icon
التغطية الحية

نيولاينز: وثائق تكشف وقائع حرب الظل الإسرائيلية ضد إيران في سوريا

2024.12.18 | 17:06 دمشق

آخر تحديث: 2024.12.18 | 17:09 دمشق

لقطة شاشة لمراسلات العميل الإسرائيلي موسى مع مسؤولين من النظام البائد
لقطة شاشة لمراسلات العميل الإسرائيلي موسى مع مسؤولين من النظام البائد
The New Lines Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- كشفت الوثائق السرية عن آلية روسية للحد من التدخل العسكري الإسرائيلي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث اعتمد الأسد على إيران وحزب الله، بينما سعت إسرائيل لوقف تدفق السلاح الإيراني.

- أظهرت الوثائق تواصل عميل إسرائيلي مع وزير الدفاع السوري السابق، محذرًا من النشاطات الإيرانية، مع تهديدات إسرائيلية بالرد العسكري على دعم إيران لحزب الله، مما يعكس دقة الاستخبارات الإسرائيلية.

- بينت الوثائق التوترات بين الأسد وإيران، حيث سعت إيران للعمل باستقلالية، مما أدى لاستهداف البنى التحتية السورية، وسعى الأسد للنأي بنفسه عن إيران لتجنب الانتقام الإسرائيلي.

عُثر على وثائق سرية تعود لنظام بشار الأسد بعد سقوطه، وهذه الوثائق تقدم لمحة عن "آلية" سرية أدارتها روسيا للحد من التدخل العسكري الإسرائيلي في سوريا، إذ اعتمد الأسد بشكل كبير على إيران وأذرعها، مثل حزب الله، وذلك ليحافظ على سيطرته وبقائه في السلطة بعد عقد من الحرب التي أنكهت البلد.

وهذه الوثائق التي رَشحت مؤخراً، والتي وُصفت بأنها سرية للغاية وعاجلة، تكشف مجموعة من المخاوف ضمن المذكرات التي كُتبت بعد تنفيذ العمليات وذكرت بالتفصيل ما دمرته إسرائيل في عام 2023 ولماذا فعلت ذلك، كما تقدم تلك الوثائق أول لمحة حقيقية عن الشكوك التي أضمرها كثيرون وبقيت من دون دليل يؤكدها، ومن بينها أن إسرائيل التي قبلت وقنعت بإبقاء الأسد ضعيفاً في مكانه والسماح لجيش النظام البائد بتلبية ما يعرف باحتياجاته الأمنية، كانت قد عزمت على إنهاء تدفق السلاح الإيراني وتعزيز قوة المقاتلين الموالين لطهران في سوريا، وخاصة في مرتفعات الجولان.

العميل السري "موسى"

تظهر الوثائق بأن عميلاً إسرائيلياً يعرف بالاسم السري: (موسى) أخذ يتواصل بشكل مباشر مع وزير الدفاع في النظام السوري السابق، علي محمود عباس الذي شغل هذا المنصب منذ 28 نيسان 2022، فما كان من عباس إلا أن أعاد توجيه تلك الرسائل إلى علي مملوك الذي يترأس جهاز المخابرات سيء الصيت التابع للأسد.

تعود مجموعة الوثائق هذه التي صورت بطريقة لقطة الشاشة وانتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي للفترة الممتدة ما بين شهري أيار وتموز من عام 2023، أي قبل أشهر قليلة من هجوم حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول، وما أعقب ذلك من هجمات صاروخية شنها حزب الله على إسرائيل في الثامن من الشهر نفسه بعد رد فعلها العقابي الذي امتد لفترة طويلة ضد كل من الطرفين وما نجم عنه من القضاء على القيادات العسكرية والسياسية لدى حزب الله وحماس، ما أنهى بدوره مشروع الهيمنة الإيرانية على بلاد الشام والذي امتد لعقود خلت. كما أسهم ذلك وبشكل غير مباشر بطرد الأسد بشكل سريع وغير متوقع من السلطة. وهذا أدى بدوره لتدخل فوري من قبل إسرائيل لحرمان السلطات الجديدة من الأسلحة الاستراتيجية نفسها التي تركتها إسرائيل للأسد عندما كانت تلك الترسانة تحت سيطرته.

وفي ظل عدم القدرة على التحقق من صحة هذه الوثائق بطريقة مستقلة، ثمة عوامل عديدة تقودنا إلى الاعتقاد بأنها حقيقية، وأول عامل من تلك العوامل يتصل بظهور تلك الوثائق فور انهيار نظام الأسد وخروجها من أفرع المخابرات في دمشق، وثانيها، أن تلك الوثائق تحمل الأختام الرسمية لحكومة النظام البائد، كما أن لها الشكل والتنسيق نفسه، ويشمل ذلك أدوات التعريف الخاصة بالمخابرات ومؤسسات الدفاع، وأخيراً فإن المعلومات الموجودة ضمن تلك الوثائق تتوافق مع المعلومات المتوفرة للعامة والتقارير الإخبارية التي تتحدث عن أحداث وأهداف بعينها، فضلاً عن توافقها مع توقيت العمليات.

مصالح متشابكة

يعلق على ذلك مارك بوليميروبولوس وهو ضابط سابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية له باع طويل في ملف الشرق الأوسط، فيقول: "تظهر تفاصيل هذه الآلية السرية الفريدة لخفض النزاع مع روسيا وبكل جلاء ارتياحاً إسرائيلياً كاملاً تجاه نظام الأسد، ما يؤكد القول المأثور المعروف قديماً: الشيطان الذي تعرفه خير من الشيطان الذي لا تعرفه، ولعل هذا الارتياح قد أسهم وبصورة سلبية برفض إسرائيل في بداية الأمر لدعم أوكرانيا، نظراً لاعتماد إسرائيل على روسيا في سوريا".

إذ مثلاً ورد في إحدى الرسائل المؤرخة في 17 أيار 2023 تأكيد على غضب إسرائيل تجاه الاستفزازات الإيرانية، وجاء فيها: "في 8 نيسان، أطلقوا ثلاثة صواريخ باتجاه إسرائيل من مرتفعات الجولان بناء على تعليمات من حماس، ومؤخراً، وبسبب يوم القدس ومسيرة بالأعلام، صرنا نراقب النشاطات الفلسطينية على أراضينا، وفي حال عدم تبين الشخص الذي يقود تلك النشاطات لنا، فإننا نرى بأن تلك العناصر تتلقى توجيهاتها من خالد مشعل وصالح العاروري من حماس، ونحذركم من احتمال قيام أي نشاطات تنظمها تلك الأحزاب على أراضيكم، ونطلب منكم وقف أي استعدادات [إيرانية] للاستعانة بهذه القوات الموجودة على أراضيكم، أي أنكم مسؤولون عما يحدث في سوريا".

واصل موسى تلميحه الموجه إلى "الطلقة التحذيرية" الإسرائيلية التي لم يحددها وذلك رداً على إطلاق الصواريخ، ويفترض أنه يتحدث هنا عن مدفعية الجيش الإسرائيلي وعن غارات المسيرات التي استهدفت جنوبي سوريا بهدف تدمير راجمات الصواريخ، فيقول: "سيكون هجومنا التالي أقوى بكثير وأشد مما سبق أن نفذناه حتى الآن، أي أنكم ستدفعون ثمناً باهظاً لم يسبق لكم أن دفعتموه"، وبعد مرور أسابيع على ذلك، وتحديداً في 29 أيار من عام 2023، تحدث العميل عن أهداف صريحة قصفتها إسرائيل، مثل "مستودعات الأسلحة التابعة للقيادة الجنوبية بدمشق" و"معسكر التدريب بالضمير" الذي كان حزب الله يستعين به. وقد نقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا) خبر شن تلك الغارات في 29 أيار، وذكرت بأن إسرائيل نفذت ضربات من مرتفعات الجولان المحتل على دمشق وما حولها خلال الليلة الماضية.

التهديدات الإسرائيلية المبطنة والصريحة

تكشف الوثائق مدى الاعتماد الكبير على الإشراف الروسي، فقد لعبت موسكو دوراً فاعلاً في تخفيف التوتر بين الطرفين، ولذلك تجنبت إسرائيل استهداف المواقع العسكرية السورية المهمة مع بقاء النظام البائد ملتزماً بقواعد اللعبة، وبالمقابل، حافظت روسيا على نفوذها مع كلا الطرفين، وهذا ما ضمن بقاء نظام الأسد.

ظاهرياً، كان الهدف الأساسي لهذه الآلية هو الحد من عمليات إيران وحزب الله، وخاصة تلك المتعلقة بنقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله بلبنان، فمثلاً في رسالة مؤرخة 8 حزيران 2023، وردت تفاصيل حول تعقب الاستخبارات الإسرائيلية للشحنات الإيرانية، جاء فيها: "على مدار الأسبوعين الماضيين، راقبنا هبوط ثماني طائرات في قاعدة حميميم الجوية وهذه الطائرات أتت من إيران... وقد نقلت الأسلحة على متن تلك الطائرات... لذا في حال مواصلتكم السماح بنقل الأسلحة لصالح حزب الله وإيران، فلن نقف مكتوفي الأيدي".

تُظهر تلك الرسائل دقة الاستخبارات الإسرائيلية التي تعقبت الشحنات منذ وصولها لقواعد جوية تسيطر عليها روسيا إلى أن وصلت إلى وجهاتها النهائية في اللاذقية والقطيفة. وكثيراً ما حذر موسى سوريا من أفراد متورطين بعينهم، مثل الحاج هاشم أحد قادة حزب الله (واسمه منير علي نعيم شعيتو) ومن عمليات مثل "ملف الجولان" الذي يعتمد على إقامة معسكرات للتدريب بالقرب من دمشق. وفي كل مرة من تلك المرات، كانت تلك التحذيرات تحمل بين طياتها تهديداً مبطناً وأحياناً صريحاً بالانتقام عسكرياً.

و"ملف الجولان" هو عبارة عن عملية سرية لحزب الله تهدف إلى إقامة بنية تحتية تابعة لإيران وحزب الله فضلاً عن تشكيل شبكات على الحدود السورية-الإسرائيلية في مرتفعات الجولان، وقد أدارها خلال تلك الفترة علي موسى دقدوق وهو قائد كبير لدى حزب الله، يعرف أيضاً باسم أبو حسين ساجد، وقد حرص هذا المشروع على تكوين خلايا قادرة على شن هجمات على الأراضي الإسرائيلية، أما دقدوق نفسه الذي نسق ورتب عملية تنفيذ هجمات استهدفت القوات الأميركية في العراق، فقد وردت أنباء حول مقتله في غارة إسرائيلية في العاشر من تشرين الثاني من هذا العام.

تقوم هذه الاستراتيجية على تجنيد عملاء محليين وتخزين الأسلحة دعماً لأي هجمات تنفذ مستقبلاً، وهذه الأنشطة كانت جزءاً من الهدف الأوسع لحزب الله والمتمثل بالسيطرة على النزاع في سوريا بهدف فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل، ويقال بأن هذا المشروع حظي بتوجيه من كبار المسؤولين الإيرانيين ولدى حزب الله، وعلى رأسهم حسن نصر الله وقيادة فيلق القدس.

ورداً على تلك التهديدات، نفذت إسرائيل مجموعة من العمليات الاستباقية لتفكيك البنية التحتية لحزب الله في المنطقة، إذ على سبيل المثال، استهدفت غارة جوية شنت على الجنوب السوري في كانون الأول من عام 2023 محمد التمر فأردته قتيلاً، وهذا الرجل يعرف أيضاً باسم أبو جولان، وهو أحد العملاء المهمين ضمن قطعة ملف الجولان العسكرية. وتوضح هذه العملية كيف بذلت إسرائيل جهوداً متواصلة لتجابه توسع نفوذ حزب الله بالقرب من حدودها.

وفيما يلي نص مذكرة صادرة عن النظام وتشتمل على رسائل من موسى جاء فيها:

"الجمهورية العربية السورية"

القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة

شعبة المخابرات- مكتب رئيس الشعبة

الرقم: /2450/1

التاريخ: 29/5/2023

السيد رئيس مكتب الأمن الوطني

لاحقاً لكتابنا رقم /2254/1 المؤرخ 17/5/2023، موضوع رسالة الإسرائيلي (موسى) بتاريخ 29/5/2023، فقد ورد إلى مكتب وزير الدفاع رسالة عبر الواتساب من طرف شخص يعرف باسم (موسى) تتضمن (حرفياً) ما يلي:

مرحباً.. موسى معك

في البداية، قمنا بقصف أهداف للتخزين تابعة لقيادة الجنوب في دمشق.

وإضافة لذلك، قمنا بقصف المعسكر التدريبي في الضمير الذي يتم استخدامه من قبل ملف الجولان الذي يترأسه أبو حسين ساجد لإجراء تدريبات وبناء القوة من أجل رفد القدرات القادرة على المساس بدولتي.

ونشدد على أننا لن نقبل بوجود الحاج هاشم وأفراده في منطقة جنوب سوريا.

ثم إن التعاون مع حزب الله يضر بالجيش السوري وعناصره، وأنتم تدفعون الثمن.

لذا، فإن أي دعم من قبلكم للمحور (الإيراني) ولحزب الله بالشكل الذي يمكن أن يضر دولتي سوف يكون الرد عليه قاسياً

دمتم بخير

يرجى الاطلاع

رئيس شعبة المخابرات"

 

وفي رسالة أخرى وصلت بتاريخ 16 حزيران عام 2023، قال موسى:

"لاحظنا اعتباراً من يوم 6 تموز، تم وقف هبوط طائرة إيليوشين 76 من اللواء 29 التابع لسلاح الجو السوري في مطار حميميم.

وكما أوضحنا لكم أكثر من مرة على متن هذه الطائرات تم نقل أسلحة لصالح فيلق القدس وحزب الله وهذا بتدخل جهات أمنية سورية من اللاذقية.

نريد أن نشدد على أن وقف رحلات تلك الطائرات (من قبلكم)، بالإضافة إلى وقف رحلات الشحن الإيرانية لشركتي (كسبيان إير) و(فارس إير قشم) التي هبطت في مطار النيرب يعتبر خطوات إيجابية ستحمي مصالحكم.

لا نريد التحرك ضد الجيش العربي السوري ولذلك فإن استخدام الآلية المنظمة تحت رقابة روسية سيسمح لكم بسد حاجات الجيش من دون المخاطرة بمواقع أو بنى يستغلها الإيرانيون لعمليات نقل أسلحة وعلى هذا المنوال يلحقون بكم الضرر باعتباركم الجهة التي تقف وراء وقف رحلات هذه الطائرات، فاعلموا بأنكم نجحتم بمنع احتكاك نحن في غنى عنه باعتباره احتكاكاً لا يرغب فيه الطرفان الاثنان.

ورغم كل هذه الأمور، فاعلموا بأننا نتابع وسنستمر على المتابعة بشكل وثيق للنشاط الجاري عند المحور، ووفقاً لذلك، إذا لاحظنا إعادة عمليات نقل الأسلحة من أجل دعم حزب الله والإيرانيين، فلن يكون لدينا خيار آخر سوى إعادة التحرك وبشدة كبيرة، أي أن مصير الأمر منوط بكم.. دمتم بخير".

تبدو النبرة المستخدمة في هذه الرسالة كنبرة شخص يتباهى بمدى عمق الاختراق والتجسس داخل البنية التحتية للدفاع السوري، كما أنها نبرة تحمل كثيراً من السخرية والاستهزاء بشخص وزير الدفاع الذي عينه النظام البائد، وبما أن المرسل يدعي بأنه إسرائيلي، لذا من المرجح بأن وزير الدفاع قد أعاد توجيه رسائله متأكداً من حرفيتها وذلك لتجنب أي اتهامات قد توجه إليه بالتواصل مع شخصيات إسرائيلية من دون التصريح عن ذلك.

توسع الشرخ بين الأسد وإيران

كشفت وثائق موسى الديناميات المعتمدة بين الأسد وإيران، إذ على مدار سنين، صورت الاتهامات الإسرائيلية الأسد على أنه شخصية راغبة بتسهيل أمور تعزيز الوجود العسكري الإيرانية والعمليات السرية الإيرانية في سوريا، بيد أن الواقع أشد تعقيداً من هذه الصورة، فلعل الأسد قد حاول أن يحد من نشاطات إيران كلما أمكنه ذلك، ولكن من المرجح أن إيران كان تعمل باستقلالية تامة عنه، لكونها أقامت جدار حماية يضمن لها السرية ويمنع أي تسريبات.

خلقت الاستراتيجية الإيرانية تحديات كبيرة أمام الأسد، إذ في الوقت الذي تحمل النظام البائد العبء الأكبر من الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع تابعة لإيران، بقي يفتقر في معظم الأحيان إلى رؤية العمق الكامل والحقيقي للعمليات التي تنفذها طهران، فبالنسبة لإيران، أبعد هذا الفصل نشاطاتها عن التدخل السوري، وحد من خطر حصول الاستخبارات الإسرائيلية على معلومات عن تلك النشاطات عبر تسريبات من سوريا أو على يد جواسيس سوريين. وكما كشفت الوثائق، فإن الغارات الإسرائيلية الموجهة بدقة، والتي نفذت بناء على معلومات استخباراتية دقيقة ومفصلة، دمرت البنى التحتية السورية في معظم الأحيان، كما استهدفت المواقع العسكرية السورية، حتى مع عدم تدخل الأسد بصورة مباشرة في النشاطات الإيرانية التي استفزت الإسرائيليين.

وهذه الدينامية جعلت الأسد في موقف لا يحسد عليه، فتداعيات العمليات الإيرانية صعبت على نظام الأسد أمر إعادة البناء وأضعفت موقف النظام ومكانته أمام دول إقليمية مجاورة مثل تركيا ودول الخليج العربي، والتي حاول الأسد التطبيع معها سعياً لإقامة علاقات أعمق. وفي الوقت ذاته، اعتبرت مساعي الأسد للاحتفاظ بالهدوء بخصوص ما يجري في مرتفعات الجولان والنأي بالنفس بعيداً عن النزاعات الإقليمية الأوسع، مثل الحرب على غزة، بمنزلة مؤشر على وجود رغبة لديه بإبعاد نفسه عن استراتيجيات إيرانية أشد عدوانية بمجرد خروجه "منتصراً" من حرب امتدت لثلاثة عشر عاماً في بلده.

لم يكن صمت الأسد تجاه ما يحصل في غزة متناغماً مع الاستراتيجية الكبرى لإيران، ففي الوقت الذي صعّد حزب الله والحوثيون في اليمن تدخلهم في تلك الحرب، تجنب الأسد المواجهة مع إسرائيل بكل وضوح، وهذه الاستراتيجية أتت منسجمة مع أهداف الأسد التي تقوم على تقديم نفسه على أنه القوة التي تنشر الاستقرار، وتتفادى أي انتقام مباشر من إسرائيل، كما تمد يدها بحسن نية إلى دول الجوار.

أظهرت الوثائق كيف أكدت التحذيرات الإسرائيلية، ومنها تلك التي أرسلها موسى، على الثمن الذي ستدفعه سوريا مقابل تسامحها مع النشاطات الإيرانية وتقبلها لها، إذ على سبيل المثال، في رسالة موجهة بتاريخ 14 تموز 2023، جاء ما يلي: "طالما واصلتم تقديم الدعم للإيرانيين على مستوى شحنات الأسلحة، فإننا سنعود لتنفيذ عمليات ضد هذه النشاطات، فقد تجاهلتم التحذيرات والآن صارت البنى التحتية لديكم تدفع الثمن".

وفي الوقت نفسه، أصبحت مساعي الأسد للنأي بنفسه عن إيران خلال حرب غزة واضحة وجلية من خلال الخطوات التي قام بها، ومنها طرد الحوثيين من السفارة اليمنية والامتناع عن المصادقة على خطاب حزب الله، ومن المرجح أن تلك الخطوات كانت محسوبة، والغرض منها تقديم صورة عن سوريا وكأنها في خندق واحد مع جيرانها في الخليج والتي أصبح اهتمامها كبيراً بإقامة علاقة براغماتية مع الأسد ضمن استراتيجياتها الإقليمية الكبرى.

يخبرنا خبير إسرائيلي رفض الكشف عن اسمه بأنه كان من المهم بالنسبة لإسرائيل نقل معلومات مفصلة لنظام الأسد عن شحنات الأسلحة الإيرانية، ولم يكن الغرض من ذلك مجرد إبراز عمق ومدى تغلغلها في سوريا، بل أيضاً للتأكيد على الاستقلالية الظاهرية لأجهزة المخابرات السورية، وعبر قيام إسرائيل بذلك، صار بوسعها أن توسع الهوة بين طهران ودمشق.

بيد أن هذه القناة الخلفية السرية التي اشتغل عليها موسى انهارت مع انهيار نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الجاري، إذ بعد مرور سويعات على سقوط النظام، غزت إسرائيل محافظة القنيطرة السورية، وقد أتى ذلك ظاهرياً كرد على هجمات الثوار المناهضين للأسد والتي استهدفت نقطة مراقبة تابعة للأمم المتحدة، فكان ذلك فاتحة لعملية "سهم باشان" وهي حملة غير مسبوقة شنت من خلالها القوات الجوية والبحرية الإسرائيلية 350 غارة على البنى التحتية العسكرية السورية والتي تجنبت قصفها في السابق بموجب آلية خفض التصعيد التي تبنتها بالاتفاق مع النظام السابق. وبذلك دمر الجيش الإسرائيلي ما بين 70-80% من الدفاعات الاستراتيجية لسوريا، ومعظم أصول برنامج الأسلحة الكيماوية في البلد. وتمثل تلك الغارات انتهاء النهج المدروس الذي حافظت عليه إسرائيل بموجب هذه الآلية، كما تؤكد على غياب الإشراف الروسي وخسارة شريك مهم كان يلتزم بتلك الاتفاقيات.

بحسب ما يراه الضابط السابق ديفيد ماكلوزكي من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ومؤلف روايتين جاسوسيتين تعتمدان أسلوب الإثارة وهما: "محطة دمشق" و"الطابق السابع"، فإن هذه الوثائق: "تقدم لمحة مهمة عن مدى الضعف الذي بلغته سوريا، وكيف تحول النظام الأجوف فيها إلى ألعوبة بيد القوى الإقليمية، كما تظهر أيضاً فشل خطة الأسد القديمة باللعب بكل الأطراف ضد بعضها، والمقصود بتلك الأطراف إيران وروسيا وإسرائيل ودول الجوار العربية، إلى جانب كشفها لمدى ضعف هذا النهج الذي جعل الأسد يخسر جميع أوراقه الرابحة في نهاية المطاف".

 

المصدر: The New Lines Magazine