نصر الله يتقمّص جثّة قاسم سليماني

تاريخ النشر: 28.12.2020 | 23:01 دمشق

في حواره الأخير مع قناة الميادين، حرص الأمين الام لحزب الله حسن نصر الله على إظهار التّماثل والتّطابق مع قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي قتله صاروخ أميركيّ في العراق مطلع العام.

أعلن عن شعوره أنه وسليماني شخص واحد في سياق حديثه عن محاولة اغتياله الثّلاثية الأركان، الّتي اقترحتها السعودية ووافقت عليها واشنطن وأوكلت إلى إسرائيل مهمة تنفيذها.

سليماني كان قد نجح في أن يحوّل نفسه إلى محرّك رئيسيّ للنشاط الميدانيّ والأمنيّ الإيرانيّ في كل المنطقة.

الميزة التي كان يتمتع بها جعلت من خسارته فادحة وغير قابلة للتّعويض من ناحية، وأبرزت ضعف الطابع المؤسّساتي المحكم في البنية العسكريّة الإيرانيّة وكرّست حضورها كنوع من ميليشيا منظمة، تمتلك إمكانيّات كبيرة، ولكن تغيب فيها التركيبة القياديّة المتعدّدة الوظائف والمهمّات، وتقتصر على مركزيّة قيادية مطلقة تنحصر عمليًا في رجل واحد.

ذلك الرجل كان قاسم سليماني، وقد شهدت حركة الميليشيات الإيرانية بعد اغتياله تصدّعات ملحوظة على الرّغم من أن قدراتها الميدانيّة لم تتأثّر كثيرًا، وقد طال هذا الأثر حزب الله وكل المنظّمات التي تدور في فلك إيران.

البنية الأمنيّة والعسكريّة التي كانت تجعل رجلاً واحدًا يقوم بدور مخزن الأسرار والخطط، ومطلق ومنفّذ المشاريع الميدانيّة، كانت تؤمّن حماية قصوى لكلّ الأهداف، ولكنها تجعل اغتيال الرجل يتخذ طابع ضرب كامل المشروع.

نصر الله يقدّم نفسه كحامل للدّور الذي تلقّى باغتيال سليماني طعنة في القلب. يحاول أن يحيي جثّته وأن يسكن فيها في محاولة لبثّ النّبض في المشروع الذي بدت تباشير انحلاله تتجلّى.

يسعى لكي يضع سيناريو اغتياله في قلب خطاب يقول فيه لجمهوره إنّ سليماني يمكن أن يحيا مرة واحدة بعد، في شخصه وفي ما يحمله من أفكار ومواقف، وإنّ هذه المعجزة تحتاج للدّفاع عنها بالدّم والرّوح.

الهالة القصوى والأسطورية المرسومة لسليماني والتي جعلته لا يقهر تشظّت بموته الذي شاءته إدارة ترامب استعراضيا ومهولا بشكل بدا أنه يستهدف تفجير أسطورة الرجل

يصوّر مشهد اغتياله وكأنه الموت النهائي للمشروع الإيرانيّ في العالم، ويتعامل معه كأحد الممكنات والاحتمالات، ولعل هذا البعد الجديد في مخاطبة جمهوره والرأي العام يتأسّس على المسار الذي فتحه اغتيال سليماني، حيث رسم خطوطا عريضة لا يمكن التّلاعب بحدودها أو تجاوزها.

الهالة القصوى والأسطورية المرسومة لسليماني والتي جعلته لا يقهر تشظّت بموته الذي شاءته إدارة ترامب استعراضيا ومهولا بشكل بدا أنه يستهدف تفجير أسطورة الرجل. لم يعد من الممكن بعد فظاعة مشهد الاغتيال خلق هالة توازي سليماني أو تستبدله، بل لا مفر من إعادة تكوين أسطورته مع إدخال عنصر واقعيّ جديد وشديد الفاعليّة، وهو احتمال التعرّض للقتل.

بعد موت سليماني صار نصر الله بمثابة القتيل، بل لم يعد اغتياله حاملا لمعنى أساسيّ ومفصليّ ومؤثر في سياق الأحداث، فهو ليس شخصية أمنية رفيعة، وليس قائدا ميدانيا مرموقا.

وزنه كان ملحقا كما صرّح بنفسه في مرات عديدة بكونه جنديا في جيش ولاية الفقيه. تاليا جعل اغتيال القائد الأساسيّ لمشروع ولاية الفقيه من اغتيال نصر الله حدثا عابرا لا يحمل تأثيرًا سياسيًا ولا أمنيًا على سياق الأحداث، بل لا يعدو كونه في حال تنفيذه مسبّبًا لآثار عاطفية في نفوس جماهيره وخصومه.

تحويل العاطفي إلى استراتيجي، ومحاولة وضعه في قلب الأحداث، وتصويره على أنّه القاسم المشترك الذي تبنى على أساسه التّحالفات والسّياسات الإقليميّة والدوليّة، يعني أننا أمام تحوّل بارز في بنية تعاطي الحزب الإلهيّ مع نفسه ومع العالم.

 بات حزب الله موقنا أنه كيفما تقلبت رياح المتغيرات الدولية فإنها لن تصب في صالحه على الإطلاق، وإنّ رهانه على تحويل لبنان إلى ساحة مغلقة يتفاوض على أساسها مع العالم، لم تعد مجدية.

ما أسّس له من إفقاد البلد لحضوره ودوره، خصوصيّته وحيويّته، وتحويله إلى بؤرة أمنيّة تعشّش فيها كل أنواع الفساد، جعل الاستثمار في إنقاذه يتّخذ صيغة تمويل مباشر له.

فقد حزب الله موقع التّفاوض على البلد وكذلك فقد الحضور والدّور في الشّأن السوري، لأن ميدان تقاسم النفوذ في سوريا يخضع لصراعات وتبادلات بين قوى عظمى، كما أن التّنافر بين مصالحه ومصالح الحليف الأسدي جعل كامل النّفوذ الإيراني في سوريا انتقاصا من حصّة ودور هذا الحليف ومستقبله.

يضاف إلى ذلك أن الخرائط التي يظهر أن إدارة بايدن ستسعى إلى رسمها في سوريا، تكشف عن نوايا لخلق واقع أمنيّ واستراتيجيّ لا يختلف في جوهره عن المنطق الترامبيّ في الأهداف، وإن كان يخالفه في التّدابير والإجراءات.

إيران خلقت تحالفات عريضة ضدّها في المنطقة والعالم واكتسب الصّراع معها طابعا يتجاوز، في أبعاده وحدوده، الإشكاليات الخاصة بالمنطقة ليصبح جزءا من صراع تقاسم النّفوذ العالمي.

في ظل توسّع حدود الصراعات تحوّل حزب الله إلى مجرد لاعب صغير، وبات تقمّص نصر الله لسليماني والتّوظيف العاطفي لصورته قتيلًا مشهدًا كاريكاتوريًا أمام مشهد مجزرة كبرى تلوح في الأفق، قد تستطيع إيران فتحها والتّسبب فيها ولكنها، هذه المرة ستكون على حسابها.

يحاول نصر الله أن يجبرنا على الانتقال من السّكن في زمن هيستيريا الإصبع المهدّد إلى فانتازيا تقمّص جثّة سليماني

المتغيّرات تعلن أن لعبتها المألوفة القائمة على تحويل الدّم السّوري خصوصا واللّبنانيّ والعراقيّ واليمنيّ عمومًا إلى دم رخيص لا بواكي له ستنقلب عليها، وستحكم مصير نظامها الذي صار موته، الشّاق ولكن المتوقّع، عنوانًا لأمل المنطقة في العيش والنّجاة.

يحاول نصر الله أن يجبرنا على الانتقال من السّكن في زمن هيستيريا الإصبع المهدّد إلى فانتازيا تقمّص جثّة سليماني، والإيمان بأنها قد بُعثت فيه لمرّة واحدة وأخيرة، يجب أن تستجرّ انتصارات حاسمة ونهائيّة.

يعلم قائد الحزب الإلهي أن جثّة سليماني التي يرتديها كعنوان لتجديد المشروع غير قابلة للبعث، ولكنّه يحبّ استبدال النّعي المباشر بالنّواح الطّويل الّذي يردّد أصداء أصوات صواريخ خلبيّة.