نهر الفساد الرائع

تاريخ النشر: 29.01.2021 | 00:10 دمشق

عاد ابن عمنا طبيبا من بلغاريا غانما، وأكثر من الشكوى والتذمر من ساعة بلوغه المطار وإطلاق سراحه من أسر شرطتها، فقد عاملوه معاملة المجرمين، وأهانوه غاية التوهين، وجردوه من ثيابه كلها، وجعلوه يركع ويسجد من غير وضوء، ويرقص رقصة البطة ليعرفوا ماذا إذا كان قد هرَّب شيئا في جوفه، ونقعوه ساعات مريرة لأنه غاب مدة طويلة عن الوطن من غير أن يؤدي واجباته الوطنية من مسيرات وتصفيق، ثم إنه خرج بشفاعات، ونَذرَ لله أن ينزح ويهاجر من جديد في أول فرصة، وكان مشتاقا، ففقدَ الشوق، وقرر أن يعبر الحدود على ظهر الحمير وليس من المطار اللعين.

وعندما وجد أنَّ الهجرة ليست سهلة، بحث عن عمل مؤقت، واجتهد كثيرا في البحث، فوجد وظيفة في إحدى البلديات، فقال لهم إنه طبيب وليس كاتب ديوان، ثم قرر أن يبحث عن الفرصة والنافذة في جدار السجن الكبير، وكنا نقول له: يا ابن العم أنت تتكبر علينا، وكنت تدرس في ذلك البلد الاشتراكي المتخلف بلغاريا، فكيف لو كنت درست في بلد خير مقاما وأحسن نديا مثل سويسرا أو السويد أو نيوزلندا، فكان يذكر لنا أمورا في بلغاريا نحتاج إلى سنوات ضوئية لبلوغها، فهم مثلا عندما يبنون بناية يسدلون عليها غلالة واقية للأبصار من مشهد أعمدة الخرسانة العارية حتى لا تؤذي النظر بقبحها، وأنَّه كان يسكن شقة يجري أمامها نهر عذب، وأنَّ بلغاريا فقيرة، لكن بها شبكة مترو، وشوارعها نظيفة، فقلنا إننا نسرُّ كثيرا بمشاهد البنايات الجديدة، بل إنَّ الإسمنت مفقود، والحديد كذلك، ونحن نبني بالحديد القديم الذي ننتزعه من لحم العمارات القديمة، فعظام البنايات الجديدة ستكون مبنية بعظام بيوت الماضي التليد، وهو كما تعلم حديد قديم عمره قرن، حتى أنَّ حينا أطلق عليه اسم الشعيرية من طرق أهله قضبان الحديد المستخرجة من البنايات المهدمة، وكما ترى النفايات في الشوارع  مثل الزهور أمام البيوت تجتمع عليها الحيوانات النباتية واللاحمة لتأكلها، والناس في الطوابير أمام الأفران كأنهم خشب مسندة.

 زار السفارات وترجم أكداسا من الأوراق حتى يهاجر بعد أن دفع بدل العسكرية، وكان مبلغا كبيرا، حتى انفجر أنبوب المياه الضخم في حينا العشوائي غير الشرعي الموقّر، فانبجست منه المياه العذبة، وسرعان ما حفرت المياه بركة صغيرة، وللمياه فؤوس ومطارق لا ترى بالعين المجردة، ما لبثت أن كبرت البركة وصارت بحيرة، وتدفقت ساقية في الحي الذي صار مستحقا لاسمه، فقد كان الحي ميتا من قبل ولم يكن شيئا، وكان أهل الحي يستقون من بئر حفرت في غفلة عن عين الحكومة، فهي تمنع حفر الآبار بدعوى الحرص على حق الأجيال القادمة، وقال أهل الحي: والأجيال الحالية أليس من حقها أن تشرب وترتوي؟ لكن الحكومة تسأل ولا تجيب.

 وقلنا لابن عمنا: انظر! صار أمام بيتكم في الوطن نهر، وكأنكم في جنة عدن تجري من تحتها الأنهار.

 زار السفارات وترجم أكداسا من الأوراق حتى يهاجر بعد أن دفع بدل العسكرية، وكان مبلغا كبيرا، حتى انفجر أنبوب المياه الضخم في حينا العشوائي

وبعد أيام نمت أعشاب خضراء على ضفتي الساقية، وتطاولت حشائش، وتنادت الطيور من نوارس وغربان وبط وإوز تسقي وتشرب وتعوم وتغطس وتتشاجر وتتبادل الأناشيد، حتى إن أسماكا وضفادع ودواب من دواب اليابسة والماء ظهرت في المياه، فسأل الأولاد آباءهم من أين جاءت هذه الدواب البحرية، فالمياه الحكومية معقمة بالمواد الكيماوية، ففكر الآباء وسألوا من هم أعلم منهم بالأخبار وفقه الأحوال وشؤون الحياة، فقالوا لهم: إنَّ الطيور التي تغدو وتروح، تحمل بين مخالبها بيوض الأسماك من برك بعيدة، فتقع منها في الماء وتتكاثر.

وتعلّم أطفال "حي الشعيرية" السباحة، وباتوا يقضون أيامهم في البركة العذبة التي كانت تتعكر بلهوهم، وكبرت حتى صارت بحيرة صغيرة، تتلوى وتختار أيسر الطرق ماضية بعناد إلى البساتين البعيدة. وابن عمنا الحكيم ما زال يبحث ويسأل عن طريقة يهرب بها إلى أمريكا أو أستراليا، أو كندا، فهذا ليس وطنا، إنه لا يصلح للسكن، إنه مقبرة أحياء.

نِصفُ أحياء البلاد عشوائية، لأنَّ رؤساءنا مشغولون بالحرب كما يزعمون، ولم يطلقوا طلقة واحدة على العدو، وأطلقوا كثيرا من الطلقات على أبناء الوطن الذين يهرّبون بعض المتاع المحرّم إلى البلاد.

طفر الحي على ضواحي المدينة مثل نبتة فطر، وهو مهدد بالإزالة وغزو الحكومة التي لم تجمع أمرها بعد، أتمسكه أم تدسه على هون في التراب، وكانت الحكومة قد وعدت كثيرا بتحرير الأرض المحتلة من العدو الغاصب، ولم تفعل، بل إنَّ محللين سياسيين دجالين برزوا لله الواحد القهار، ووعدوا بأنَّ قرار حرب التحرير الشعبية قد اتُخذ، وأنَّ الأرض المحتلة ستعود، فقال الناس: نحن نعيش على أرض محررة ولا نجد رخصة للبناء، فلتبق الأرض المحتلة محتلة، وخشوا وخافوا من أن تقوم الحكومة الموقرة بتحرير الأرض المحررة في الوطن.

تعلَّم الأولاد فنا واحدا من الفنون التي أوصى بها الأجداد، وهو السباحة، ولم يبق سوى الرماية وركوب الخيل، حتى يصيروا فرسانا، وباتوا أمهر من الضفادع في السباحة من غير معلم وفي أقل من خمسة أيام، وأمست صبايا الحي يسهرن على ضفة الساقية، ويتمتعن بأصوات الطيور الصاخبة وهي تزغرد لبزوغ الشمس وغروبها في الغدو والآصال.

 وسأل أحدهم مرة:

 غريب، مضت شهور على انفجار الأنبوب غضبا، ولم تصلح الحكومة الأنبوب المكسور، فلمَ لا نسود ولمَ لا نشيد، لا بد أن مياه هذا الأنبوب تسقي قوما، كيف لم ينتبهوا إلى انقطاع المياه، فالمياه هي الحياة.

 قال رجل عنده علم من الكتاب: إن أنبوب الماء الضخم يمتد ليروي مزرعة أحد الأمراء.

فقال أحدهم ساخرا: أمراء... نحن جمهورية وليس عندنا أمراء.

رد الثالث: عندنا، ولكن لهم أسماء أخرى مثل الرفيق والقائد والسيد اللواء.

وانتظر أهل حي شعيرية الحديد أن يسكن الأمير مزرعته الجديدة، فإذا سكن، طلب الماء فأصلحت البلدية الأبنوب فانقطع عنهم النبع، لكن كان بحمد الله للأمير فيلّات ومزارع كثيرة في بلاد بعيدة، بها حسناوات رخيصة الثمن ودور قمار، وكان ابن العم الطبيب يسعف بعض سكان الحي ويطببهم في البيت، ويصف لهم الأدوية، وينتظر مهربا ينقله عبر الحدود، ويسهر معنا ويختصم، كل ليلة على ضفة النهر الذي أطلقنا عليه اسم نهر العزبة، ونحن نسمع أم كلثوم، وعبد الوهاب، ويتصل بآخرين يزوّرون له جواز سفر.

 وكانوا يشيعون بين الفينة والأخرى أنَّ الحكومة ستهدم الحي، وتعوّض السكان ببعض أكياس الإسمنت، لبناء حي عشوائي جديد في منطقة أبعد، فيقلق السكان، ويتصلون بمعارفهم من أهل الحل والعقد، والمال والنقد، فيقولون لهم: لا تقلقوا، لأنَّ الدولة تخشى غضبة الشعب، ولن تجمع عليهم الضرّاء والعراء، وإن المرة الوحيدة التي دمرت فيه حكومتنا الرشيدة حيا كان إبان زيارة البابا يوحنا بولس، ولأن الحي العشوائي القبيح كان في طريقه، فأزالته، حتى لا تعكر بصره بمنظر الحي الكئيب، ومرة عرضت علينا شركة خليجية أن تقايض بيوتنا الرديئة المتهالكة بعمارات حديثة واسعة صحية، وناطحات سحاب مصحوبة بحدائق ودور رياضة، فقبلنا، لكن الحكومة رفضت رفضا قاطعا لأنه إهانة لها، وقالوا لنا:

هذا أمن قومي، كيف تبني لكم شركة خليجية ونحن موجودون.

 وتعطلت أمور ابن العم، ورجوناه أن يمكث، فأهل الحي بحاجة إلى علمه وحكمته وطبه، وأمسى مشهورا بين أقربائه وجيرانه، وتحسنت أحواله المادية، وكان لقبه الأحيمر، فصار الأسيمر من لفحة الشمس، وقال إنه سيبقى ما بقي النهر، فإن جفَّ وانقطع فسيرحل، فدعونا الله أن تبقى الحكومة غافلة عن الأنبوب المنفجر، وأن يمكث الأمير في البلاد البعيدة منشغلا بالحسناوات ومعارك القمار ربحا أو خسارة، وأن تبقى بيوتنا تجري من تحتها الأنهار وأبناؤها يطرقون الحديد المنتزع من العمارات القديمة بالليل والنهار.

كلمات مفتاحية