(هاي بنتي بدّياها).. حول هيثم المالح ورزان زيتونة والحشمة السورية

تاريخ النشر: 22.06.2021 | 06:26 دمشق

آخر تحديث: 22.06.2021 | 18:54 دمشق

تدرك هذه القراءة أنه سيتمّ تلقيها بالكثير من التنميط المسبق في لحظة الغضب السوري والشعور بالخيبة، وعدم الجدوى، وما أكثر هذه اللحظات! خاصة أن القراءة المتعجّلة أو الاتهامية أو المسبقة حاضرة بقوة في المشهد السوري عامة، بل إنها باتت إحدى سمات المجتمع، إذ تُرْتَكب في ضوئها الكثير من الجرائم الجنائية سنوياً، نتيجة الركون إلى اليقين المسبق، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة، أو النظر المتعجل إلى ظاهر الأحداث!

لكن لا بدّ لنا من أن نحاول إعادة قراءة الشأن السوري العام وقضاياه بشيء من الموضوعية، والتروي، والعقلنة، والهدوء، وأن نقبل بعضنا كسوريين مناصرين لقضية الحرية، وفي الوقت نفسه، مهزومين مرحلياً، نتيجة ظروف داخلية وخارجية، وإن لم نقبل بعضنا البعض! فكيف لنا أن نطلب من العالم أن يتفهم وجعنا، ويناصر قضيتنا، ونحن لا يتفهّم كلّ منا الآخر، واختلافاتنا ومرجعياتنا؟

كرّر هيثم المالح، مرات عدة، في حواره مع تلفزيون سوريا عبر برنامج الذاكرة السياسية، أنه طلب خلال لقاءاته السابقة بكل من زهران علوش وإسلام علوش والعميد زاهر الساكت الكشف عن مصير، بل إعادة رزان زيتونة من خلال قوله: (هاي بنتي بدّياها)!

لم تشفع له كل هذه النداءات الأبوية التي أطلقها من قبل، من خلال تلك الجملة واضحة الدلالة، التي تحمل على المستوى اللغوي إيحاءات إضافية سورية أبوية: (هاي بنتي بدّياها) وفيها من الأبوة والحرص والمشاعر السورية النبيلة ما فيها، ولم يؤخذ بعين النظر وصفه لها بأنها نشيطة ومتميزة، وذكية، بل تمت إعادة عقارب الساعة من قبل كثيرين (بينهم الموضوعي، والباحث عن الحقيقة، ومنهم كذلك المتصيد والكاره والإلغائي) إلى لحظة سردية انتقامية، أقدم من ذلك بعشرين عاماً لا تحمل تلك المشاعر أو اللغة!

فالقراءة الاتهامية الإيديولوجية المسبقة هي الأكثر حضوراً في الساحة السياسية السورية اليوم والمرحّبُ بها، وقد خطف تسيّدها الحوارَ المهم، المتضمَّن معلومات كثيرة عن الواقع السوري، نحو كلمات قالها ضمن سياقاتها وفقاً لما يلي كما ورد في الحوار الذي يمكن الاطلاع عليه مصوّراً على موقع تلفزيون سوريا:

 

- (نعم، رزان زيتونة، جاءني خالها من آل الحموي، وجاءني مروان الحصري محام معه، وترجّوني أقبلها مُدَرَّبة في مكتبي.

وكان عمرها نحو 22 سنة وكانت خالصة حقوق، صبية صغيرة يعني، طبعاً إجو هنّن، يتوسطوا باعتبار مظهرها هي شوي متحررة، أكثر مما ينبغي، مش مثل بيئتنا لأنه أنا بيئتي متدينة، فقبلتها وقلنالها: أهلاً وسهلاً)

أو إلى قوله في إطار التحليل والتوصيف:

 (رزان زيتونة هي إنسانة ذكية وبتفهم وتعرف تشتغل ولكن عندها ردود فعل غير محسوبة).

 

وفي إطار التعليق على انفجار شرارة الخلاف بينهما في الحادثة الشهيرة (سردياً) المتعلقة في حرصها على حضور محاكمة أكثم نعيسة كأولوية بما أنها عضو مجلس إدارة في جمعية حقوق الإنسان، وليس متابعة قضايا مكتب المحاماة الذي تعمل به كما يروي المالح نفسه.

لم ينفع "المالح" تسويغه أنه ليس لديه بديل في ذلك اليوم، ليتابع قضايا مكتبه في القصر العدلي، (بحسب علمي يمكن تأجيلها)، تم تغييب التداخل ها هنا بين عمل رزان زيتونة في المكتب كمحامية، والعمل كناشطة في جمعية حقوق الإنسان، حيث جرت الحادثة التي فجرت العلاقة، وكشفت عن أسباب الخلاف العميقة، في رؤيتين تشكلان جزءاً من أطياف المجتمع السوري، ونبهت إلى وجود تيارين ينشغلان بتمثيل لجنة حقوق الإنسان، والرغبة بالتمايز عن بعضهما في إطار الحراك السوري للمجتمع المدني المقموع.

 ها هنا يمكن الحديث عن آليتين في التفكير ومقاربة الحادثة:

  • آلية تعتقد أن التزامات العمل أولوية، وفقاً للمالح.
  • آلية تعتقد أن النشاط المدني ومتابعة حقوق الإنسان أولوية وفقاً لما روي عن رزان زيتونة.

 في مفهوم القراءة الأخلاقية ستنتصر قراءة رزان وآليتها، التي سيردّ عليها المالح بأنه هو الأولى أن يحضر، وبالتالي هو موكَّلٌ مع فريق آخر من المحامين، ويكفي ذلك، وليس من داع لحضور ناشطة تعمل في مكتبه.

وفي مفهوم قراءة سوق العمل وضرورة الالتزام بالواجبات الوظيفية وأولويتها سترجح كفة المالح، الذي يتمثل في هذا السياق بإطار المدير المالك.

بالتأكيد في سياق العمل عند محام يرأس لجنة حقوق الإنسان من المهم كذلك أن تنتصر القراءة الأخلاقية، خاصة أن خلف الأكمة ما خلفها بينهما في تلك الفترة، وفقاً لسرديات المتابعين والمطلعين على تفاصيل العلاقة المهنية والشخصية بينهما.

يتابع المالح في إجابته عن أسئلة الصحفي شعبان عبود عبر حوار الذاكرة السياسية في تلفزيون سوريا القول:

 

((من حيث المبدأ أخي الكريم رزان زيتونة متل ما قلت هي ذكية ونظيفة، ووطنياً نظيفة، لكن ردود فعلها غير محسوبة وتقوم بردود فعل، أحياناً تسيء)).

وفي إجابة عن سؤال أخر:

((شوف أخي الكريم هي موجودة في بيئة محافظة، وهي لا تهتم إنه المحافظين لازم نراعيهم، ونحنا عندنا مثل نحن العرب: إذا كنت في قوم فاحلب في إنائهم، هي في الحقيقة عندها شيء من التحدي للبيئة)).

 

وهل رزان زيتونة امرأة قارّة، مستسلمة، ساكنة، مهادنة؟ وهل هي كذلك منذ اللحظة الأولى لعملها في المكتب؟ كيف بقيت خمس سنوات تعمل في المكتب ولم يتمّ التنبّه لهذا الأمر؟

كل ثائر ومن يريد أن يقدم شيئاً مختلفاً سيحارب المجتمع ويتحداه، هذا شيء يحسب لها، وقد كان المالح موضوعياً في جوانب من التوصف من جهة فكرية.

لدينا كذلك في هذا السياق رؤيتان: رؤية ناعمة محافظة تجد في المسايرة طريقاً للتواصل مع المجتمع وإحداث أثر فيه. ووجهة نظر أخرى تأخذ من تحدّيه وتكسير بناه الجامدة الحل الأمثل، ليس الموضوع ها هنا حكم أخلاقي أو حكم قيمة، بل طريقة تفكير ومفاهيم وفلسفة حياة.

ثم يأخذ المذيع، في لحظة إغراء صحفية، ضيفه للحديث عن الاحتشام واللباس وهل هو السبب، أم أن السبب هو أنها تقدم معلومات هائلة إلى الخارج عما يحدث في سوريا عن الوضع، وهناك جهات متضررة، فيردّ المالح بالقول: (كل الاحتمالات مفتوحة! أنا لا أقول هذا فقط) وكي يسوغ رأيه وقناعاته يحاجج من خلال استعمال سردية من مشهد الخوف السوري، التي يلجأ إليه سوريون كثيرون

((لكن أقول: اليوم في بيسمّوهن بـ المتشددين أو الإرهابيين أو الذين يكفرون الناس إنْ كنت بيناتهن ضروري تقوللهن: إنكم زبالة، إن قلت لهم زبالة بيقتلوك!

في أُسس للعمل، يعني حتى وين ما كنت موجود، يعني ما بيصير المجتمع أنت تتحداه بالكامل، هذا أمر مُسَلَّم فيه يعني، وهذه عادات، مش موجودة ببلادنا بس، بل بالعالم، يعني أنا قد يكون، أنا لا أقول هذا، بس قد يكون، باعتبار الموضوع في دوما، لو كان الموضوع في مكان آخر!))

 

يتحدث المالح فيما ورد أعلاه عن منهجية بالتعامل، تفرضها الخبرة، أو التجربة، أو الطباع، أو التربية، أو مفاهيم الحياة، لا تلغي الرؤية الأخرى، رؤية التحدي والمواجهة.

لكنها تعتقد أن المسايرة إحدى طرائق العيش المشترك، مع المجتمعات المحافظة ويمكننا أن نتذكر في هذا في هذا السياق ملاحظاتنا نحن السوريين على محافظة معينة أو مدينة أو عائلة وإدخال مفاهيم الشجاعة والجبن وسوى ذلك، ولا أريد أن أذكر أمثلة لأن كل قارئ لديه ما يكفي من الأمثلة، حول تلك الفكرة من تجربته الحياتية.

القراءة الاتهامية عينٌ ورؤية شائعة لا يمكن التغاضي عنها في الساحة الاجتماعية السورية، بل هي محدِّدٌ من محدِّدات الشخصية السورية، وبدا توظيف التلقي لوصف المالح رزان زيتونة بأنها تتحدى المجتمع في عدد من خياراتها عاملاً سلبياً، تمّ خطف (السكبة من رأس الطنجرة)، دون الانتباه إلى أن المالح قرأ شخصيتها بطريقته، وهذا حقه في القراءة ما دمنا نختلف في المرجعية معه.

الكثير مما قاله المالح عنها، وما فعلته رزان ذاتها من طريقة في الحياة يقع في إطار الحق الشخصي والخيار الفكري في التوصيف، تبدأ المشكلة حين تحدث إساءة لفظية أو غبن أو ظلم، وهذا ما اختلف عليه المتابعون.

نعيب على المالح وننتقده ونلومه أشدّ الانتقاد في حال ظنّ أن قراءته هي الوحيدة الصحيحة، أو أننا يجب أن نرى من منظاره نفسه، أما في سياق التعدد، فتلك قراءة سورية من جملة قراءات، لها الحق في الوجود جميعها، ندحض المخطئ منها بالدليل والنقاش والحوار وليس التسفيه والتجييش والتنمر والإساءة.

لذلك نؤكد ثانية أن وصف المالح لـ زيتونة بتحدّي المجتمع توصيف دقيق وثوري وهو لها وليس عليها بقراءة أخرى، وهل من يمشي مع سياقات المجتمع سيثور ويقدم روحه للثورة؟ الثائرون وحاملو رايات التغيير في العالم غالباً يتحدون السياقات الاجتماعية، تلك ليست مثلبة لتنتشر محاولات التسويغ لمواقف رزان وأنها لا تتحدى المجتمع! وأمام هذا الاستعجال فقد تمّ جرّ الحوار مع الرجل واجتزائه نحو مظانّ لم يقلها، وتدخل في سياق الشائعات أو سواها، وبات كثيرون يتحدثون عن أسرار يعرفونها حول علاقة هيثم المالح برزان زيتونة لكنهم لم يفصحوا عنها من قبل!

الحِشمة السورية

كثيرون منّا يحملون في ذاكرتهم الكثير من الاختلاف حول المفاهيم والحشمة ونوع اللباس تبعاً للمرجعية التي تحدّد مسار حياتهم، وكلّ من دفع ثمناً ما، أو تعرض لنقد ما نتيجة اختلاف المفاهيم للباس أو سواه.

لماذا ننكر أحاديثنا السرية والنميميّة؟ وتقييماتنا لبعضنا كسوريين: هل نذكّر بعضنا بحالة الإنكار؟ هل نتذكر ما تقوله الكثير من المحجبات عمن تلبس النقاب؟ أو من لا تضع الحجاب عمن تضعه؟ أبناء المحافظات عن أبناء المحافظات الأخرى؟ أو أبناء حارات عن أبناء حارات أخرى؟ أو أبناء عوائل عن أبناء عوائل أخرى؟ أو أبناء طوائف عن أبناء طوائف أخرى؟

يقول صديق، زوجته تنتمي إلى طائفة سورية أخرى: إن مثقفين بارزين سألوه مرات عدة: هل صحيح أن طائفة زوجته لديهم يوم مفتوح للجنس السنوي؟ تطفأ فيه الأضواء؟ هل ردّ عليهم الصديق بالتخوين والقصف أم حاورهم بالمعرفة والمعلومة؟ هذا سوريّ يتحدث عن سوريين، ويقول صديق آخر إن سوريين آخرين يسألونه إن كان أهله يسكنون في الخيم؟

لنقولها بصراحة: نحن السوريين نجهل بعضنا، ونحمل الكثير من المعلومات المغلوطة عن بعضنا تقودنا عصبيات الانتماءات للجغرافية والعشيرة والطبقة والحي والطائفة والدين والمذهب.. لذلك تعجبنا التعميمات وتريحنا التصنيفات الجاهزة، وحدها الثورة الجميلة السورية هي التي عرفتنا إلى بعضنا البعض، وجعلتنا نكتشف الكثير عن عاداتنا وتقاليدنا وطباعنا وأخلاقنا ومشتركاتنا..

من نافل القول التأكيد على أن المثقف والحقوقي والثوري يجب أن يبحث أكثر وأكثر عن المشتركات، وعليه أن ينتبه إلى وقع كلماته ووزنها، وأن يكون معجمه واضحاً، وأن لا يتبنى مقولات من لا يعرفون أو غير المتعلمين، أو الراغبين بالتعمية، وأن يصحح الخطأ وأن يكشف للآخرين المشترك معهم، وأن لا يكون عامل هدم، صحيحٌ أن المالح كان حذراً إلى حدّ ما، وبدا أنه حريص على انتقاء كلماته بعناية، لكن خصوصية وضع رزان وتغييبها وعدم وجودها قد فتح الباب لتأويلات عدّة أخرى.

المشكلة ربما ليست ها هنا، المشكلة في جانب من جوانبها أننا نؤمن بالتطابق وامتلاك الحقيقة واليقين وأن الاخر يجب أن يشبهنا تماماً، وينظر إلى العالم بالعين ذاتها، وهذا فكرياً وواقعياً أقرب للمستحيل!

أُوْقِفَ فعلُ هيثم المالح، من قبل كثيرين، وتجربته الحياتية والحقوقية عند "طلبه الزواج من رزان زيتونة" وهي سردية تروى لم أجد لها توثيقاً، وأنه واعدها فيما لو وافقت على الزواج منه سيكتب لها نصف المكتب كما سيروي عديدون (أظن أن عدداً منهم لم يلتق بها) تلك سرديات سورية ترتقي إلى اليقين السوري!

ولو افترضنا صحة تلك السردية، فهي آلية اجتماعية سورية راسخة، وإحدى طرق الزواج، وتشكل إحدى السمات الاجتماعية السورية، أعني فارق العمر الكبير وكذلك زواج الفقيرة من الثري أو الطبيب من الممرضة أو الأستاذ الجامعي من طالبته، أو الوزير من مديرة مكتبه، أو عضو الائتلاف من زميلته، أو المتدربة من المحامي، أو تقديم المال الكبير كمهر تعويضي عن فارق العمر أو سواه، وكل منا لديه عشرات الأمثلة حولها، بل قد يكون عددٌ منا مارس التجربة!

ربما في حالة الطهرانية الثورية (نظرياً) نريد للمالح أن لا يقوم بهذا الفعل اللا ثوري، وأن نقفز نحن المنغمسين بالواقع إلى المجتمع المدني السوري المأمول، خمسين عاماً إلى الأمام، وأن نطلب من المالح أن يكون جزءاً منه في سردية مرّ عليها عشرون عاماً أو أكثر، بمعنى نطلب من شخصية تقليدية محافظة، قارّة أن تتجاوز شرطها الزماني والمرجعي والفكري لتلائم تصوراتنا!!!

أهلنا الكرد كذلك وجدوها فرصة لتصفية حسابات مع المالح، وهو قد قال من قبل إن الكرد السوريين عرب، ربما قصد بالمفهوم أثر الثقافة، أو كرد دمشق الذين غلبت عليهم ثقافة المدن القارة، وهكذا امتلأت المدونات الكردية السورية بالشتائم والتشكيك بدروره عام 2004 وأنه أخّر انتساب عدد من الحقوقيين السوريين الكرد للجمعية السورية لحقوق الإنسان، مع أن الوقائع التي يسردها كرد سوريون آخرون تقول إنه كان له دور إيجابي في إيقاف همجية النظام وحلوله الغبية آنئذ. لم يؤخذ بعين النظر مطالبته، فعله، أي شيء، لا بد من إعادته إلى الماضي والانشغال بالثأر السوري، هذه قراءة مريحة في الوضع السوري، قراءة ماضوية تنهل من انتقامات الماضي وأوجاعه وخلافاته، يبدو الكثير من اللحظات أنها الأقرب إلى نفوس السوريين.

ثقافة الوضوح أم الطمس؟

لنقل – دون نقاش- إن الرجل تنمّر على رزان زيتون المغيبة عبر عدد من المفردات، فهل الحلّ بكل هذا الكم من التنمر عليه، الذي وجدناه عبر السوشيال ميديا؟

إذ تضمنت حملة التنمر ضده كل أنواع الشتائم من المعجم السوري الحديث (وجهه وعمره ومهنته ومدينته وشريحته الاجتماعية وقناعاته الدينية)، بل وُجِّهتْ نداءات إلى مدير تلفزيون سوريا لسحب المقابلة، والتشكيك في البرنامج والتلفزيون كله بصفته جزءاً من مؤامرة! أما من حلول أخرى لتبادل المعلومة والوقائع، لا مكان للرأي الآخر عند كثير من السوريين في هذه اللحظة العصيبة من تاريخ بلدنا، هل علينا أن نتطابق في اللغة والرأي والرؤيا؟ ألا يوجد طرق أخرى للتواصل بين البشر والردّ؟ هاهنا نذكر بعض المنشورات الهادئة مثل منشور الناشط علي العبد الله، بغض النظر عن دقة ما رواه أم لا، تلك سرديات لها ما يدعمها وما يقف في وجهها.

لا مكان للمناقشة أو الحوار أو إبداء الرأي، ثقافة التغييب والطمس هي المسيطرة، ثقافة عدم الحوار هي الأفضل والحجج جاهزة: الظرف التاريخي والقدسية وكون الطرف الآخر ينتمي إلى ثقافة اجتماعية سورية أخرى، وسوى ذلك!

في "السياق السوري الغاضب" وليس في السياق الاجتماعي أو القراءاتي، لا بدّ من التأكيد على أنني لا أعرف الرجل شخصياً ولم ألتق به، ولا تربطني به أي صلة، وليس هدف هذه الكلمات الدفاع عن شخص، دافع عن مئات المعتقلين والمغيبين والمتهمين، بقدر تحليل الحالة، ووصف المآل الذي وصلنا إليه كسوريين في قراءة بعضنا.

بل إنني على المستوى الشخصي تمثلني تطلعات رزان وطريقة تفكيرها، ربما تمثل خياراتي أكثر من طريقته بكثير، وإن كان كل منا كأفراد سوريين نسيج تجربته ومعرفته وقناعاته، فقد أتقاطع معها أو معه في عدة قناعات، هذا ليس بمهم، المهم أن ندرك كسوريين أن لنا الحق في التعبير عن آرائنا وأفكارنا ومناقشة خيارات شركاء الوطن، وهو حق لنا في ظل مسعى لسوريا قادمة.

لن تمر فترة في ظل الهزيمة المرحلية التي تعيشها الشريحة السورية التي اختارت خيار الثورة، لسبب بسيط أنها ثارت لغير المآل الذي وصلت إليه هي، ووصلت سوريتها إليه، إضافة إلى انكفاء المجتمع الدولي والإقليمي وتدمير بلدنا وتقسيمه إلى كانتونات.

لا يفوتنا أن برنامج الذاكرة السياسية، في أحد أهدافه الرئيسية اللقاء مع شخصيات سورية (اجتماعية، سياسية، عسكرية، حزبية، ثقافية) تحاول نقل تفاصيل سورية، غير معروفة، وليكون جسراً بين الماضي والحاضر، وسياق البرنامج ونوع المعلومات الواردة فيه: هي معلومات تاريخية، ووجهات نظر من يتحاور معهم، إضافة إلى تجاربهم وتحليلاتهم.

كفة رزان وكفة المالح

أي قراءة تتوخى الحقيقة لا بد أن تأخذ بعين النظر السياق الذي تمر فيه لأن الظرف السوري يفرض خياراته علينا.

رزان زيتونة مغيّبة، والمالح حرّ، رزان صبية سورية متوثبة نحو الحرية، وهو رجل مسنّ كان يعدّ جسراً حوارياً مع النظام القديم، وعادة من يتقدم به العمر يميل للحلول التصالحية، رزان ناشطة ثائرة، وهو رجل مفاوضات، رزان تمثل التفكير المدني والعلماني، وهو يمثل التفكير المحافظ، رزان رمز ثوري سوري تمثل الشباب الثائر واليساريين والمدنيين السوريين، وهو يمثل شريحة من المتدينين أو المحافظين أو الثقافة الساكنة في المجتمع السوري، هل نتابع لنقول رزان ابنة التحولات والتفكير الحر، وهو ابن البنى التقليدية..!

بالتأكيد قضية رزان قضية سياسية ووطنية، وليست قضية شخصية فحسب، حتى على مستوى الفيسبوك والجيل الذي يمثله المالح أو الشريحة ليست ناشطة، مثل الفريق الذي يمثل رزان، ربما سيبرز رأي يقول في القضايا الأخلاقية والوطنية يجب تأجيل ساعة الاختلاف...

هل يجوز للمشتغلين والمشتغلات بالشأن السوري العام أن يحبوا زميلاتهم وزملاءهم؟

يمتلك المعارضون السوريون بالمفهوم الإنساني الحق في أن يكونوا بشراً طبيعيين، يحبون ويكرهون ويأكلون ويشربون، لا عاقل ينكر عليهم هذا الحق.

في الشرق عامة، ترتبط صورة المعارض والثوري بطهرانية وقداسة مردّها الرئيس أن من ثاروا عليه لديه كل أنواع الفساد، وحريٌّ بهم أن يأخذوا أقصى درجات الابتعاد عن سلوكه، هناك رغبة عارمة بالوصول نحو "الحدّ الأقصى"، الأعلى درجة، كرغبة بالتقديس، في مجتمع معياري: الأسود والأبيض أحد أبرز ملامحه، جنة ونار، حب وهجر، إلى درجة أننا من النادر أن نجد مُطَلَّقيْن سورييْن يحافظان على علاقة إنسانية في حدها الأدنى، بعد حدوث فعل الطلاق مثلاً، على الرغم من أن ذلك فيه مصلحة للأطفال!

تشير دراسة منشورة حول موضوع علاقات العمل والزواج إلى أن الوقت الطويل الذي يقضيه الزملاء في أماكن العمل يكاد يزيد على الوقت الذي يقضونه في منازلهم، وبالتالي تنشأ علاقات إنسانية ووجدانية بين زملاء العمل، وهذا لافت في الدراسات التي تتحدث عن خيارات الشباب أو سواهم باختيار شريكهم، تفيد دراسة شملت نحو 6 آلاف عامل في بريطانيا عام 2019، إلى أن أكثر من خُمس الأشخاص (22%) التقوا بشريك حياتهم من خلال العمل.

وقد فُصِلَ ستيف إيستربروك، من منصب الرئيس التنفيذي لشركة ماكدونالدز البريطانية بعدما انتهك سياسة الشركة بسبب إقامته علاقة عاطفية مع إحدى الموظفات. كل جهة لديها مدونة سلوك تحدد مسارات العاملين فيها.

المشكلة تبدأ حين يتم استغلال الموقع، القضية لتكييفه أو منحه الفرص من أجل الوصول إليه، أياً كان إطار العلاقة، التشاركية، وعدم استغلال موقع العمل، ولعلنا نذكر في هذا السياق كلينتون ومونيكا.

ثمة حدود أخلاقية يضعها كل شخص ومجتمع، في المجتمع الهولندي مثلاً جرى العرف أن يكون من تحبه بعمر يقارب عمرك تقريباً، ولكن ليس أزيد من سنتين أو ثلاث سنوات كي لا يدخل في الحالات غير المألوفة، لكن على موقع الخطبة والعلاقات "تِندر" الشهير تضع بروفايلك وما ترغب به ومواهبك إلى أن يتواصل معك صبية أو أنك تستعرض البروفايلات الموجودة لتتواصل مع من تريد، يجري محادثة، قد تتطور إلى فنجان قهوة وما بعد فنجان القهوة وقد تقف عند هذا الحد.

السلطة إحدى العوامل الكثيرة التي تجعل الفتيات يخترن هذا أو ذاك للزواج، السلطة قد تكون مالية أو عسكرية أو اجتماعية، في حالة المعارضة السورية ومؤسساتها ثمة الكثير من السرديات، كذلك الأمر في مؤسسات الإغاثة، بل إن توزيع المناصب والمهام والمساعدات أحياناً يحتمل الكثير، ولعل الكثير من الزيجات قد حدثت لتكون غطاء لعلاقات حب فيها من تبادل المصالح ما فيها.

في حالة السيد هيثم المالح والحديث السائد عن علاقة حب من طرف واحد كما يحب أن يسرد الساردون، التي سنصدقها ها هنا ونقول: رزان زيتونة مرجعيتها الفكرية مدنية، اختار قلبها من أحبته وأرادته وارتبطت معه، سواء أكان هذا الارتباط مدنياً أم سوى ذلك.

هيثم المالح مرجعيته دينية قانونية محافظة اجتماعية كما يبدو في طلبه وعرضه، فهو لم يدعوها إلى علاقة، بل إلى حالة زواج شكلياً تلتزم بالقانون والمرجعية التي يؤمن بها.

من حيث المفهوم الإنساني مارس الرجل حقاً طبيعياً من حقوقه، بأن أعجب بصبية سورية وطلب منها الزواج ورفضت، إلى هذه الخطوة لا يبدو أنه ارتكب خطأ بالمفهوم القانوني أو الاجتماعي، ربما بالمفهوم الأخلاقي أخطأ إن عرف أن لديها علاقة بزوجها المغيّب معها!

بالمفهوم السوري وبعيداً عن طهرانية منتقديه: آخر ما كان يفكر فيه الكثير منهم رجالاً ونساءً الفارق العمري، أو سوى ذلك، والشواهد تملأ تجاربنا ورؤوسنا.

الإشكال الرئيس في الحديث عن قضية رزان زيتونة أنه يتناول مغيَّبة سورية فقدت في مناطق المعارضة ضد الأسد، ناشطة مدنية، فهي لم تغيب عند داعش كما حصل مع الأب باولو أو سواه. لذلك هي مشروع شهيدة، رمز من رموز الثورة السورية، فلم يعرف الرجل أنه حتى محاولة التوصيف يمس مقدساً سورياً. من حق المذيع والمعدين وأي برنامج حواري أن يحاولوا أن يأخذوا أعلى ما عند الضيف من تفاصيل وأهمها، لكن كان من حقه أن يرفض أو يتجنب الخوض في الموضوع.

المتابع للتجاذبات عبر السوشيال ميديا (الوطن السوري الجديد) بعد الحوار يجد أننا أمام فريقين اجتماعيين سوريين رئيسيين:

- فريق وجد فيما قيل في الحوار فرصة للهجوم على الرجل وإعدامه، حتى بدا أنه سبب خراب البصرة وعدم نجاح الثورة السورية في تحقيق أهدافها المباشرة والخراب الأخلاق والقيمي.

- فريق لديه رغبة بتشويه كل معارض، أو صاحب رأي، وقد وجدها فرصة لتصفية حسابات بين عدة أطراف تحاول سحب البساط السوري إليها، وتكريس سرديتها وخنق السرديات الأخرى.

إنها الثورة السورية الكاشفة ولا نزال نحبو في خطواتها الأولى!

اتفاق تهدئة جديد في درعا البلد بضمانة روسية
نقص بالأدوية والمواد الغذائية في درعا.. 11 ألف عائلة تعاني من حصار النظام
تجدد القصف على درعا البلد وضابط روسي يدعو "اللجنة المركزية" لاجتماع عاجل
عشرات الآلاف يحتجون على توسيع شهادة كورونا الصحية في فرنسا
منظمة الصحة: موجة رابعة من كورونا تضرب 15 دولة
جو بايدن يقترح منح 100 دولار لكل شخص يتلقى اللقاح المضاد لكورونا