تناولت مقالة نشرتها صحيفة هاآرتس الإسرائيلية ظاهرة تسليح الميليشيات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فربطت ذلك بنقاشات أوسع حول نزع سلاح الجماعات المسلحة في دول مثل لبنان والعراق وسوريا بحجة حماية سيادة الدولة. وتشير المقالة إلى أن إسرائيل، بخلاف هذه الدول، لا تنزع سلاح المجموعات العنيفة من المستوطنين، بل تدعمها وتزوّد أفرادها بالسلاح والتغطية السياسية والأمنية، ما يمنحها دور “ذراعٍ تنفيذية” تمارس العنف ضد الفلسطينيين بهدف فرض وقائع تهجير وتغيير ديموغرافي.
وترى المقالة أن هذا المسار يهدد سيادة الدولة نفسها عندما تتنازل طوعاً عن احتكار العنف لصالح جماعات مسلحة خارجة عن الرقابة، داعيةً إلى نزع سلاح الميليشيات اليهودية قبل الوصول إلى مرحلة تصعيد أخطر.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة في إطار رصد توجهات الإعلام الإسرائيلي تجاه الملفات السورية والفلسطينية واللبنانية، ولذلك فإن ترجمتنا لها لا تعد تبنياً لرأي كاتب المقالة أو تماهياً مع توجهات الصحيفة التي نشرتها.
وفيما يأتي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
أضحى تسليم سلاح الجماعات الإرهابية شرطاً أساسياً لأي اتفاق، ففي لبنان، اشترطت إسرائيل حتى تلتزم بوقف إطلاق النار بنزع سلاح حزب الله، وفي غزة، كان تسليم حماس لسلاحها شرطاً لتحقيق تقدم باتجاه المرحلة الثانية التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطته، أما في سوريا، فكان أحد شروط ترامب لدعم أحمد الشرع هو القضاء على الميليشيات المسلحة.
في لبنان وسوريا والعراق، لا تعتبر حكومات تلك الدول نزع سلاح الميليشيات والجماعات الإرهابية مجرد التزام بما يطلبه الخارج أو تحييداً للغم يعيقها عن تنفيذ اتفاقياتها، إذ بالنسبة لتلك الحكومات يعتبر وجود تلك الميليشيات المسلحة مخالفاً لرغبتها بالتمتع بسيادة كاملة.
ومما يوجه تلك الحكومات في ذلك المضمار المبدأ الذي حدده عالم الاجتماع ماكس فايبر والذي يحق للدولة بموجبه أن تحتكر استعمال العنف بصورة شرعية، والذي من خلاله يسمح للمواطنين بحمل السلاح بكل تأكيد، ولكن بإذن من سلطات الدولة.
ولكن ما الذي سيحدث في حال قررت الدولة التنازل عن سيادتها في هذا المجال؟ خاصة إن كانت الحكومة نفسها تمد المواطنين بالسلاح ليحملوه ضدها، وضد جيشها وضد مواطنيها الذين تعتبر مسؤولة عنهم؟ كيف يمكن للمرء عندئذ أن يعرف الدولة التي تشجع الميليشيات المسلحة على اللجوء إلى الإرهاب؟
إرهاب وتطهير ديموغرافي
نلمح حالة الشذوذ هذه في الأراضي المحتلة، حيث تمتلك عصابات من المستوطنين المشاغبين أسلحة مرخصة، حتى تمارس إرهابها على السكان الفلسطينيين. إذ يستعين هؤلاء المستوطنين وبصورة ممنهجة ومقصودة بتلك الأسلحة لا ليدافعوا عن أنفسهم، بل ليطردوا السكان من بيوتهم، وليهددوا البشر والحيوانات وليقتلوهم، وليقتلعوا الأشجار المثمرة من جذورها، وليشعلوا الحرائق في البيوت والمساكن، ولينهبوا الممتلكات. وكل ذلك يتم في سياق حالة هياج جامح هدفها تحقيق حالة تطهير ديموغرافي.
توصف تلك الميليشيات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا بالتنظيمات الإرهابية، ولهذا بقيت الدول التي تنشط فيها تلك التنظيمات توصم بأنها دول داعمة للإرهاب حتى فترة قريبة.
غير أن هذه الميليشيات لا تستفيد من رعاية الحكومة وتشجيع الوزراء وأعضاء الكينيست لها فحسب، بل تتمتع أيضاً بتعاون كامل من الجيش والشرطة. ففي كثير من الحالات، اكتشفنا بأن عناصر من هذه العصابات يخدمون ضمن هذين الجهازين العسكريين، بما يساعدهم على تأمين غطاء يخفون وراءه تنظيماً يحظى بالشرعية.
وفي حالات أخرى، أضحى جنود مؤيدين وبشكل كامل لتلك الجرائم المروعة، وذلك عندما غض رجال شرطة الطرف عنها في أحسن الأحوال، فامتنعوا عن تطبيق القانون، وذلك لأنه حتى قانون الأرض لا يعتبر هؤلاء المستوطنين إرهابيين.
ضرورة نزع سلاح الميليشيات اليهودية
ولو كانت حركة الاستيطان منذ بداياتها قد قدمت نفسها كتنظيم أو جماعة تعمل على استعادة الأرض من خلال الاستيطان وإقامة "شريط أمني" يحمي سكان إسرائيل، فإنها لن تصبح بحاجة اليوم إلى أي غطاء، أو إلى الآلاف من المستوطنين الجدد، لأن الهدف من إقامة مزارع بشكل مخالف للقانون ونقاط عسكرية وهمية داخل مناطق الاستيطان، والتي يقوم فيها عدد يقل عن ستة أشخاص بسرقة آلاف الدونمات، هو سرقة العقارات الفلسطينية وطرد السكان وذلك عبر الاستعانة بالترهيب.
غير أن هذه المرحلة ما تزال "ناعمة" وغير فعالة بما فيه الكفاية، إذ خلال المرحلة التالية ستصل الجرافات التي دمرت غزة لتبدأ بتسوية مناطق الضفة الغربية بالأرض.
ولهذا يجب أن تتنبه الحكومة إلى أنها يمكن أن تفقد سيادتها لصالح الميليشيات الإرهابية، كما يجب علينا أن نستعرض النماذج التي دمرت لبنان والعراق، لنطالب بنزع سلاح الميليشيات اليهودية.
ولكننا لا بد أن نتذكر عندئذ بأن إسرائيل لم تخسر سيادتها في قطاع غزة كما فعلت في لبنان، بل إنها كانت على استعداد لتسليمها طواعية لما يعرف بمجموعة "شبيبة التلال"، ذلك التوصيف الرومانسي لعصابات تمارس العنف ويمدها دافع الضرائب الإسرائيلي بالمال، بعد أن زودها بأسلحة نارية وحولها إلى ذراع تنفيذية لديه.
لذا، إنه لخطأ قاتل التمييز بين شبيبة التلال وكامل الحركة الاستيطانية، لأنه منذ اللحظة التي قررت فيها الدولة تحويلهم إلى دولة في مكان لا توجد فيه الدولة، وتسليمهم سلطات الجيش والشرطة في مكان لا توجد فيه شرطة ولا جيش، أوجدت علاقة التكافل بين تلك العصابات الإرهابية وذراعها السياسية.
المصدر: Haaretz