نوستالجيا الورق ومكتبة نوبل

تاريخ النشر: 29.09.2021 | 06:06 دمشق

أغلقت مكتبة نوبل أبوابها وأقفلت نهائيا، وقد يتحول مكانها إلى مطعم أو محل تجاري لبيع الأحذية، أو أي شيء آخر، أغلقت مكتبة نوبل أبوابها، وهي إحدى أشهر المكتبات في دمشق وآخر من بقي من مكتباتها العريقة، هكذا كتب الأصدقاء متفجعين وحزانى على مصير المكتبة، والحزن شعور طبيعي مع شيء كهذا، فأن تخلو عاصمة كدمشق من المكتبات التي تبيع  كتباً ثقافية وفكرية متنوعة هو أمر فيه كثير من القسوة، مثلما فيه كثير من الدلالات عن حال البلد ووضعها الاجتماعي والاقتصادي، وعن حال الثقافة والفكر فيها، ولكن هل هذا الحال كان يحتاج إلى إغلاق آخر المكتبات في دمشق؟ ليدرك ما تعيشه دمشق وسوريا وما يعيشه من بقي هناك، بات معروفاً وواضحاً ولا يحتاج إلى أدلة كإغلاق مكتبة.

أغلقت مكتبة نوبل أبوابها، نعم، ولكن في وجه من؟ ومن كان يقصد مكتبة نوبل؟ أتذكر أن نوبل كانت واحدة من أغلى المكتبات في سوريا قبل 2011، لا أعتقد أنني تجرأت يوما على شراء كتاب منها، كان سعر كتاب ما في نوبل سيرهقني ماديا، إلا لو كنت مضطرة إلى شراء كتاب لن أجده إلا في نوبل، مكتبة نوبل بالنسبة لي كانت دائما واجهة مغرية للدخول وقراءة العناوين الجديدة لكتب مستوردة أو كتب باللغة الإنكليزية والفرنسية، والقواميس الضخمة، ولطالما اعتبرتها مكتبة للنخبة الثقافية المتحالفة مع النخبة الاقتصادية، لم تكن يوما مكتبة شعبية أو للطبقة المتوسطة التي أنتمي إليها، حالي كان حال كثر من أصدقائي، على ماذا هذا الحزن كله إذاً كما لو كان إغلاقها هو إغلاق آخر منافذ القراءة والثقافة والحياة؟

مكتبة نوبل بالنسبة لي كانت دائما واجهة مغرية للدخول وقراءة العناوين الجديدة لكتب مستوردة أو كتب باللغة الإنكليزية والفرنسية

في يقيني أن جزءاً كبيراً من الحزن على إغلاق المكتبة هو احتجاج موارب على ما وصلت إليه الحال في سوريا، هو احتجاج على الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية، احتجاج لن يدفع أصحابه مقابله أي ثمن، لن يعتقلهم أحد ولن يهددهم أحد، ولن يُخضعهم أحد لمساءلة ما، بالعامية هو (تنفيس) مباح عن سلسلة طويلة من الاحتجاجات الغاضبة المكبوتة، لكنه أيضا بمثابة النعي للعاصمة القديمة، لدمشق التي اختفت بما كانت عليه  قبل 2011 لتحتل مكانها عاصمة جديدة لم يعد يتعرف إليها حتى ساكنوها، هو نعي لمصير سوريا نفسها، مصيرها البائس والمؤلم والحزين.

بالنظر إلى الأوضاع المعيشية المتردية في سوريا، وإلى الانهيار الاقتصادي غير المسبوق فيها، وبالنظر إلى ما يعيشه السوريون من فقدان لكل مقومات الحياة البشرية، يبدو وجود مكتبة كمكتبة نوبل نوعاً من الترف المديني الذي لم تعد تتسع له مدينة كدمشق، إذ من يستطيعون شراء الكتب من مكتبة فاخرة حاليا هم فقط أصحاب رؤوس الأموال، من يملكون ما يفيض على حاجة معيشتهم وعائلاتهم، هؤلاء حاليا هم تجار الحرب وأثرياؤها، تجار الأزمات وتجار الموت وتجار كل ما هو عكس ما يمثله وجود المكتبات الشعبية والنخبوية منها، هؤلاء لا يشترون الكتب ولا يعنيهم وجود المكتبات في شوارع مدنهم، ولا تمثل لهم الثقافة أية قيمة، بل ربما يسخرون من المثقفين ويعتبرونهم عالة  على المجتمع، لم يكن للثقافة الحقيقية شأن كبير في سوريا يوما ما، فماذا سيكون حالها اليوم مع سقوط كل القيم  الكبيرة والنبيلة في المجتمع؟

بالنظر إلى الأوضاع المعيشية المتردية في سوريا، وإلى الانهيار الاقتصادي غير المسبوق فيها، وبالنظر إلى ما يعيشه السوريون من فقدان لكل مقومات الحياة البشرية، يبدو وجود مكتبة كمكتبة نوبل نوعاً من الترف المدني الذي لم تعد تتسع له مدينة كدمشق

على أن أمر إقفال المكتبات لم يعد شأنا سوريا أو خاصاً بالدول التي تشهد حروبا أو صراعات أو سوء أوضاع معيشية واقتصادية، إذ نقرأ يومياً تقريباً في الصحافة العالمية وعلى وسائل التواصل عن إقفال متاجر كتب شهيرة في العديد من عواصم ومدن العالم،  ولا يخفى في تلك الأخبار الخطاب النوستالجي الرومانسي والحنين إلى الزمن الماضي، زمن ما قبل التكنولوجيا الرقمية، حين كان للكتاب الورقي أثره العظيم في تكوين الشخصية الفردية والمجتمعية، حين كانت للمطابع وحبرها تلك الرهبة الكبيرة، نفس الرهبة التي كانت للمكتبات ومتاجر الكتب الكبيرة، وحتى لبسطات الكتب المستعملة  المفرودة على الأرصفة، وهي ظاهرة موجودة ومنتشرة في كل مدن العالم، وغالبا من يصاب بهذا الحنين هم أبناء الجيل الذي لم يستطع مواكبة التكنولوجيا، ولم يستطع التأقلم معها، بينما نادرا ما يهتم الجيل الشاب بشأن كهذا، ليس في بلادنا فقط بل في كل العالم، لا لأن هذه الأجيال صارت أقل اهتماما بالثقافة والمعرفة، بل لأن ثمة تحولات كبيرة طرأت على هذا المجال شأن مجالات عديدة في الحياة المعاصرة،  فالعولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة، كما يقولون، هدمت كثيرا من الجدران بين البشر، ولم تترك أية مساحة للانعزالية، سوى لدى المجتمعات المحكومة بأنظمة قمعية وفاشية واستبدادية، مثل كوريا الشمالية، لكن حتى الأنظمة العربية لم تستطع الوقوف في وجه العولمة وفرض العزلة على شعوبها، مِعْول العولمة الذي طال معظم الجدران العازلة بين البشر سوف يأخذ بطريقه جدار الثقافة أيضاً، لم تعد المعرفة والثقافة محصورة بالورق والحبر وعملية الطباعة، صار النشر الرقمي أقل كلفة وأكثر سهولة وأوسع انتشارا، وخرج عن سيطرة هيئات الرقابة السياسية والدينية والمجتمعية في بلدان العالم الثالث، حطمت العولمة كل التابوات التي كانت موجودة في الكتب المطبوعة، إذ لا رقيب في التكنولوجيا الرقمية، حتى الأنظمة التي تحجب مواقع وصفحات في الشبكة العالمية سوف تتمكن شعوبها من إيجاد طرق لفك الحجب والحظر.

حطمت العولمة كل التابوات التي كانت موجودة في الكتب المطبوعة، إذ لا رقيب في التكنولوجيا الرقمية، حتى الأنظمة التي تحجب مواقع وصفحات في الشبكة العالمية سوف تتمكن شعوبها من إيجاد طرق لفك الحجب والحظر

الأجيال الشابة تستخدم التقنيات الحديثة للقراءة والمعرفة، مئات آلاف المواقع الثقافية تقدم ما لديها مجانا لمستخدمي هذه التقنيات، المكتبات المحصورة ضمن جدران إسمنتية انتقلت بكتبها لتصبح مكتبات رقمية، حيث ملايين الكتب متاحة للقراءة عبر الإنترنت، ما يحتاجه القارئ هو شاشة وشبكة إنترنت فقط، ونظارة للقراءة لمن تجاوز سن الشباب، لم يعد الجيل الشاب يحتاج لقصد مكتبة ما، سوف يكتب اسم الكتاب في محرك البحث ليجد أمامه عشرات المواقع تدعوه لتحميل الكتاب مجانا، أو بأسعار رمزية جداًَ، ولو كان مثلي، يفضل القراءة الورقية، سوف يجد مواقع عديدة ومتاجر إلكترونية لبيع الكتب، يكفي أن يدخلها ويشتري الكتاب ليصله بعد فترة قصيرة أينما كان في العالم. من يهتم إذاً بقفل مكتبة هنا أو هناك؟

مامه عشرات اأا

دراسة: الإصابة السابقة بكورونا قد لا تحمي من متحور أوميكرون
الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
وزيرا خارجية تركيا وقطر: لا يمكن التطبيع مع نظام الأسد
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي