نشوان الأتاسي.. الوحدة مع مصر والانقلاب

تاريخ النشر: 04.09.2021 | 05:20 دمشق

آخر تحديث: 04.09.2021 | 17:10 دمشق

الحلقتان اللتان أجراهما الصحفي شعبان عبود مع الكاتب السياسي نشوان الأتاسي، ضمن برنامج الذاكرة السورية ممتعتان، ومهمتان للغاية. هما مهمتان، كما أزعم، لسببين؛ أولهما أن كل جملة كان يقولها الضيف نشوان، تتضمن معلومة جديدة علينا نحن السوريين.. أقول جديدة لأن معلوماتنا العامة عن فترتي الخمسينيات والستينيات، مثلاً، تكاد أن تنحصر بخطوط عريضة، صنعتها الكتب المدرسية، والخطابات، والكتابات الإنشائية، دون أي غوص في التفاصيل، أو إضاءة للأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والظروف الدولية التي أدت إلى وقوع تلك الأحداث، وثانيهما؛ أن الضيف كان حذراً جداً في إطلاق الأحكام والاستنتاجات المفتوحة على احتمالات متعددة، واكتفى بعرضها، ووضعها، جملة وتفصيلاً، أمام المشاهد، ليكون (المشاهد) شريكاً في استخلاص النتائج، بدلاً من أن يكون متلقياً مسلوباً. ولعل العبارة الأكثر تعبيراً عن الواقع هي التي قالها في نهاية الجزء الأول من الحوار: هناك أحداث كثيرة وقعت في سوريا، إذا نظرتَ إليها ضمن المعطيات المحيطة بها، ستبقى غامضة، وغير مفهومة.

عن الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958

كانت سوريا قبيل الوحدة دولة ديمقراطية. فإقامة الوحدة مع أية دولة أخرى تعني تغيير نظام الحكم على نحو شامل، وهذا يقتضي أن تتقدم الحكومة بمشروع قرار، ليصدّق عليه البرلمان، والبرلمان قد يستغرق شهوراً في مناقشة المشروع، لأن كل القوى السياسية كانت ممثلة فيه، وقد يصل إلى اتخاذ قرار برفض الفكرة من أساسها.

في الفترة الممتدة بين سنة 1949 و1958 (وبعد ذلك طبعاً) كان الجيش يتدخل في الحياة السياسية، والسياسيون يتدخلون في الجيش، وكان يندر أن يوجد ضابط غير منتسب لحزب البعث، أو الحزب الشيوعي، أو القومي السوري، أو جماعة الإخوان، مع أن ذلك ممنوع في قانون الجيش.. وما حصل أن ثلاثة عشرة ضابطاً بقيادة رئيس الأركان عفيف البزري، تسللوا ليلاً وسافروا إلى مصر، وطلبوا من عبد الناصر أن يقيم الوحدة (دون حتى إعطاء علم للحكومة السورية)، وعبد الناصر وافق، بعدما وضع شروطه المعروفة، وأهمها حل الأحزاب، وهكذا كانت الوحدة مع مصر تشبه انقلاباً عسكرياً سورياً..   

الجماهير السورية إذن، لم تكن هي التي صنعت الوحدة، كما تقول الكتب ذات الطبيعة التعبوية، مع أن الجماهير كانت تؤيدها نتيجة لثلاثة عوامل؛ أولها تعاطف السوريين مع مصر خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956، وثانيها كاريزما عبد الناصر، وثالثها المد القومي الذي كان في أوجه يومذاك.

أميركا راضية عن الوحدة

من المعلومات المهمة جداً التي وردت في المقابلة، أن أميركا لم تعارض الوحدة بين الدولتين، بل أيدتها، لأن سوريا منذ سنة 1955 كانت متجهة في سياساتها نحو المعسكر الشيوعي، وعقدت مع السوفييت صفقات لشراء السلاح، ومعاهدات اقتصادية كبيرة، وكان عبد الناصر قبيل قيام الوحدة، يلاحق الشيوعيين في مصر ويصفيهم، فكانت الوحدة في نظر الأميركان، إخراجاً لسوريا من تحت النفوذ السوفييتي.

ولم تكن أميركا تخاف على أمن إسرائيل من الوحدة، لأن حرب 1956 انتهت بوضع قوات دولية فاصلة بين أكبر جيش عربي، الجيش المصري، وإسرائيل.   

عوامل إخفاق الوحدة

لا توجد حدود جغرافية بين سوريا ومصر تغري بإقامة وحدة اندماجية، إضافة إلى أن نظامَي الحكم في البلدين كانا متباينين جداً. في مصر نظام حكم مركزي، بينما نظام سوريا منفتح اقتصادياً، ليبرالي، والعملة السورية كانت قوية، بينما المصرية تعاني.

بخصوص الإصلاح الزراعي والتأميم: كان يسيطر على الزراعة والصناعة في مصر أجانب مقيمون فيها (ألبان وأتراك ويونان، وآخرون).. وبهذا كان التأميم في مصر ذا بعد وطني، يخلّص الأراضي والمنشآت من الأجانب، ولكن تطبيقه في سوريا كان خطأ كارثياً، لأن البرجوازية السورية وطنية، وكذلك القطاع المصرفي، والزراعة، ولم يكن الرأسماليون السوريون المنتجون يرسلون أموالهم إلى الخارج، بل كانوا يوسعون بما يتحقق لهم من أرباح استثماراتهم محلياً، ولكن بعد التأميم بدأت الأموال تُهَرَّب إلى الخارج، وبالأخص إلى لبنان.

أدى قيام الوحدة، والسياسات المتبعة خلالها، إلى تذمر لدى مختلف مكونات المجتمع السوري، فقد بدأ العهد بملاحقة الشيوعيين، مثلما هو متوقع.. ولأجل أن يتجنب نظام الوحدة خطر العسكر، تم تسريح 4800 ضابط من البعثيين والشيوعيين والإخوان والقوميين السوريين، واستعيض عنهم بضباط مصريين، وهؤلاء جاؤوا إلى سوريا معتبرين أنفسهم فاتحين، وسوريا مزرعتهم، وقد بقي في الجيش السوري بعد التسريح مجموعة عرفت باسم "الضباط الشوام"، وهؤلاء لا مرجعية سياسية لهم، وهم الذين قاموا بالانقلاب الذي أدى إلى الانفصال.

طرائف على هامش اللقاء:

الطرفة الأولى: لدى وقوع الانفصال في سنة 1961، حاول الجيش المصري استعادة الوحدة بالقوة، وجرى إنزال مظلي بالقرب من اللاذقية، فقامت القوات السورية بإحباطه، واعتقلت عناصره.

الطرفة الثانية: حرك عبد الناصر الأسطول البحري باتجاه سوريا، لاستعادة الوحدة، وعندما وصل الأسطول إلى منتصف الطريق، أتاه إيعاز بالعودة فعاد.

الطرفة الثالثة: في شهر شباط فبراير 1962 ذهب وفد من الضباط السوريين إلى مصر، وعرضوا على جمال عبد الناصر إعادة الوحدة مع سوريا، فرفض رفضاً قاطعاً.

الطرفة الرابعة: تشكلت اللجنة العسكرية السورية في مصر سنة 1959، من محمد عمران، وأحمد المير، وصلاح جديد، وعبد الكريم الجندي، وحافظ الأسد. ومع حدوث الانفصال أعيدوا إلى سوريا مسرحين من الجيش. وبعد ذلك وسعوا اللجنة، وسمّوا أنفسهم "الضباط الأحرار" أسوة بضباط مصر 1952.. وهؤلاء الضباط الأحرار هم الذين قاموا بانقلاب 8 آذار 1963.

الطرفة الخامسة: لم يكن انقلاب 1963 بعثياً، فالبعث حُلَّ في سنة 1958، لأجل الوحدة، وكان البعثيون يومئذ يظنون أنهم سيديرون دولة الوحدة، ويبقى عبد الناصر واجهة، (على أساس أنه غر في السياسة)، ولكن عبد الناصر تمكن من وضعهم على الرف.

الطرفة السادسة: كانت رتب الضباط الذين سيقومون بانقلاب 1963 صغيرة، فاستعانوا بالعميد زياد الحريري، وهذا شبيه جداً باستعانة ضباط مصر يوم 23 تموز يوليو 1952، وكانوا دون رتبة المقدم "بكباشي" باللواء محمد نجيب.

الطرفة السابعة: في أوائل شباط 1963، كان حديث الشارع في دمشق أن زياد الحريري سيقوم بانقلاب اليوم أو غداً، أو الذي يليه. علماً أن زياد الحريري مثل محمد نجيب، لم يكن سوى واجهة سرعان ما تخلى الضباط الأحرار عنه.

(ملاحظة: محمد نجيب وضعه عبد الناصر تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته، والحريري عينوه سفيراً لسوريا في باريس).

الطرفة الثامنة: يروي الأديب المصري علاء الأسواني، في إحدى ندواته المصورة بعض الحكايات المتعلقة بالطريقة الارتجالية التي كان عبد الناصر يدير بموجبها الدولة المصرية، وآلية تفكير المؤيدين له (المنحبكجية)، فيقول إن عبد الناصر ألقى خطاباً بعد الانفصال عن سوريا، قال فيه:

- أصدرتُ قبل قليل أمراً إلى قواتنا المسلحة الباسلة، بالتوجه إلى الإقليم الشمالي، لاستعادة الوحدة العربية من الانفصاليين السوريين.

استمر التصفيق لعبد الناصر بعد هذا التصريح العظيم نحو عشر دقائق.

بعد انتهاء التصفيق قال:

- ولكنني، وحرصاً مني على حقن الدم العربي في سوريا، أمرت القوات بالعودة إلى ثكناتها.

استمر التصفيق لهذا التراجع العظيم عشر دقائق أخرى!