نضال الكتلة الوطنية منذ الثورة السورية الكبرى وحتى جلاء المستعمر

17 نيسان 2019
تلفزيون سوريا

يصادف اليوم الأربعاء الذكرى السنوية الـ 73 لاستقلال سوريا والمتعارف عليه في سوريا بعيد الجلاء، حيث يحتفل السوريون في هذا اليوم بذكرى جلاء آخر جندي فرنسي بعد 26 عاماً من الانتداب الفرنسي.

وفي هذه الفترة العصيبة التي تمر بها سوريا بعد ثماني سنوات من الحرب المدمرة التي شنها نظام الأسد على الشعب السوري الثائر، يستحضر السوريون ذكريات الجلاء الذي جاء بعد سنوات من النضال العسكري والسياسي، استطاع خلاله السوريون من نيل استقلالهم وبناء دولتهم الوطنية.

ومنذ اليوم الأول للثورة السورية في آذار 2011 كان ذكرى الجلاء حاضراً بوجدان الشباب السوري الثائر، وتجلى ذلك في أكثر من مناسبة من خلال إطلاق أسماء رموز الثورة السورية ضد الفرنسيين على المظاهرات التي عمت سوريا كسلطان باشا الأطرش، وصالح العلي، وصولا لاعتماد علم الاستقلال كعلم للثورة السورية ضد بشار الأسد.

وطوال فترة حكم آل الأسد سعت المكنة الإعلامية للتركيز فقط على رموز النضال العسكري، وتغييب رموز النضال السياسي الذي خاضه رجالات الدولة الوطنية لنيل الاستقلال، ولم تكتفِ بذلك بل اتهمت هؤلاء السياسيين الوطنيين بأنهم رموز الرجعية والبرجوازية المرتبطة بالاستعمار، في محاولة بائسة لطمس المفهوم الوطني الذي يعري حقيقة عمالة هذا النظام ويظهر زيف ادعاءاته.

فالنضال السياسي الذي قاده رجال تلك المرحلة، كان نموذجاً وطنياً يحتذى به وقدموا دروسا مازالت محفورة بوجدان السوريين

تمتع معظم رجال الكتلة الوطنية بتعليم عالٍ في مجالات عدة كالقانون والإدارة العامة والطب، وشكل المحامون وأساتذة القانون ثلث أعضاء الكتلة

إلى يومنا هذا، وتجسد هذا النضال بالكتلة الوطنية التي تأسست بعد الثورة السورية الكبرى من قبل مجموعة من السياسيين السوريين المطالبين بوحدة البلاد واستقلالها.

وضمت الكتلة زعماء وطنيين مثل إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وشكري القوتلي وجميل مردم بك وفخري البارودي ومظهر رسلان ونجيب البرازي وعبد الكريم الكيلاني، وتوسعت لتشمل المعفى عنهم في المعتقلات والمنافي كفوزي الغزي ولطفي الحفار وفارس الخوري وحسني البرازي وسعد الله الجابري.

وتمتع معظم رجال الكتلة الوطنية بتعليم عالٍ في مجالات عدة كالقانون والإدارة العامة والطب، وشكل المحامون وأساتذة القانون ثلث أعضاء الكتلة.

وشاركت الكتلة الوطنية في الانتخابات التأسيسيّة لعام 1928 ولم تحقق الغالبية البرلمانية، غير أن أداء نوابها في الجمعية ورفض تمرير التعديلات التي طالب بها المفوض الفرنسي السامي الذي عطل ستة مواد بداعي تعارضها مع سلطات الانتداب، قد منح أعضاء الكتلة شعبية واسعة بين الشعب، كالمدافعة الأولى عن حقوق الشعب السوري بالوحدة والاستقلال.

وفي انتخابات عام 1932 ورغم تزوير السلطات الفرنسية هذه الانتخابات في حلب استطاعت الكتلة الوطنية تحقيق نتائج جيدة وساهمت في إيصال محمد علي العابد إلى سدة الرئاسة عام 1932، كما شاركت في حكومة حقي العظم بنصف المقاعد، وانقلبت على الحكومة على إثر الخلاف حول معاهدة السلم والصداقة مع فرنسا التي طرحت عام 1933، والمظاهرات الحاشدة التي نظمت بناءً على طلب إبراهيم هنانو والتي أدت إلى استقالة الحكومة وخروج الكتلة من السلطة.

لكن الكتلة الوطنية ما لبثت أن عادت إلى واجهت الأحداث في تلك الفترة بعد الإضراب الستيني الذي تم بناء على دعوة رجال الكتلة الوطنية ما دفع سلطات الانتداب لاعتقال أغلبهم وحظر نشاط الكتلة وإغلاق مكاتبها في حلب ودمشق.

ومع استمرار الإضراب الستيني اضطر الفرنسيون عام 1936 للتفاوض مع الكتلة الوطنية والتي شكلت وفداً برئاسة هاشم الأتاسي وعضوية كل من سعد الله الجابري، والشيخ أحمد بن زعل باشا الرفاعي، وفارس الخوري، وجميل مردم، وأدمون حمصي، ومصطفى الشهابي، ونعيم الأنطاكي.

وسافر الوفد إلى باريس بهدف التفاوض مع الحكومة الفرنسية واستمرت المفاوضات لمدة ستة أشهر، أفضت لاتفاقية عام 1936 والتي نصّت على استقلال البلاد وإخراجها من دائرة الدول المنتدب عليها من قبل فرنسا، وعقد صداقة وتحالف بين البلدين، إلا أن الجمعية الوطنية الفرنسية أحالت الاتفاقية إلى لجنة الشؤون الخارجية فيها لدراسته، فاقترحت اللجنة الامتناع عن تصديقه حفاظاً على مصالح فرنسا في الشرق إذا قامت حرب عالمية جديدة، وقبلت الحكومة الفرنسية قرار الجمعية الوطنية، وحاولت التملص من التزاماتها تجاه سوريا فسحبت داميان دي مارتيل كمفوض سام على سوريا ولبنان، وعيّنت مكانه أحد غلاة اليمينيين غابرييل بيو، مع تعليمات واضحة بطي المعاهدة.

وصل المفوض السامي الجديد إلى بيروت في الأسبوع الأول من عام 1939، وصرح بأن حكومته قد عدلت عن تصديق المعاهدة، وأنها ستعود لتطبيق سياسة الانتداب، ليعلّق الفرنسيون بعد ذلك العمل بالدستور مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ويشكلون حكومة موالية للانتداب برئاسة بهيج الخطيب، وبذلك عادت الكتلة إلى المعارضة.

وفي عام 1943 بعدما تمكن الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية من حسم معارك الشرق الأوسط لصالحهم تم تنظيم انتخابات برلمانية في سوريا تمكنت خلالها الكتلة الوطنية من الفوز بغالبية مقاعد البرلمان، وتم انتخاب شكري القوتلي رئيساً لسوريا، وسعد الله الجابري رئيساً للبرلمان بينما شغل فارس الخوري منصب رئيس البرلمان.

وخلال عام 1944 بدأت فرنسا بتسليم السلطات السورية جميع المصالح الحكومية ماعدا إدارتين اثنتين: القطعات العسكرية وإدارة الأمن العام‏، وبعد مطالبة وزير الخارجية السورية آنذاك جميل مردم بك من المفوض السامي الفرنسي الجديد الجنرال بينيه بالإسراع في تسليم هذه الإدارات عاد المفوض السامي الفرنسي باقتراح غريب، وهو عقد معاهدة جديدة تحدد العلاقات بين فرنسا وسورية لمدة 25 عاماً قابلة للتجديد، ورد عليه وزير الخارجية السورية بأنه جرى عقد معاهدة سابقة بين الطرفين عام 1936 ولكن الحكومة الفرنسية تجاهلتها ولم تصدقها لذا فلا مجال للعودة إلى الوراء!‏‏

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وصلت قوات فرنسية وسنغالية إلى سوريا، وتمركزت في العاصمة دمشق، لتزداد بعدها حدة التوتر بسبب إصرار الكتلة الوطنية على تبعية الجيش الوطني للحكومة السورية وهو ما رفضته فرنسا، لتندلع بعدها الغاضبة بمختلف أنحاء البلاد، وتخللت المظاهرات أعمال عدائيّة للمظاهر الفرنسية، كنزع لافتات المحلات التجارية المكتوبة باللغة الفرنسية، وحرق الكتب الفرنسية علنًا أمام دار الحكومة. وفي اليوم الثالث من المظاهرات أي 28 أيار، أحرقت عددا من الآليات والمكاتب الفرنسيّة، وسحبت فرنسا موظفيها إلى أماكن آمنة محددة داخل المدينة، في حين كانت دمشق تنتفض عن بكرة أبيها.

وردا على التهديدات العسكرية الفرنسية قام رئيس الحكومة السورية بالوكالة جميل مردم بك بوضع خطة لاستدعاء ضباط وجنود الوحدات الخاصة لتشكيل جيش وطني، وشرعت المدن السورية تتأهب لرد أي عدوان مسلح وقدم المئات من الشبان أنفسهم كمتطوعين لحمل السلاح كما بدأ الضباط والجنود بالالتحاق بقوى الدرك والشرطة وكذلك فعل العديد من النواب اللذين ارتدوا اللباس العسكري وصاروا يتدربون على القتال في ثكنة الشرطة الموجودة في القلعة.‏

وفي يوم 29 من أيار عام 1945 جهزت القوات الفرنسية خطة عسكرية لاستهداف البرلمان السوري وقتل جميع أعضاء المجلس والوزراء وذلك خلال جلسة للبرلمان يحضرها الوزراء الساعة السادسة مساء.

وفي الساعة الثالثة طلب ضابط فرنسي من الحامية السورية المرابطة حول المجلس بتحية العلم الفرنسي عند إنزاله في المساء عن دار أركان الحرب الفرنسية

لم يتوقف القصف الفرنسي على المجلس النيابي فقط بل طال القصف بالأسلحة الثقيلة خلال مساء 29 من أيار ونهار 30 أيار أحياء دمشق

المواجهة للمجلس، وعند رفضهم ذلك بطلب من رئيس المجلس النيابي سعد الله الجابري، اتخذ الفرنسيون ذلك الرفض ذريعة لمهاجمة حامية المجلس من خلال القوات السنغالية، ما دفع الحامية للرد على الهجوم الفرنسي، لكن الفرنسيين استخدموا مدافع الهاون والدبابات والمصفحات والأسلحة الثقيلة في مهاجمة المجلس الذي كان قد ألغى قبل ذلك الجلسة بسبب عدم اكتمال النصاب.

ولم يتوقف القصف الفرنسي على المجلس النيابي فقط بل طال القصف بالأسلحة الثقيلة خلال مساء 29 من أيار ونهار 30 أيار أحياء دمشق، ما دفع المدنيين للجوء إلى أحياء دمشق القديمة.

بعد القصف الفرنسي الذي تواصل على دمشق استدعى رئيس الجمهورية آنذاك شكري القوتلي الذي كان يتعافى من مرض أصابه ممثلي الدول الكبرى وأبلغهم بأنه سينزل إلى الشوارع على نقالة ليستشهد مع أبناء شعبه إذا لم تتحرك دولهم لإيقاف هذه المجزرة المروعة، كما رفض عرضاً من السلطات البريطانية بأن يذهب تحت حماية الدبابات البريطانية إلى الأردن، وقال للسفير البريطاني "سأموت مع شعبي هنا في دمشق"، وقد نقل السفراء والدبلوماسيون كلامه وطلباته إلى حكوماتهم.

على إثر العدوان الفرنسي الغاشم أجبرت بريطانيا فرنسا على إيقاف القصف وطالب رئيس الوزراء البريطاني من الجنرال الفرنسي ديغول بوجوب عودة القوات الفرنسية إلى ثكناتها، وكان ثمن صمود الشعب السوري في هذه المحنة، وإصرار الكتلة الوطنية خلال المفاوضات الدولية على رفض وجود أي قوة عسكرية أجنبية في سوريا، إنشاء جيش وطني سوري وتسليمه كافة الثكنات العسكرية، ليتخذ بعد ذلك مجلس الأمن الدولي قرارا في شهر شباط عام 1946 بوجوب جلاء فرنسا وزوال الانتداب، وهو ما نفذته فرنسا وسحبت آخر قواتها في 17 من نيسان 1946.

مقالات مقترحة
رئيس حكومة نظام الأسد: سبع نقاط للمعالجة وتسعة برامج أولوية
غباء "البطاقة الذكية"يرهق المواطنين في مناطق سيطرة نظام الأسد
غرفة زراعة نظام الأسد: التصدير ليس على حساب المستهلك.. ولم يتوقف
ارتفاع عدد الإصابات بكورونا شمال غربي سوريا إلى 760
42 إصابة جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
الدفاع المدني يدفن شخصين يشتبه بإصابتهم بكورونا في مدينة الباب