نزلاء المشفى 601

تاريخ النشر: 05.10.2018 | 00:10 دمشق

لا أعلم  إذا كانت أسماء  الأسد نزيلة المشفى  نفسه الذي اقتادتني إليه  المخابرات الجوية في نيسان ٢٠١٣ ,في هذا المشفى  لم نفقد حريتنا فقط بل  تلاشت معها إنسانيتنا في إحدى مهاجعه ,حيث جمعت هذه الزنزانة التي يفترض أنها مهجع للمرضى  السوريين القادمين من فروع الأمن المختلفة بعد أن فشل سجانوهم بإيصالهم إلى العالم الآخر ,أو هكذا تظن, وصلوا وقد كتب الموت على أجسادهم  فصولا" لم تكتمل فكانوا خارج القبر وخارج الحياة في الوقت نفسه , ملصق على جباههم أرقام توحدهم مع باقي السوريين فما نحن إلا أرقام" بنظر المجرم الكبير أو حمولة زائدة على ظهر السفينة السورية كما علق أحد مقدمي البرامج في إحدى راديوهات ال FM على قتل الأمن للمتظاهرين في ٢٠١١.

لم تكن الغرفة التي جمعتنا هي الزنزانة الوحيدة بل كانت  الأكبر حيث كان تحوي عشرة أسرة , كل  سرير عبارة عن  زنزانة صغيرة  يقيد إليه بالجنازير اثنان أو ثلاثة سجناء إذا كانوا من صغار الحجم  بطبيعتهم, أو ممن تقلص حجمهم نتيجة التجويع والمرض, لايغادرون سريرهم ليلا" أو نهارا" ولا حتى لنداء الطبيعة, ولهذا إن كان أحدهم مشلولا" فإنك لن تميزه إلا بالسؤال المباشر أو بعد طول ملاحظة, فالكل مقيد الحركة بمدى لايتجاوز ال50 سنتمترا" أو يزيد قليلا" ، ويحمل مفتاح القيود شاويش المهجع وهو  الوحيد المسموح له أن يتحرك  في النهار  وقبلها له أن يفك قيده إن أمره عنصر الأمن بذلك، ببداية الأمر تصيبك الحيرة بشأن  هذا الشاويش فهو يصدر الأوامر ويشتم ويتوعد وكأنه أحد سجانيك ولكنه  في نهاية اليوم يقيد نفسه بسريره دون شركاء . فهل هو شبيح مزروع بين المعتقلين أم  معتقل تحول إلى شبيح وهل هذا التحول عميق أم أنه طوق النجاة الذي تبدعه غريزة البقاء حين تجتاح جزيرة الحياة رياح الموت الأسود ؟!

لا أعلم  إذا كانت أسماء  الأسد نزيلة المشفى  نفسه الذي اقتادتني إليه المخابرات الجوية في نيسان ٢٠١٣ في هذا المشفى  لم نفقد حريتنا فقط بل  تلاشت معها إنسانيتنا في إحدى مهاجعه

لم أعرف الإجابة بادىء الأمر حيث كنت منفصلا" عن الواقع أعيش  في عالم آخر يتقاطع حينا" ويبتعد أحيانا" عن عالم الزنزانة.

لم تكن الموجودات المادية في جناح الزنزانة  إلا ما يؤدي غرض العمليات البيولوجية الأساسية فوعاء ماء الشرب وآخر شبيه  له تماما" إلا أنه زاد صفرة" بما حوى  وسلة للتغوط لم يكن هناك أمل في المهجع فقد مات مبكرا" مع تحول مايفترض أنه ملاذ السوريين من هبات المرض وحوادث الأيام إلى معتقل ومركز للإبادة .

لم أعد أفهم كلمات أذان الفجر القادمة من مسجد المزة الكبير المجاور رغم أنها غير مشوبة إلا بصمت العاصمة المريب, لم تعد شمس الصباح التي تدخل مبكرة من نافذة المهجع الشرقية الطويلة ذات الطراز القديم و الذي يعود إلى تاريخ تحسبه غير بعيد حين كانت سوريا وطنا" وكانت المشفى ليوسف العظمة قبل أن تتحول هي أيضا" إلى رقم 601 ,  كانت الشمس تدلنا على من قضى ليل البارحة فلم تعد تراود عينيه ليفتحهما في فضاءات العذاب.

لك أن تعلمي يازوجة السجان الكبير أن ممن قيد إلى جواري شاب من منطقة المزة (الشيخ سعد) أخبرني أن لديه ولدين  يبعدان عنه أمتارا" قليلة,كبعد دواء التهاب الرئة الذي لم يقدمه الممرض السجان له ليموت ليلا" ,بعد معاناة طويلة مع المرض والهزال, ويبقى بجواري للصباح التالي ليدخل أحد الزبانية ويضع لاصقا" ورقيا" على معصمه إضافة للموجود على جبهته ويقيد رقما" وبجواره "قوى جوية "، هل ستعلم زوجته وأولاده كيف قضى ؟ هل سيكون له قبر يزورونه يوما" ؟ هل لك أن تخبري  ياأسماء الاْسد زوارك من المزة عنه وعن زوجك الذي قتله ؟!

يقتلون على يد من لقب عزرائيل ومساعده أبو شاكوش (المطرقة) ولكم أن تعلموا كيفية التعذيب مما توحي به هذه الألقاب  المستحقة لعناصر الأمن العسكري

كانت الحياة تدخل لمهجعنا الزنزانة ثلاث مرات يوميا" بوجبات منهوبة بقي منها فتات خبز وغرامات من طعام  ويخرج منها  أموات فرادى نتيجة الإهمال المتعمد أو نتيجة لتعذيب بعض المرضى ليلا"حيث كنا نسمع أصوات المعذبين تترجى جلادها وأصوات أدوات التعذيب ليست لسياط بل أصوات لأدوات صلبة وبعدها يسود هدوء مخيف لايقطعه إلا صوت أحد القدامى في المهجع " الله يرحمهم".

يقتلون على يد من لقب عزرائيل ومساعده أبو شاكوش (المطرقة) ولكم أن تعلموا كيفية التعذيب مما توحي به هذه الألقاب  المستحقة لعناصر الأمن العسكري المسؤول عن المعتقلين المرضى أو بالأحرى المسؤول عن قتلهم.

كانت عبوة ماء الشرب توضع بجانب أحد المرضى غالبا" ممن فيه بقية حياة وقوة  كافية لرفعها وهي التي لاتزن أكثر من خمسة كيلوغرامات كانت لاتعبأ بانتظام لهذا لابد من التقنين  فكل عبوة مخصصة تقريبا ل ٥ أسرة بمن عليها ،و هنا في هذا الركام البشري نشأت سلطة تمنح لهذا وتمنع ذاك رشفة ماء!!

كان من روافد الحياة شوربة ينال منها المصابون ممن لديه علبة حلاوة فارغة ، لا أعلم كيف وصلت أولى العلب ربما من خلال الشاويش أو سخرة الطعام, ولكن أعلم أنها لاحقا" أصبحت من موروثات من قتل  تعذيبا" أو إهمالا" إلى من يجاوره ، مع مرور الأيام كان من لا يملك علبة الحلاوة الفارغة  ونتيجة لنقص مكياله من الطعام يقترب أسرع من غيره إلى هاوية الموت. ولم يكن هناك من علب عابرة لحدود المهجع الزنزانة.

 زارنا القمل واستوطننا فكان الحل  تجريدنا من كل ثيابنا البالية,  لنعود سيرتنا الأولى كالإنسان الأول إلا أننا لم نفقد ثيابنا فقط بل تناثرت إنسانيتنا وبدأنا نتوحش تماما" كما فعل أسلافنا البدائيون ليحموا أنفسهم من عوامل الطبيعة إلا أن توحشنا ارتد على من شاركنا القيد و رحل قبلنا  فحينما كنا نستيقظ من كابوسنا نسأل هل من محظوظ قد مات اليوم ليتبع إجابة النعم صوت لأحد الجائعين المزمنين :" هل كان عنده علبة حلاوة لأخذها "!!!

فهل هذا الوصف يطابق مشفاك يا أسماء أم أنه مشفى آخر ؟!