نيويوركر: بنك البذور السوري يستميت من أجل البقاء

تاريخ النشر: 21.10.2021 | 07:50 دمشق

نيويوركر- ترجمة: ربى خدام الجامع

يقع المركز الدولي للأبحاث الزراعية في المناطق القاحلة والذي يعرف باسم إيكاردا ضمن مجموعة من الأبنية الصغيرة المقامة داخل مجمع يعلوه الغبار بوادي البقاع اللبناني، أي في منتصف الطريق الواصل بين لبنان ودمشق. أما مرافق هذا المركز فمحاطة بحقول لحبوب وبذار تجري عليها اختبارات، وتشمل تلك المرافق المختبر، والمشاتل، وبنك الجينات (المورثات)، وهذا البنك هو عبارة عن بناء متين يحوي آلاف البذور التي تم حفظها وتصنيفها بعناية بالغة.

عندما زرنا ذلك البنك للمرة الأولى عصر يوم خريفي في عام 2019، كان الكادر العامل في المبنى الرئيسي يقوم بعد البذور ووزنها ثم دفعها لتنزلق في عبوات صغيرة، كان الصوت يومئذ أشبه بصوت انحسار الأمواج عن شاطئ صخري. كان علي شحادة، وهو ناشط بيئي سوري مهتم بالنبات عمره 66 عاماً، يجلس في مكتب قريب، ويقوم بإدخال البيانات حول الموطن الأصلي للبذور إلى حاسوبه، همس يومئذ وهو يحدق بشاشته وقال: "ثمة مشكلة في اختصار كلمة كوسوفو، إذ لم يتعرف النظام إلى الاختصار". وفي نهاية الأمر اكتشف الرمز الصحيح، وذلك لأن المنظمة الدولية للمعايير تستخدم اختصار (XK) لأن كوسوفو دولة لم يتم الاعتراف بها إلا بصورة جزئية.

تحوي إيكاردا أكثر من 140 ألف عينة من البذور وغيرها من المواد النباتية المهمة من الناحية الوراثية. إذ على مدار عقود ثلاثة، قام شحادة بجمع معظم البذور الأصلية بنفسه، وذلك خلال جولاته التي كان يقوم بها سيراً على الأقدام في المراعي والغابات، فهو خبير بالحبوب، تلك السلالة التي تشتمل على الحمّص والعدس، وكذلك زملاؤه الذين يركزون على البقوليات والحبوب والفيروسات والآفات. ولقد استخدم هذا الرجل أنواعاً غير مدجنة من المحاصيل الداجنة ليستنبت أصنافاً قادرة على تحمل الظروف القاسية والمتغيرة. كان الهدف من ذلك العمل هو مساعدة الفلاحين الفقراء في مختلف أرجاء العالم، ولكن مع تسارع وتيرة التغير المناخي، أثبتت بذور إيكاردا بأنها مفيدة لمربي النباتات الذي يعملون في حقول كبيرة في الدول الغنية.

اقرأ أيضاً: بسبب الاحتباس الحراري.. العالم مقبل على عواصف وفيضانات شديدة

ففي مقالتها الأخيرة التي نشرت في مجلة Nature، أشار علماء إيكاردا بشكل مقتضب إلى بنوك المورثات التي أصبحت "عرضة هي أيضاً للكوارث الطبيعية والبشرية". فقد أقيمت تلك المنظمة بالأصل في مدينة حلب، وفي عام 2012، مع اندلاع الحرب في سوريا، وامتداد الجفاف الذي فاقم الوضع سوءاً، اضطرت إيكاردا إلى الانتقال بشكل فوضوي ويائس إلى لبنان، فقد تداعى الباحثون في تلك المنظمة لحماية أنفسهم وأرواحهم وللحفاظ على عملهم الذي امتد لعقود.

فلقد احتفظت إيكاردا بنسخ احتياطية للبذور التي لديها في قبو يوم القيامة المخصص لمختلف أنواع البذور في العالم، وهو موجود في سفالبارد بالنرويج منذ عام 2008. وهذا القبو المشهور بتصميمه الحديث المنيع، يشبه سفينة نوح مخصصة للبذور، والتي خصصت لحماية التنوع الحيوي على كوكب الأرض في حال قيام الحرب الأخيرة بين الخير والشر في هذا العالم. لذا لن تبارح تلك البذور هذا المكان إلا إن حدث خلل كبير جداً. ولقد كانت إيكاردا حتى الآن المؤسسة الوحيدة التي انتقلت من سفالبارد، وبعد الانتقال، بات على المنظمة أن تطالب بالنسخ الاحتياطية الخاصة بها حتى تقوم باستنبات بذور جديدة لتعوض ما خسرته.

اقرأ أيضاً: الفاو: إنتاج سوريا من القمح هذا العام مليون طن فقط

تكدست أكوام من صناديق الذرة الزرقاء خارج مكتب شحادة، بانتظار أن تشحن إلى سالفارد، إذ من المتوقع أن تستمر عملية إعادة بناء بنك المورثات في لبنان والنسخة الاحتياطية منه في النرويج حتى عام 2030 على أقل تقدير. وفي هذه الأثناء ستصبح مهمة إيكاردا عاجلة بصورة أكبر. إذ دفعت التحولات المناخية في كل من الولايات المتحدة وغيرها من الدول الفلاحين إلى التكيّف مع ظروف الطقس غير المتوقعة ومع درجات الحرارة الشديدة، ومع آفات وأمراض جديدة. بيد أن العمل على رعاية وتربية النباتات قديم قدم الزراعة ذاتها، ولكن يجب على شحادة وزملائه أن يحلوا مشكلة معاصرة، تتمثل بإيجاد الجينات التي يمكن أن تساعدنا على التغذية في عالم ترتفع فيه درجات الحرارة عما كانت عليه في السابق.

يعمل لدى إيكاردا 45 عالماً من دول حارة وجافة وعرضة للجفاف، بينها لبنان وأثيوبيا والمغرب وتركيا ومصر والسنغال، ويقوم هؤلاء العلماء معاً بجمع وتصنيف أكبر مجموعة من الحبوب القادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العالم فضلاً عن إجراء تجارب عليها.

وقد تضاعفت تلك الحبوب بفضل التلقيح اليدوي في معظم الأحيان، ومن ثم تم إرسالها بالمجان إلى مربي النباتات والباحثين الموزعين في مختلف بقاع العالم. كما تمت رعاية وتربية تلك البذور وخلطها مع بعضها لتنتج بذوراً جديدة للمحاصيل التي تقاوم الجفاف وأنواعاً معينة من الآفات. ولهذا تعتبر إيكاردا جزءاً من شبكة مراكز الأبحاث التي تعرف باسم المجموعة الاستشارية لأبحاث الزراعة الدولية (C.G.I.A.R.) التي تأسست على يد عدد من الحكومات والمنظمات والمؤسسات الدولية. فقد كتب بيل غيتس عنها في مطلع هذا العام: "لم تسبق أي منظمة أخرى ما قدمته منظمة CGIAR لتأمين طعام مغذ صالح للأكل للعائلات، خاصة الفقيرة منها".

اقرأ أيضاً: حكومة النظام السوري ترفع سعر شراء القمح من الفلاحين للموسم المقبل

وفي عام 2020، قام فلاحون من 43 دولة بزراعة محاصيل جديدة طورها مربون لدى إيكاردا، بما أن هذه المنظمة تمثل واسطة عقد الشبكة الزراعية الواسعة. ولهذا قبل إرسال البذور، لا بد من فحصها والتأكد من خلوها من الأمراض والآفات المعدية. حيث تعمل صفاء كوماري، وهي عالمة مختصة بعلم فيروسات النباتات، كأمن المطار لدى هذه المنظمة، كونها تفتش عن المسافرين غير المرحب بهم، كما تشخص أمراض المحاصيل التي يواجهها الفلاحون في الأراضي الجافة التي تهتم بها إيكاردا. وذلك لأن كثيراً من الفيروسات التي تضر بالبذور التي تعمل إيكاردا عليها تختص بمناطق جغرافية معينة ولذلك فإن فحوص المستضدات ذات الصلة لن تتوافر بشكل تجاري في كل مكان، ولهذا قامت كوماري بصناعة أمصال الاختبارات في مقر عملها، وذلك عبر حقن أرانب بيضاء بالفيروسات ثم جمع المستضدات التي تفرزها أجهزتها المناعية، إلا أن صناعة قارورة صغيرة واحدة من المصل تستغرق عاماً كاملاً.

بدأ شحادة بعمله لدى إيكاردا في عام 1985، ثم أصبح مديراً لبنك المورثات بعد اندلاع الحرب في بلده، وفي تلك الفترة قامت مجموعات مسلحة بسرقة سيارات عدة عاملين لدى إيكاردا، وأصابت بنيرانها أحدهم في صدره (لكنه نجا من الموت)، كما اختطفت أحد حراس المنظمة (لكن تم إطلاق سراحه في مكان بعيد عن مقر عمله)، وسرقوا مركبات تابعة للمنظمة عبر غزوات مروعة قاموا بها عدة مرات. وفي صباح يوم 4 تموز، وصل العاملون إلى مبنى إيكاردا ليجدوا عبارة تحذيرية كتبت بالطلاء على البناء وهي: "ارحلوا!" فحزموا ما استطاعوا من أمتعة وغادروا، إذ اعتقدوا يومئذ أن عملية الانتقال ستكون مؤقتة، إلا أنه لم يعد أمام شحادة أي خيار سوى أن يترك خلفه مستنبت العشب المبرد، بكل ما فيه من مجلدات لعينات نباتات مضغوطة ومصنفة، ويرحل.

وهكذا انتقل العلماء إلى المكاتب الإدارية المخصصة لإيكاردا في مدينة حلب. وبعد أسبوعين على ذلك، سيطر الثوار على الجزء الشرقي من محافظة حلب، ثم غادر معظم العاملين الأجانب مع أسرهم البلاد، حيث توجه بعضهم إلى المغرب، وآخرون إلى تونس، والبقية إلى لبنان. وبالنسبة للكوادر المحلية، غدا الأمر أكثر تعقيداً، ففي شهر تشرين الأول، عندما كانت كوماري تحضر مؤتمراً في أديس أبابا، وصلتها مكالمة هاتفية من أمها أخبرتها فيها أن الثوار طلبوا من أسرة كوماري أن تترك البيت، ولهذا هربت العائلة من البيت خلال عشر دقائق، من دون أن تأخذ سوى القليل معها (وبعد ذلك هربوا إلى تركيا). فعادت كوماري لفترة قصيرة إلى مدينة حلب، حيث أمضت ليلتين برفقة والدها في قبو مصنع للطلاء تملكه عائلتها. كما جمعت النسخ الاحتياطية من أمصال المستضدات، وبدأت بتوزيعها على مجمدات في بيوت الأصدقاء مع ازدياد وضع الحرب سوءاً.

اقرأ أيضاً: نظام الأسد: في "عام القمح" خسرنا القمح والشعير معاً

كان شحادة من بين المجموعة التي بقيت في مدينة حلب، فأخذ على مدار الشهور القليلة التي أعقبت ذلك يتنقل بسيارته بين حلب والمكتب الميداني كلما وجد الطريق آمناً للقيام بذلك. وهكذا ملأ جهاز توليد الكهرباء في مبنى إيكاردا بالوقود وجمع عينات البذور التي لا بد من إرسالها إلى مربي النباتات الذين لا يمكنهم أن يتحملوا عواقب أي تأخير في دورة تربية المحاصيل التي يهتمون بها. أصبحت الرحلة التي كانت تستغرق عشرين دقيقة تحتاج إلى يومين، فطلب شحادة من الفنادق المحلية استخدام براداتها لحفظ وتخزين البذور، إلا أن أياً من تلك البرادات لم يكن كبيراً أو فارغاً بما يكفي لحفظ البذور، ثم وجد مكاناً لمستنبت الأعشاب في شقة مهجورة فيها مولد كهرباء حافظ على إبقاء جهاز تبريد الهواء يعمل طوال أربع وعشرين ساعة في اليوم.

اقرأ أيضاً: محاصيل متضررة وأخرى مهددة بسبب شح الأمطار في ريف حلب الشمالي

خلال تلك الفترة، تعرض عمرو، الابن الأصغر لشحادة، الذي كان يعمل لدى الهلال الأحمر العربي السوري، للاختطاف على يد مقاتلي داعش، حيث أبقوه معصوب العينين في مدخل مشفى الأطفال طوال 41 يوماً قبل أن يدعوه وشأنه. وفي عام 2014، تعرض الطبيب البيطري الذي يعمل لدى إيكاردا للاختطاف، ولا يزال مفقوداً حتى اليوم. وأخيراً، في عام 2015، فقدت إيكاردا السيطرة على مكتبها الميداني بشكل كامل، ولكن وقتها تم حفظ نسخ احتياطية لـ 80% مما جمعته ونقلها بصورة آمنة إلى سفالبارد. انتقل شحادة بعد ذلك إلى لبنان، ثم لحقت به زوجته وابنته. وأصبح كل ما يعرفه هو وزملاؤه عن بنك الجينات القديم يصله عبر الفلاحين المحليين عندما تتوافر الكهرباء في بعض الأحيان.

وبينما كان شحادة يهم بمغادرة سوريا، كان مايك بامفري وهو مربي قمح وعالم مختص بعلم الوراثة -أجرى وقتئذ بحثاً لصالح جامعة ولاية كنساس- يتلقى مكالمات عاجلة من الفلاحين الذين يزرعون القمح. إذ عادت آفة تعرف باسم ذبابة حسين للظهور شرقي ولاية واشنطن، وازدادت حدة تفشيها وسرعتها بشكل كبير. ففي الماضي كان القمح ينمو ويكبر في ولاية واشنطن بحلول الوقت الذي يصبح فيه الذباب مستعداً للهجوم، ولكن الآن، سمحت أجواء الربيع التي أصبحت أكثر دفئاً للذباب ببدء فترة التكاثر في مرحلة أبكر من السنة.

   وفي عام 2015، خسر روجر كولر وهو فلاح من الجيل الثالث ثلث محصول القمح الربيعي بسبب ذبابة حسين، ويتحدث عن ذلك فيقول: "كان ذلك مدمراً على المستوى الاقتصادي، إذ عندما تسير في حقلك وتكتشف الدمار تحس بأن الوضع ميؤوس منه". وفي عام 2017، خسر جاسون سكربس وهو فلاح متخصص بزراعة القمح من الجيل الرابع 90% من محصول القمح الربيعي لديه. وفي العام الذي تلاه، تعرض بروس بيتي وهو فلاح من الجيل الخامس للخسارة ذاتها. إذ في البداية يبدو القمح صحيحاً ومعافى، ولكن بعد مرور بضعة أسابيع "يصبح هشاً" بحسب ما ذكر بيتي الذي يتابع بالقول: "يبدو وكأنه يصل إلى مرحلة نمو معينة ثم يتوقف، وإذا حفرت حول السنبلة ستكتشف بأن الجذور لم تكن بخير، وذلك لأنها كانت تحاول أن تتفرع" ويربط بيتي ذلك بذبابة حسين فيقول: "إنها تشبه قصص الأشباح المخيفة التي يرويها لك أحدهم حول نار المخيم، أي أنها شبيهة بشيء كنت تسمع عنه دوماً، لكنك خلت أنه لن يحدث أبداً، إذ تقنع نفسك بأن ذلك لم يعد له وجود".

أما بامفري فيعلق على ذلك بقوله: "إن مجمع الأبحاث المتخصصة بذبابة حسين صغير جداً، وفي ذلك ضرب من الجنون، بالنظر إلى أهمية ذلك في مناطق مختلفة من العالم، لذا أود أن أقول إن هنالك كثيراً من الأبحاث على مستوى العالم، ولكن في الحقيقة لم تكن هنالك إلا إيكاردا". إذ عندما كان بامفري يروي لنا ما جرى، لم يكن هنالك سوى خمسة أشخاص في الولايات المتحدة قد ركزوا على إدارة حالات تفشي الآفات التي تسببها ذبابة حسين، والتي يمكن أن تكلف مليارات الدولارات بسبب الخسائر التي تتسبب بها في مختلف بقاع العالم كل سنة.

هذا وتتوقف مقاربة إيكاردا لمشكلات مثل مشكلة تفشي آفات معينة بسبب ذبابة حسين على ما يعرف باسم الأقارب البريين، أي فصائل نباتية تشبه إلى حد كبير المحاصيل المدجنة، لكن حوافها تكون أقسى، كما أنها خالية من الطعم، وتبدو عليها الصحة والجودة والتناسق. وتظهر هذه السلالات غير المدجنة في موسم الحصاد، عندما يختار الفلاحون البديل الأقرب الأكثر تهذيباً وتدليلاً لإعادة زراعتها. ولكن بما أن الأقارب البريين قد عاشوا بلا مساعدة من البشر، أو بمساعدة ضئيلة من قبلهم، لذا أصبحت تلك الأنواع صلبة وعنيدة ويمكن أن تتحول إلى شريان حياة عندما تبدأ المحاصيل الأخرى بالانهيار.

في عام 2016، سمع بامفري من خلال أحد زملائه، واسمه مينغ شون تشين، وهو عالم حشرات لدى مركز أبحاث الزراعة الحكومي في الولايات المتحدة، بنوع جديد من القمح، إذ صادف أن حصل تشين على قدر قليل من بذور إيكاردا تحمل القريب البري للقمح الذي يعرف باسم Aegilops tauschii، فأجرى عليها تجربة، وذلك عندما أرسل عالم الحشرات الذي يعمل لدى إيكاردا، واسمه مصطفى البوحسيني تلك البذور لتشين من سوريا، قبل أن يفقدوا البناء الموجود في ريف حلب، فسافرت تلك البذور في صندوق من الورق المقوى لمدة تجاوزت ثلاثة أشهر قبل أن تصل حاملة معها ما أسماه بامفري بمعلومات جواز السفر، فقد تبين أنها جُمعت من محافظة جيلان في شمالي إيران، قبل أن تجبر العقوبات الأميركية إيكاردا على تعليق نشاطها هناك.

اقرأ أيضاً: ما أسباب زراعة الحبوب العطرية على حساب القمح شمالي سوريا؟

قام بامفري وتشين بزراعة البذور وانتظروها حتى تكبر، إلى جانب زراعتهم لأنواع عديدة من القمح التجاري. وفي الوقت المناسب أطلق تشين بعضاً من ذباب حسين، فلم يبق من الأنواع التي تمت زراعتها سوى A. tauschii، ويشرح بامفري السبب في ذلك بقوله إنها تستجيب لهجمات الذباب بما يعرف باسم: "موت الخلية المبرمج" وهو جهاز استقبال يتعرف إلى الهجوم ويقوم بإغلاق الخلايا المستهدفة.

أما الخطوة الثانية فتمثلت بتهجين A. tauschii مع أنواع القمح التجارية، عبر طريقة يدوية معقدة. يميل القمح إلى التخصيب الذاتي، ولهذا لا بد من زراعة ساق القمح التجاري إلى أن تنمو أزهارها بشكل كامل، ليأتي بعد ذلك مربي النباتات وهو يحمل عدسة وملقطاً ليزيل عنها عشرات الأجزاء الذكرية الصغيرة قبل أن تصل النبتة إلى مرحلة الإلقاح. ثم توضع الساق التي أصبحت أنثوية بالكامل داخل كيس يبعدها عما يحيط بها، بحيث يبقي جميع حبوب الإلقاح في الخارج، كما يترك نبتة ذكرية تعتبر الأب في هذه العملية، وهي A. tauschii. في هذه الحالة. بعد ذلك ينفض المربي برفق غبار الطلع عن النبتة الأب، بحيث تتساقط حبوب الطلع الموجودة فيها على الساق الأم.

شاهد أيضاً: القمح السوري في عام 2021 يواجه مصيرا مجهولا

بيد أن النباتات التي ستنتج عن عملية التزاوج تلك تكون عقيمة، ولهذا تجب إزالة أجنتها ووضعها في بيئة تضم أنسجة رقيقة، أي طبق بتري يحتوي على أملاح وسكريات وهرمونات، حيث يقوم هذا النسيج بالالتفاف حول 5% من الأجنة ودفعها للنمو. وهذه ستكون عقيمة أيضاً، كونها تفتقر إلى أزواج مستقرة للصبغيات، ولهذا لا تستطيع أن تلقح نفسها، فيعرضها العلماء لمادة كيميائية تعرف باسم الكولشيسين المستخلصة من زهرة الزعفران، وهذه المادة تتسبب بمضاعفة صبغيات الأجنة بدلاً من انقسامها بشكل عادي. وبذلك يصبح ثلث النباتات التي تنمو بهذه الطريقة عبارة عن نباتات هجينة خصبة.

اقرأ أيضاً: فلاحو الرقة يتوقعون تدهور زراعة المحاصيل الاستراتيجية

أي أن عملية التهجين عبر القريب البري تعتبر مهمة لاستمرار نجاح الزراعة على المدى البعيد، إذ أخبرني هامفري بأن كثيراً من المحاصيل التي تزرع في مختلف بقاع العالم لديها مورث وحيد يحميها من أي آفة أو مرض. وإلى جانب سام براذار، وهو طالب دكتوراه لديه مخبر، تأكد هامفري أخيراً من أن المورث الوحيد هو المصدر الرئيسي لمقاومة ذبابة حسين لدى معظم أنواع القمح التجاري التي تزرع شمال غربي المحيط الهادي. بيد أن هذه الحماية "يمكن أن تنهار" برأي هامفري الذي يتابع بالقول: "إن التاريخ يخبرنا بأن مقاومة ذبابة حسين لا تدوم في حال وجود مورث وحيد يقوم بحماية نوع معين من القمح". بيد أن الأقارب البريين، الذين طوروا أولوية دفاعية، يتمتعون بمستويات عديدة لمقاومة العديد من الأخطار، إذ يقاوم نوع A. tauschii مثلاً العث الذي ينشر فيروس القمح المبرقش وهو مرض معد يهدد في الوقت الراهن غلال المحاصيل الزراعية في الولايات المتحدة الأميركية. ومع ذلك، ليس الأقارب البريون محصنين، فكثير من الأنواع والفصائل ضمن مجموعة إيكاردا معرضة للخطر ومهددة بالانقراض.

وحول ذلك أخبرني بامفري فقال: "معظم الناس ليست لديهم معرفة كافية حول مصدر غذائهم أو حول مدى هشاشة تلك النظم"، ففي مشروع منفصل، استخدم هو والمتعاونون معه حبوباً من إيكاردا وغيرها من بنوك البذور التابعة للمجموعة الاستشارية لأبحاث الزراعة الدولية بهدف تربية أنواع من القمح تقاوم الجفاف والحرارة. ويأمل هذا الرجل أن يبدأ بتوزيع حبوب A. tauschii للقمح الهجين بالتعاون مع جمعية تحسين المحاصيل في ولاية واشنطن غير الربحية، خلال السنوات الثلاث المقبلة.

عندما تفشل المحاصيل في كنساس وواشنطن، يمكن للفلاحين أن يحصلوا على تأمين، أو مدخرات أو مساعدة من قبل الحكومة، ولكن عندما تفشل تلك المحاصيل في دول فقيرة، فستصبح الرواية مختلفة. إذ إن ثلثي فقراء العالم هم من الفلاحين الذين يعيشون على الكفاف، وبعد فشل محصول واحد، يجب على الفلاح أن يبيع الماشية التي يربيها، كما يضطر إلى إخراج بناته من المدرسة، أو إرسال أولاده للعمل في المدينة. وعن ذلك يتحدث فيليبو باسي وهو عالم إيطالي يترأس برنامج تربية وزراعة القمح القاسي التابع لإيكاردا فيقول: "إن فشل محصول واحد لديك فمن المرجح أن يتبعه كثير من المحاصيل، وتظهر تلك الآثار على مستوى قرية كاملة" إذ إن فشل المحاصيل في دولة يمكن أن تكون له آثار ارتدادية، إذ في عام 2008، أسهم الجفاف الذي وقع في أستراليا التي كانت حينذاك من أكبر الدول المصدرة للقمح بزيادة أسعار القمح العالمية لتصل إلى الضعف، ما دفع بمئة مليون شخص إلى عتبة الفقر.

وفي عصر يوم دافئ وعاصف، أخذني باسي لأشاهد أنواع القمح التجريبية التي زرعت في مساكب مستطيلة صغيرة ومتفرقة في حقول إيكاردا. كان صوت حفيف سنابل القمح عالياً بفعل النسيم. ركع باسي ليريني الساق السوداء المتقرحة لإحدى السنابل التي أصيبت بمرض الصدأ (إذ تقدر منظمة الأغذية والزراعة أن ثلث محصول القمح في العالم عرضة لنوع من أنواع الصدأ). وبما أني كنت أقف في الحقل، لذا تخيلت بكل سهولة انتشار بقع الصدأ مع الريح، ومع ذلك أخبرني باسي بأن أنواع القمح التي أصيبت بالصدأ أخذت تنمو إلى جانب القمح الخالي من ذلك المرض. مشينا إلى الطرف المقابل من الحقل، فمررنا بأنواع مختلفة من القمح تشتمل على سنابل قصيرة وأخرى طويلة، وسنابل ذهبية إلى جانب سنابل سوداء. ومن بعيد، بدت مساكب الحقل المستطيلة وقد اختلطت مع بعضها ضمن مساحة واسعة واحدة، أخذت الريح تتلاعب بسطحها.

اقرأ أيضاً: قصة "مخزن يوم القيامة" والبذور السورية التي ستنقذ البشرية

يحاول باسي أن يطور سلالة من القمح يمكنها مقاومة درجات حرارة تصل إلى مئة درجة على مقياس فهرنهايت (يعاني القمح عادة من ضغط حراري بمجرد وصول درجات الحرارة إلى 77). وفي عام 2017، عندما أنتج باسي أحد الأنواع وقدمه للفلاحين الذين يعيشون على ضفاف نهر السنغال، واجه مشكلة لم تكن بالحسبان، تمثلت بالطيور المحلية التي ابتهجت بما اخترعه، فأكلت المحصول بأكمله، بعد ذلك لاحظ وجود مساحة واحدة من القمح نجت من كل ذلك، إذ كانت السنابل الموجودة على قشرتها الداخلية قصيرة جداً، لذا لم تستطع الطيور أن تمسك بالبذور بمناقيرها. ولهذا قام باسي بتهجين هذا القمح مع أنواع تتمتع بخصائص جيدة أخرى، وبعد مرور خمس سنوات وتهجين كثير من الأنواع، صار القمح الجديد جاهزاً للإرسال تقريباً.

وفي ساعة متأخرة من عصر ذلك اليوم، التقيت بكوماري العالمة المتخصصة بعلم فيروسات النباتات التي تعمل لدى إيكاردا في مخبرها، فجلبت لنا مساعدتها صينية حملت عليها القهوة والتمر وكعكات اللوز المحلاة بماء الورد. كانت كوماري قد اكتشفت أنواعاً من الفاصولياء العريضة، التي تعتبر من المحاصيل الغذائية الأساسية في بلدان عديدة، وتلك الأنواع تقاوم الانتشار السريع للفيروس الأصفر النخري الذي يهاجم الفاصولياء، والذي تنقله حشرات المن الجريئة من سوريا إلى أثيوبيا. زرعت كوماري البذور المقاومة على مدار عشر سنوات خلال فترة إقامتها في حلب، ونجحت في نقل بعض منها إلى لبنان عندما انتقلت إليها (فكان ذلك أحد أسباب ظهور اسمها ضمن قائمة أفضل 100 امرأة لعام 2020 التي قدمتها بي بي سي). وهكذا تم تهجين أنواع عديدة من الفاصولياء العريضة مع البذور المقاومة وهي الآن قيد الاختبار في كل من مصر وتونس.

عندما كانت شمس ذلك العصر تلقي بآخر أشعتها من خلال نوافذ المخبر، روت لي كوماري كيف سافرت من حلب إلى تونس ثم إلى لبنان. كانت تتحدث بقوة، وكان صوتها يعلو حتى الصراخ تقريباً وهي تقول لي: "بالمناسبة، عندي الحقيبة"، وهي تقصد بذلك الحقيبة الصغيرة التي حملتها معها إلى المؤتمر عندما اضطرت أسرتها إلى الهروب من البيت، ثم تابعت قائلة: "ما تزال تلك الحقيبة بحوزتي، لأني أحس بأني كلما نظرت إليها أتذكر قصتي".

اقرأ أيضاً: مشاريع دعم الزراعة شمالي سوريا وانعكاساتها على الفرد والمجتمع

يعاني لبنان اليوم أيضاً من كارثة اقتصادية وسياسية، إذ منذ تشرين الأول 2019 خسرت عملته 90% من قيمتها، وارتفعت أسعار الأغذية أكثر من خمسة أضعاف. ويقدر البنك الدولي بأن الأزمة الاقتصادية بلبنان يمكن أن تتحول إلى واحدة من ثلاث أسوأ أزمات اقتصادية عصفت بالعالم خلال السنوات المئة والسبعين الماضية، إذ عقب انفجار بيروت 2020، استقالت الحكومة، واستغرق الأمر أكثر من سنة كاملة لتشكيل حكومة جديدة. وأضحت المشافي تصارع اليوم كلاً من حالات كوفيد والتسمم الغذائي (فضلاً عن فترات انقطاع الكهرباء الطويلة ما يعني وجود فترات تبريد محدودة). وفي الوقت ذاته، وعلى الطرف المقابل من الحدود، وتحديداً في سوريا قام تنظيم الدولة بحرق الأراضي الزراعية مرات عديدة، فأصبحت خاوية على عروشها. وخلال الأشهر الماضية، أصبح السوريون يصطفون في طوابير طويلة طوال فترات قد تمتد لست ساعات حتى يحصلوا على الخبز.

اقرأ أيضاً: تضرر 350 دونماً في ريف اللاذقية بسبب اندلاع حرائق أمس الجمعة

كان الخريف في بداياته في سهل البقاع، وكانت ثمار البرسيمون البرتقالية اللامعة قد نضجت على الأشجار المغبرة، لذا عندما جلس شحادة في مكتبه تذكر صدمته بخسارة بنك البذور في حلب، فقال: "لقد تم تدميره بكل بساطة، بعدما أمضيت 27 سنة من حياتي وأنا أعمل في الزراعة بسوريا". ويخبرنا شحادة بأن إيكاردا مهمة بالنسبة لكثير من البلدان، وهو يدرك مدى أهميتها بالنسبة لسوريا وللسوريين، إلا أن كل شي انتهى على حين غرة.

بينما كنا نتحدث، توقفت سيارة كبيرة تابعة لدي إتش إل في ممر السيارات الموجود خارج البناء، فتجمع حولها عدد من الموظفين. خرجنا لنقف تحت الشمس، فأشعل شحادة لفافة تبغ، ثم أخذنا نراقب الصناديق الزرقاء المعدة للإرسال إلى سفالبارد في أثناء عملية تحميلها في السيارة. ما يعني وجود مزيد من البذور المخصصة لقبو يوم القيامة، ومزيد من البذور الاحتياطية التي تم تجهيزها، وفجأة أغلقت الأبواب بقوة، فصاح شحادة: يلا! باي!" وعندها اختفت السيارة خلف المنعطف، فسألت شحادة عن مشاعره، أجابني: "أشعر بالحرية والانعتاق" ثم عدنا إلى الداخل نحن وبقية الموظفين لديه.

 

المصدر: نيويوركر