زادت عمليات التنقل عندما أخذ الناس يسافرون وينتقلون إلى قرى مجاورة.
أما تنقل النساء فقد ظهر مع نهاية العصر الحجري الحديث بشكل خاص، حيث انتقلن لمجتمعات جديدة عبر الزواج، وفي معظم المواقع، ظهرت أدلة تثبت أنهن كن يعشن مع أهل الزوج.
احترام الغرباء في محياهم ومماتهم
خلال أوائل العصر الحجري الحديث، ارتبطت الممارسات الجنائزية بشعائر وطقوس تقام في الوطن، مما يعبر عن تعاظم ارتباط الأشخاص بأماكنهم الجغرافية، مع طرح فكرة الملكية والهوية الجمعية.
وهكذا، صار الأفراد يولون قيمة كبيرة لبيوتهم، فيزينوها بطرق عديدة ويعيدون بناءها على الدوام وعلى مر الأجيال اعتماداً على الأسس نفسها، وخير مثال على ذلك ما عثر عليه في موقع تشاتالهويوك الذي يعود للعصر الحجري الحديث والموجود في تركيا اليوم. إذ يعود تاريخ هذا الموقع إلى تسعمئة ألف عام، وفيه كان القرويون يزينون بيوتهم من الداخل برسومات وبعظام الحيوانات، ومن أهم الموضوعات الزخرفية في هذا السياق رؤوس الثيران، أو ما يعرف بالبوقرانية (bucrania).
كما كان القرويون يدفنون المتوفى في بيته، تحت منصة ترتفع عن الأرض حيث يثبتونه في وضعية الجلوس في ذلك المكان. وفي دراسة حديثة، أخرج باحثون رفات بشرية كانت قد دفنت تحت عدة طبقات في موقع تل حلولة الأثري بسوريا.
وعلى الرغم من قسوة الموت وهيبته بالنسبة للشعوب التي عاشت العصر الحجري الحديث، ما أثر على أسلوبهم في التعامل مع الميت، إلا أن الموت بحد ذاته أثبت مدى احترامهم للغرباء، فقد اكتشف الباحثون بأن الأفراد الذين دفنوا سوية في البيت نفسه بموقع تل حلولة كانوا من أهالي تلك المنطقة، وبعضهم لم يكن من أهلها، إلا أن مراسم الدفن شملت الجميع بالمعاملة نفسها، فقد دفن الموتى من كلا الصنفين بوضعية الجلوس نفسها، كما دفنت بجانب كل منهم الأشياء نفسها والتي تشمل حبات الخرز والأدوات الحجرية والأحزمة المطعمة بالأصداف البحرية.
كما أثبتت الدراسة بأن القرى التي أقيمت في العصر الحجري الحديث لم تكن معزولة، بل إنها استقبلت الغرباء بكل ترحاب، فأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعاتها.
المصدر: The Scientific Report , Discover