نقاش حول «ترديد الشعار» لا ندم على الكرامة

تاريخ النشر: 08.03.2021 | 06:35 دمشق

اعتاد السوريون أن تفتتح صباحاتهم المدرسية بلوازم بعثية تتضمن تحية العلم والهتاف بشعار الحزب «أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة»، وما تيسّر من عهود على الاستعداد الدائم لبناء «المجتمع العربي الاشتراكي الموحد» والدفاع عنه، والتصدي للإمبريالية والصهيونية والرجعية التي تستهدفه في حركة مستمرة!

تبدو هذه الطقوس الآن جزءاً من عالم انقضى، رغم استمرار تكرارها الرتيب الكئيب في مناطق سيطرة النظام. وبالنسبة إلى الثائرين تشكّل صورة نموذجية عما خرجوا متظاهرين، ثم مقاتلين، لرفضه.

ما يُحيي هذه الذاكرة اليوم نقاش صاخب خاضه سوريو الثورة، قبل أيام، حول عبارة جذابة شهيرة هي: «تجرأنا على الحلم ولن نندم على الكرامة». وهي الجملة التي طُرزت على ثوب وعد الخطيب، مخرجة فيلم «For Sama»، الذي يوثق جرائم النظام في حلب، في حفل توزيع جوائز الأوسكار التي رُشح الفيلم لها العام الفائت. وافتتحت صفحته على فيسبوك بإحياء الذكرى العاشرة للثورة السورية، باكراً، بطرحها هذه الجملة في إطار frame سارع كثير من الناشطين إلى اعتماده ليحيط بصورتهم الشخصية على موقع فيس بوك. وبالمقابل، حفّز هذا الانتشار الكبير والسريع للشعار ناشطين آخرين، من بيئة الثورة، على رفض «الإطار» الواحد الموحد، الذي بدا لوهلة أن الاندراج فيه واجب على الجميع، كما انتقلوا إلى نقد الشعار نفسه متسائلين عن أي «كرامة» يتحدث بالفعل؟

ففي سوريا الخرِبة راهناً نقصت كرامة عموم السكان بشكل مريع خلال عَقد مضى من عمر الثورة. فقد تعرّض مؤيدوها لأنواع من الإذلال بدأت في المعتقلات واستقرت في المخيمات، ومرت بالحصار الذي فُرض تحت شعار «الجوع أو الركوع». وحتى اللاجئون في دول الجوار والمَهاجر لا يشعرون بوفرة في الكرامة، وهم يشتكون عادة من التمييز ومصاعب الاندماج والسلوكات العنصرية الواقعية أو المتوهمة. وباتت سوريا ما قبل «الجرأة على الحلم» تشكّل، بالنسبة إلى كثير منهم، الحضن الدافئ المفقود الذي يتمنون استعادته المستحيلة، رغم عُجره وبُجره.

على الضفة الأخرى، في أوساط مؤيدي النظام ومجمل سكان مناطقه، أودت الأزمة الاقتصادية الخانقة بما تبقى من كرامة تركتها لهم السياسة، خاصة بعد ترسيم سوريا بوصفها البلد الأكثر فقراً في العالم وفق تقديرات صدرت مؤخراً.

حتى السلطة الأسدية نفسها، المتغوّلة والمتوحشة، وبما فيها رأس النظام، باتت أقل استقلالية وتفرداً بالقرار مع وجود هذا العدد الكبير من الشركاء والدائنين مادياً ورمزياً، بدءاً بروسيا وانتهاء بميليشيات طائفية صغيرة وبائسة من العراق وأفغانستان، مروراً بإيران.

عن أي كرامة يتحدث الشعار إذاً؟ يقول منتقدوه. ربما عن فئة نادرة من الناشطين أتاحت لهم علاقاتهم بالمنظمات الدولية، وتبكيرهم النسبي في الخروج من البلاد، فرصاً في الترقي المهني والرخاء المادي وصعود سلم المجد باسم من استمروا يتقلبون في أوحال المعاناة.

من يرفض الكرامة؟ لا أحد بالتأكيد. ولكن أين هي؟!

إن أحداً لم يقل إن كرامة السوريين اليوم أوفر من لحظة جرأتهم الحالمة، لكن العلة أن الزمن «الموقت» لانتقالهم المأمول طال فصار دهراً من العذابات المتواصلة والمتراكمة

وهل بدت المحاكمة السابقة مقنعة؟ نعم. ولكنْ للحديث وجوهٌ كثيرة..

إذ لا يستمد أي شعار قيمته من أنه حقيقة علمية أو جملة صحافية لوصف الواقع، بل من قدرته على الإلهام. وحالما تنتهي هذه القوة، بتحققه في الأرض أو باهترائه وفقدان طاقته، يموت ببساطة. ومن الواضح أن الجملة المشار إليها ما تزال تبعث العزيمة في عدد يصعب إحصاؤه ممن تبنوها رمزياً من خارج البلاد، وممن يرفعونها في مظاهراتهم في الداخل المحرر. إن أحداً لم يقل إن كرامة السوريين اليوم أوفر من لحظة جرأتهم الحالمة، لكن العلة أن الزمن «الموقت» لانتقالهم المأمول طال فصار دهراً من العذابات المتواصلة والمتراكمة. لا يستطيع أحد أن يعيد العجلة إلى الوراء ويوقف طريق التغيير الدامي الذي انطلق عام 2011، لا من أعدائه ولا من مؤيديه وسالكيه المنهكين. مثلما أن التلاوم وتراشق المسؤولية عنه هو أمر يخرج عن النقاش المجدي. ليس هناك أي معنى للقول «ليتها لم تكن» إلا شعرياً، فقد كانت وانتهى الأمر. وحتى الذين كان يراودهم القلق، أو الأمل، من احتمال ترجمة النظام لسلسلة انتصاراته العسكرية، قبل سنوات، تعويماً سياسياً وإعادة إعمار واستمراراً في الحكم؛ باتوا يعلمون أن هذا الاحتمال بعيد أيضاً، مثله مثل كل سيناريوهات «الحل» السوري.

من حق أي شخص أن يتعب، أن يمل، أن يصرخ. من حقه أن يتراجع حتى عن الأيام الأنبل في حياته. وهو لا يندم هنا على الكرامة بل على عربونها الباهظ وطيفها المتفلّت وملاحقتها السيزيفية. غير أن هذا كله من دون نتيجة، فقد وضعت الثورة استحقاق التغيير على جدول أعمال المستقبل وخرجت صلاحية سحبه من أيدي الجميع. أما الكلام المجدي فهو عن حصة المساهمة في هذا التغيير وشكله، الآن وفي السنوات القادمة.

ما الذي يبقى من هذه المكلمة عن العبارة والحلم والكرامة إذاً؟ قليل من المؤشرات التي قد يكون استعراضها مفيداً. فمن جهة تعكس هذه المعركة ضيق صدر كثير من السوريين بالتعبيرات الشكلية على فيسبوك، وسخريتهم من تغيير صورة البروفايل كدلالة على العجز عن فعل يستحق هذا الاسم، ما يوحي بالرغبة في تقديم ما هو أهم وأكثر جدية عند تخلخل حالة الاستعصاء العامة. ومن جهة أخرى يشير نقد الشعار إلى حساسية قسم من مناصري الثورة في منع تحول أهدافها إلى أيقونات مقدسة، طالما أن مفردتَي الحرية والكرامة هما أبرز ما نادت به. وإن النظر إلى واقع الكرامة من دون تجميل ولا خديعة للذات والآخرين هو مما يحول دون ترديد الشعارات بطريقة متشنجة أو ببغائية خاوية من المعنى كما أصبحت أدبيات حزب البعث المفروضة في المدارس.

يبقى أن يتقبل صقور الثوار هذا النقد ويتفهموا دوافعه ووظيفته، وأن تتسع مساحة حرية الاختلاف والنقاش والتقويم والمعايرة والواقعية والتهكم. هذا كله في قلب حيوية الثورة التي دفعتها قسوة النظام المفرطة إلى تصلب مضاد، تنبغي مقاومته وكسر أسواره وتليين مفاصله على الدوام.