نقطة في آخر قصيدة الحياة.. الشاعر بين الانتحار والعاطفة المميتة

تاريخ النشر: 18.06.2022 | 23:51 دمشق

آخر تحديث: 19.06.2022 | 05:51 دمشق

حين يخرج الشعر من أوراق القول ليأخذ شكل الفعل؛ سكينًا كان أو حبلًا، حين يُخلق في أعماق الشاعر دافع قوي للهروب من زمانه ومكانه متجهًا بلحظة نحو أزقة الحياة الخلفية ليكمل وحدته على أهدأ ما يرام، حين يستسلم "سيزيف" لصخرته معلنًا غروب الرحلة مفتعلًا النهاية كما أرادتها روحه الشاعرة بشجاعتها المفرطة ونزعتها الانتقامية من كل ما هو مجهول، حينئذ يصبح الموت مجرد سؤال يطرق أبواب الروح منتظرًا الإجابة وما على الشاعر إلا أن يضع النقطة في آخر السطر ويمضي.

لا يُعد الانتحار ظاهرة نادرة في الوسط الأدبي، كما أنه ليس كمثيله في الحياة العادية؛ فهنا لا يُعدّ هربًا من واقعٍ قاسٍ فقط؛ بل يأخذ أحيانًا منحىً آخر بعيدًا عن الإحساس بثقل ضغوط العالم المحيط، فقد يتعرض الشاعر الذي يحمل أحاسيس مرهفة، مضاعفة أصلًا؛ لأزمات ليست قاتلة بالنسبة لغيره، إذ إن تكوين سيكولوجية الشاعر تختلف كثيراً عن الآخرين. ففي دراسة عن الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي مثلًا، يقول مُعدّ الدراسة ممدوح سكاف:

"كان الصوفي رومانسيًا متخبطًا برومانسيته، مفرط الحساسية والثورة، عاطفيًا، سوداوي المزاج، حاد الطبع، سريع الانفعال، يعاني من فقر مادي، وبيئة منغلقة، وفوق كل ذلك فشله في الحب".

إلى الشاعر عبد الباسط الصوفي

قد تراني الآن أعبث بأوراقك، لا تفزع، أنا مثلك "في أعماقي كائن عجوز، هرم، مريض، أحمق، يرتطم الآن ارتطامًا قاسيًا، على صخور تجارب وحقائق جديدة". أنا مثلك أحاول الوصول إلى النهايات لألوّح للحياة تلويحة أخيرة، أنا في مكانك تمامًا، قاربي لا يرسو إلا على شطآن الوجع، لكنني لست بشجاعتك. 

يخيل للناظر إلى سيرة حياتك أنها حياة عادية، لا تتجاوز المألوف لإنسان ولد في مدينة وادعة مثل حمص، أمضيت حياتك من الدراسة إلى التدريس ساعيًا وراء طموحك في تحصيلك العلمي، وقد يظن العادي فينا أن إيفادك إلى غينيا لتدريس اللغة العربية هناك، هو السبب المباشر في وضعك النقطة مبكرًا على آخر سطر الحياة، لكن العابر ببصيرته إلى ما بين سطورك سيصاب بالصمم من الصخب والتمرد الذي واجهت به وحدتك "وهذا ما التمسناه من شهادات محيطك الضيق". 

فبينما انشغل أقرانك بالتحليق تحت خيوط الشمس، كنت تعقد حبال الانطواء والعزلة حول روحك، هذا الأمر بالإضافة لحساسيتك المضاعفة، هشاشة مشاعرك وعوامل أخرى خارجية دفعتك للإجابة عن آخر سؤال في ورقة الأسئلة الوجودية: ما شكل الموت؟

عُرفتْ للشاعر الصوفي عدة محاولات للانتحار، بسبب تراكم اليأس بداخله، وعند فشل وصاله بمحبوبته "س"، كان وقْع هذه الأزمة العاطفية قاسيًا على روحه المرهفة، ما أدى به إلى إنهاء قصيدة حياته بطريقة مباشرة.

وعلى عكس "الصوفي" واجه رياض الصالح الحسين مطبات حياته بروح مقاومةٍ شرسة، فاختار الحب ميدانًا لإثبات وجوده

 ولم يكن الصوفي أول أو آخر من امتلك شجاعة الوصول إلى النهاية بإرادته، فالتاريخ والحاضر، يعرف أسماء لشعراء وأدباء؛ آثروا المثول لواقعهم واختاروا الوصول إلى ما اعتبروه "الحرية المطلقة" بلحظة.

إلى الشاعر رياض الصالح الحسين

على الرغم من فقدانك الجزئي للسمع والنطق، فإن ضجيج حياتك القصيرة ما يزال يطرق الجدران، كجوقة أطفال يلهون في مساحة لا تتجاوز قصيدة... أيها العابر من زمن لا أعرفه، أنا أيضًا:

"كائن ضعيف وحزين...

أمي تعلم بالأمر

وتتبرأ منه في جلساتها الدورية مع الجارات...

أبي يعلم بالأمر

ويردد كل ما رآني: (ثلثين الولد لخاله).

أخواتي يحاولن إخفاء الأمر عن أزواجهن.

زوجتي لا تحرك ساكناً... فهي الأخرى ضعيفة وحزينة مثلي؛

ألم تُخلق من ضلعي؟

ألم أُخلق من ضلعها؟

أطفالي يعلمون بالأمر

ويهمسونه في آذان أصدقائهم في منتصف حصة الرياضيات.

أصحابي يروون النكات عن ضعفي

 ويقهقهون..

أخوالي يعلمون ويتهمون أعمامي

أعمامي منشغلون بجمع محصول الزيتون

ولا يولون أهمية لكلام الناس

البقال في أول الشارع يعلم

لذلك لا يعطيني علب السجائر بالدين..

إمام المسجد يكتفي بالدعاء لي

      بالصلاح

الأنبياء يعلمون، ويقولون:

 (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).

سائق التاكسي يأخذ مني أجرة مضاعفة

ويركلني في منتصف الطريق.

القصيدة العمودية تعلم

لذلك لم تتقن كتابتي...

الإناث جميعهن يعلمن فيبتعدن عني مسافة أمان.

الشرطي يعلم،

 لكنه لا يحاول إلقاء القبض على الجاني...

السارق يعلم

 ويتربص ببيتي طوال الوقت

 بصقني الوطن خارج أسواره؛

لم تمنحني الغربة سوى لسانها البذيء؛

كلاب الشوارع لا تكلّف نفسها عناء النباح؛

أحجار الرصيف لا تحتفظ ببصمات أقدامي، أنا تائه دائماً..

أنا أعلم لكنني أخفي الأمر عني...

أنتم الآن ستعلمون

 وستكتفون بتمرير أيقونة أحزنني بيدٍ...

 وتشربون الشاي باليد

الأخرى".

إن كنتَ ما تزال تنشد الحقيقة، فسأقولها لك:

لم أكن على دراية بخطواتك المتعبة الباقية في وحل حياتنا، إلا في العشر سنوات الأخيرة، حين راحت قصائدك تدور في رحى الحياة كحبات قمح سِمَان، وبمجرد بدئي برحلة اقتفاء أثرك، وجدتني عاجزًا عن صياغة أي كلمة بقالب إنشائي يتخذ من المفردات الجامدة مادة مسبوكة تُلقى في حضن القارئ وكفى، وجدتُني أحلّق برفقتك نحو فضاء يشوبه الحزن واليأس والثورة واللاطمأنينة، فآثرتُ الكتابة، وجعلتُها رسالة موجهة إليك في عزلتك الأخيرة.

وعلى عكس "الصوفي" واجه رياض الصالح الحسين مطبات حياته بروح مقاومةٍ شرسة، فاختار الحب ميدانًا لإثبات وجوده، فكان هاجسه الأول والأخير؛ ليقول للآخرين: "أنا مثلكم، أعطي وأُعطى، أحبُ وأُحَب".

كذلك، وعلى الرغم من الحالة المرضية المزمنة، والتي استوطنت جسد رياض سنين طوال، كما هي حالة الحساسية المفرطة، فإن القشة التي قصمت ظهر حياته، كانت انتهاء علاقته بـ "هيفاء أحمد"، الشعلة التي أحرقت بيدره، فانطوى على نفسه لأيام مهملًا وضعه الصحي، لا شيء يؤنس وحدته سوى الكحول والتدخين، في حالة تشبه إلى حد ما الانتحار أو لنقل بشكل أدق؛ الاستسلام للمطب الذي واجهه، فكانت النهاية.

ربما تختلف حالة الصوفي عن رياض بجوانب عديدة إلا أنها تجتمع أيضًا في سطور واحدة وكثيرة، فكلاهما كتبا لأنثى مجهولة (السيدة "س")، نزوحهما نحو الحزن واليأس في أعمالهما الشعرية، الموت نتيجة أزمة عاطفية وإن اختلفت الطرق...

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار