خلال السنوات الماضية، برز اسم حكمت الهجري كأحد الشخصيات الدينية في محافظة السويداء جنوبي سوريا، وقد انتقل حضوره خلال العقد الأخير من موقع المرجعية الروحية للطائفة الدرزية إلى مساحة أوسع من التأثير السياسي والاجتماعي، إذ تدرّج موقفه من الحياد المعلن في السنوات الأولى للثورة السورية إلى الاصطفاف مع نظام الأسد المخلوع، ثم الانخراط التدريجي في الحراك المدني المناهض للنظام السابق، ثم تحوّل لاحقاً إلى أحد الأصوات الرافضة لسياسات الحكومة الجديدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، التي تشكّلت بعد سقوط الأسد في نهاية عام 2024.
يستعرض هذا التقرير المسار الديني والسياسي للشيخ حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل للطائفة الدرزية في السويداء منذ عام 2012، وانتقل تدريجياً إلى لعب دور في الشأن العام المحلي، لا سيما خلال سنوات الاحتجاجات التي شهدتها المحافظة، وما أعقبها من تحوّلات سياسية بعد سقوط النظام المخلوع في نهاية عام 2024.
يتناول التقرير الخلفية الشخصية للهجري، بما في ذلك نشأته في فنزويلا، ومسيرته التعليمية في دمشق، وتوليه المرجعية الدينية، إلى جانب السياق الذي رافق بروز دوره في الشأن العام، ضمن محافظة تتّسم بتعدد المرجعيات الدينية والسياسية.
كما يرصد المواقف التي عبّر عنها خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من التزامه بالحياد تجاه الوضع في سوريا ثم دعم الأسد، ووصولاً إلى تبنّيه مواقف علنية داعمة لمطالب المحتجّين في السويداء، مع التركيز على التحولات التي طرأت على خطابه وسلوكه السياسي بعد عدد من الحوادث المفصلية.
ويُفرد التقرير قسماً لتفاصيل العلاقة المتوترة بين الهجري والحكومة الانتقالية الجديدة، وتطورات موقفه بعد إبعاده عن المشهد الرسمي، إضافة إلى إعلانه العصيان ضد بعض السياسات المتبعة، ورفضه المشاركة في المسارات السياسية الجارية، وهو ما أثار ردود فعل داخلية متباينة.
نشأة في فنزويلا وتعليم في دمشق
وُلد حكمت الهجري في 9 حزيران 1965 في فنزويلا، حيث كان والده يعمل في التجارة، قبل أن تعود العائلة إلى سوريا ليستقر في السويداء. تلقى تعليمه الأساسي والثانوي في مدارس المحافظة، ثم انتقل إلى دمشق في ثمانينيات القرن الماضي لدراسة الحقوق في جامعة دمشق، وتخرّج عام 1990، وفق تقرير سابق لموقع "الجزيرة".
وبعد فترة عمل قضاها مجدداً في فنزويلا، عاد الهجري ليستقر في بلدة قنوات بريف السويداء عام 1998، وهي البلدة التي تحتضن مقر الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.
تولي الزعامة الروحية
في عام 2012، تولى الهجري منصب "شيخ العقل" للطائفة، خلفاً لشقيقه أحمد الهجري الذي قضى في حادث سير. ويُعد هذا المنصب رمزياً وروحياً، وهو تقليد متوارث في عائلته منذ القرن التاسع عشر، إلا أن تسلمه لهذا الموقع جاء في ظل انقسام واضح بين ثلاث مرجعيات دينية داخل السويداء، إذ يقابل زعامته في قنوات كل من الشيخ يوسف جربوع والشيخ حمود الحناوي.
من دعم نظام الأسد إلى التصعيد
في عام 2012، زار بشار الأسد بلدة قنوات في محافظة السويداء، حيث قدّم واجب العزاء لعائلة الشيخ أحمد سلمان الهجري، شيخ العقل الأول للطائفة الدرزية في سوريا.
وخلال الزيارة، ألقى شيخ العقل الجديد، حكمت الهجري، كلمة أمام الأسد عبّر فيها عن دعمه لمسيرة النظام، قائلاً: "تحوّل هذا الموقف (العزاء) إلى فرح، حضرتك الأمل، أنت بشار الأمل، بشار الوطن، بشار العروبة والعرب، الله يطوّلنا بعمرك ويأخذ بيدك".
وفي موقف لاحق، أكد الهجري على "أهمية الوقوف صفاً واحداً مع الجيش السوري في مواجهته للمجموعات الإرهابية المسلحة"، قائلاً في حديث لصحيفة "البعث" إنه "لا صحة لما تروّج له بعض قنوات الفتنة والتضليل حول الدعوة للانشقاق عن صفوف الجيش".
وورد في دراسة لمركز "جسور" عام 2020، أن الهجري أصدر عدة مواقف تؤكد على اصطفافه مع نظام الأسد، حيث استضاف وفوداً من الحشد الشعبي العراقي، وأصدر بياناً في شهر آذار 2015 طالب فيه النظام بتسليح الطائفة الدرزية، وقام بالتوسط مرات عديدة لدى القصر الجمهوري من أجل حل بعض الملفات العالقة، مثل إعادة موظفين حكوميين إلى عملهم. كما دعا الهجري في شهر تشرين الثاني 2018 أبناء الطائفة الدرزية إلى الالتحاق بالخدمة الإلزامية، عقب حادثة اختطاف 25 امرأة وفتاة من قبل تنظيم داعش، وأشرف على تشكيل فصيل محلي بالتنسيق مع فرع الأمن العسكري.
ووفق الدراسة نفسها، فإن الفصيل الذي يتبع للهجري، يقوده مساعده "أبو فخر" الذي أشرف على تشكيله بالتنسيق مع العميد في مخابرات النظام المخلوع "وفيق ناصر"، ويسانده أحد مشايخ الدروز وهو نزيه جربوع، الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع فرع الأمن العسكري في السويداء.
هذا الموقف بدأ يتغيّر تدريجياً بعد أن تعرّض الهجري لإهانة من ضابط في جهاز الأمن العسكري التابع للنظام في بداية عام 2021، ما أثار موجة غضب شعبية في السويداء، وانتهت باعتذار رسمي من دمشق.
تلك الحادثة كانت نقطة تحوّل في مسار الهجري، الذي بدأ لاحقاً بالتعبير عن انتقادات متزايدة لسياسات النظام، وتبنّى مطالب احتجاجات 2023 التي رفعت شعارات تطالب بالتغيير السياسي الشامل وخروج النظام من المحافظة.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات في السويداء خلال عامي 2023 و2024، دعا الهجري إلى التظاهر السلمي والتمسك بالحقوق الدستورية، رافضاً دعوات التهدئة التي صدرت عن مسؤولين في النظام، وأكد دعمه الكامل لمطالب المحتجين، بما فيها إنهاء الفساد، وتحقيق العدالة، وضمان الحريات العامة.
وتلقى الهجري خلال عامي 2024 و2025 اتصالات من مسؤولين أميركيين وأوروبيين، بينهم مساعد وزير الخارجية الأميركي إيثان غولدريتش، الذين عبّروا عن دعمهم للحراك السلمي في السويداء وحرية التعبير.
كما التقى الهجري بمبعوثين فرنسيين وأوروبيين، ناقش معهم سبل دعم الاستقرار في المحافظة، وتأمين حماية السكان المدنيين، ومكافحة تهريب المخدرات والسلاح.
تصاعد التوتر مع دمشق بعد سقوط الأسد
بعد سقوط نظام الأسد، لم يتردد الهجري في انتقاد الحكومة الجديدة التي أعقبت سقوط بشار الأسد، والتي عمدت بدورها إلى تقليص دور الهجري، وعزله تدريجياً عن المشهد السياسي المحلي.
ورغم استمرار تحركاته وتحذيراته من بعض قرارات الحكومة (لا سيما مؤتمر الحوار الوطني)، إلا أن الهجري لم يُدمج في وفود السويداء الرسمية التي زارت دمشق واجتمعت مع الرئيس الشرع.
في المقابل، تم إيلاء ممثّلين آخرين اهتماماً خاصّاً مثل سليمان عبد الباقي (قائد "تجمع أحرار جبل العرب") و"ليث البلعوس"، اللذين التقى بهما الشرع ضمن وفود رسمية.
مصادر محلية أفادت بأن الحكومة نسّقت سابقاً مع هذه الشخصيات (عبد الباقي والبلعوس) لتقويض هيمنة الهجري على القرار الدرزي، وتحجيم نفوذه في ملف دمج فصائل السويداء ضمن الأجهزة الأمنية والجيش، حيث ذُكر أن سيارات عسكرية وُزّعت على هذه الفصائل عبر تنسيق مباشر مع الحكومة السورية.
الهجري عبّر علناً عن رفضه لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وانتقد عدداً من الإجراءات الحكومية، ودعا إلى تدخل دولي لضبط عملية الانتقال السياسي والاستناد إلى ضمانات دولية.
الهجري بين موقفين
خلال الساعات الأولى من صباح اليوم، شكّلت ثلاثة بيانات رسمية متتالية نقطة التحول الحاسمة في مشهد السويداء. البيان الأول صدر عن قائد قوى الأمن الداخلي في المحافظة، العميد أحمد الدالاتي، الذي أعلن صراحة عن بدء دخول قوات وزارتي الداخلية والدفاع إلى مركز المدينة، وفرض حظر تجول اعتباراً من الثامنة صباحاً، داعياً الأهالي إلى الالتزام التام بالبقاء في منازلهم، كما حمّل المرجعيات الدينية وقادة الفصائل المسلحة مسؤولياتهم الوطنية، مطالباً إياهم بالتعاون الكامل مع الدولة لضمان استقرار المحافظة.
وفي تطور لافت، صدر البيان الثاني عن الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز بطلب من الهجري، ليمنح التحرك الحكومي غطاءً دينياً واجتماعياً، إذ رحّبت الرئاسة بدخول القوات الحكومية، وأكدت أن استعادة الأمن تتطلب بسط سلطة الدولة عبر مؤسساتها، داعية الفصائل المسلحة إلى عدم المقاومة وتسليم السلاح، ومطالبة في الوقت ذاته بفتح حوار جدي مع الحكومة لمعالجة تداعيات ما جرى وتفعيل مؤسسات الدولة بالتعاون مع أبناء المحافظة.
البيان الثالث، والذي جاء كرد مباشر على بيان الرئاسة الروحية، صدر مجدداً عن العميد الدالاتي، مشيداً بموقف الشيخ حكمت الهجري، وواصفاً إياه بـ"الوطني والمسؤول". ودعا البيان باقي المرجعيات والفعاليات الاجتماعية إلى اتخاذ موقف موحّد يدعم تحركات الدولة، كما توجّه برسالة صريحة إلى قادة المجموعات المسلحة، مناشداً إياهم وقف أي تحركات تعيق دخول القوات وتسليم أسلحتهم، حفاظاً على السلم الأهلي وضماناً لأمن المواطنين.
وبعد ذلك، أعلن الهجري تراجعه عن الموقف الداعم لدخول المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى محافظة السويداء، داعياً أبناء المحافظة إلى التصدّي للجيش السوري ومواجهته، قائلاً في بيان مصوّر: "بعد مفاوضات عديدة مع دمشق لم تُفضِ إلى أي نتائج أو صدق في التعامل، فُرِض علينا البيان الذي أصدرناه، بتفاصيله الكاملة، من دمشق، وبضغط من دول خارجية، بحجّة حقن دماء أبنائنا".
واتهم الهجري الحكومة بـ"نكث العهد والوعد" و"قصف المدنيين العزّل"، رغم قبوله بـ"البيان المُذل"، مضيفاً: "هذا اليوم إما أن نكون فيه سوريين ونرفض الذلّ والإهانة، وإما أن نواجه عقوداً من الذلّ والمهانة".