نزاع السارقين مع زعيم العصابة على "ملكية" سوريا

نزاع السارقين مع زعيم العصابة على "ملكية" سوريا

نزاع السارقين مع زعيم العصابة على "ملكية" سوريا
29 أيلول 2019

ما تفوه به رجل الأعمال المصري (والممثل) محمد علي عن استفحال فساد النظام المصري، ورد الرئيس عبد الفتاح السيسي عليه علناً بما يخص بناء القصور الرئاسية، تزامن تقريباً مع نشوب النزاع "العائلي" بين أقطاب النظام السوري ورجال أعماله، والذي يدور حول عشرات المليارات من الدولارات.

وهذا التزامن جاء بعد قليل من محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير بتهم السرقة والاختلاس والفساد، وتواقت مع محاكمات لعصبة السلطة الجزائرية من أقرباء عبد العزيز بوتفليقة، التي تذكرنا أيضاً بما لحق من تهم ومحاكمات لأبناء القذافي ولحسني مبارك وزوجته وأبنائه، ولزين العابدين بن علي وزوجته ليلى طرابلسي وأقاربهما..إلخ

وهذه الوقائع كلها تعيدنا إلى الموجة الأولى من الثورات التي اندلعت في مصر وليبيا وتونس واليمن والبحرين وسوريا في مطالع العام 2011، وأتت بعدها بقليل احتجاجات دون مطلب "إسقاط النظام" في العراق ولبنان والأردن والمغرب..ثم أتت الموجة الثانية في السودان والجزائر، وربما تلتحق بها مجدداً دول أخرى.

وتُختصر تلك الحركات والثورات بدافع واحد: استفحال فجور الأنظمة وفسادها. فالجامع المشترك السياسي ضعيف بين مواطني كل هذه الدول، والتفاوت الاقتصادي أو الجغرافي أو في نمط الحكم، والاختلاف في طبيعة الدساتير والتركيبة الاجتماعية وتجاربها التاريخية.. يحول دون توحدها على هذا النحو الذي دفعها سوية إلى الخروج على أنظمتها. لكن "الفساد" المشترك والمتشابه بين الأنظمة، وميلها الشره إلى تمركز الثروات في يد أهل السلطة (أسرة حاكمة على الأغلب)، واعتماد النهب المنظم والسطو على مقدرات الدولة والثروات الوطنية، جعل مواطني تلك الدول يرزحون تحت وطأة المصيبة ذاتها، بما يوحدهم في شكواهم وغضبهم.. وثورتهم تالياً.

وتماثلت دول الثورات في سلوك الأنظمة خيار "التوريث". وهو خيار يتصل أولاً باستمرار الملك على معنى حصر إرث الثروة وديمومتها في العائلة الواحدة. أي أن إصرار مبارك والقذافي وبن علي وحافظ الأسد وعلي عبدالله صالح وبوتفليقة على توريث السلطة للأبناء، رغماً عن أي دستور أو أصول حكم، لم يكن نابعاً من رغبة بقاء "النظام السياسي" وحسب، بل من غريزة صون الميراث، طالما أن البلاد وما عليها وما فيها وبباطنها هي بظنهم ملك عقاري وعياني ومادي.

هذا النوع من الأنظمة لا يشبه حتى الأنظمة الملكية أو السلطانية، التي كانت باستمرار مقيدة بحقوق التجار والنبلاء والجند والإقطاعيين وبقوانين المكوس والضرائب وحقوق الرعية المكتوبة فقهاً أو لاهوتاً أو أعرافاً ثابتة.

وهذا النوع من الأنظمة لا يشبه حتى الأنظمة الملكية أو السلطانية، التي كانت باستمرار مقيدة بحقوق التجار والنبلاء والجند والإقطاعيين وبقوانين المكوس والضرائب وحقوق الرعية المكتوبة فقهاً أو لاهوتاً أو أعرافاً ثابتة.. فقد جنحت السلطة في البلاد العربية إلى نمط غير معهود من "المصادرة" السياسية والحقوقية والاقتصادية، أتاح لها الاستيلاء الشامل وغير المقيّد على مصادر الثروة، وراحت تكدسها نهباً محموماً. وهي في الأثناء، ضربت في مجتمعها وفي مؤسسات الدولة تحولاً أخلاقياً سمته البارزة "الزبائنية" المتكسّبة، وسلوكها الدائم الفساد والاختلاس والرشوة، كسبيل وحيد للاسترزاق أو لتحصيل مكانة أو نيل وظيفة وعمل.

وعلى هذا الانحلال، استتب فجور استبدادي وطغيان بوليسي أحال الجيوش إلى قوة غاشمة موقوفة على القمع وحراسة النظام وحسب، مقابل حصة وازنة من مكاسب الفساد وامتيازات التسلط والتشبيح والسرقة.

باختصار نُكبت كل دولة عربية أشرنا إليها بـ"عصابة"، بالمعنى الحرفي للكلمة، دأبها اللصوصية والإجرام والسطو والاعتداء والانتهاك. ومع امتداد بل تأبّد بعض هذه العصابات في الحكم، جذّرت فساداً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً وثقافياً أشبه بمرض عضال يستلزم علاجه آلاماً ومعاناة لزمن طويل.

في العام 2008 كانت ثروة رامي مخلوف تُقدر بنحو ستة مليارات دولار. وفي العامين الأخيرين، ورغم كل ما أنفقه لتمويل حرب بشار الأسد، باتت ثروته تناهز 26 ملياراً. أما سامر فوز ورغم عدم وجود تقدير محدد لثروته، إلا أنه لا يقل اكتنازاً للمليارات عن مخلوف. وإلى جانبهما، هناك أبناء أعمام الأسد وأقاربهم، إضافة إلى الإخوة والأصهرة، عدا بشار نفسه وزوجته. هؤلاء جميعهم يحوزون ما يفوق كل الناتج الوطني السوري وما في خزينة الدولة وممتلكاتها.

تهيمن هذه العصابة على كل تفاصيل وأوجه النشاط الاقتصادي: السيارات، السياحة، العقارات، مواد البناء، الصيد البحري، شركات الطيران، النفط والغاز، القطاع المصرفي برمته، الإعلام، التعليم، معظم الصناعات، الاستيراد والتصدير، الوكالات الحصرية.. لا يوجد أي نشاط ربحي ليس في حوزتهم.

على المنوال الأسدي وبأوجه متفاوتة، حدث الأمر ذاته في اليمن ومصر وتونس وليبيا والجزائر..إلخ. وهذا ما حاوله أيضاً ولي العهد السعودي، حين "استضاف" كبار رجال الأعمال والأمراء في فندق الكارلتون – ريتز.

يبدو أن بشار الأسد حذا حذو الأمير السعودي أخيراً، إذ بدأ وزوجته حملة استيلاء محمومة على ما جمعه أفراد العصابة من الأقارب والمقربين، ضماناً لحصر الثروة والمنهوبات بيد ذرية أسماء الأسد ووراثتهم ملكية سوريا.

ويبدو أن بشار الأسد حذا حذو الأمير السعودي أخيراً، إذ بدأ وزوجته حملة استيلاء محمومة على ما جمعه أفراد العصابة من الأقارب والمقربين، ضماناً لحصر الثروة والمنهوبات بيد ذرية أسماء الأسد ووراثتهم ملكية سوريا، فوضع في الإقامة الجبرية بعضهم وطارد البعض الآخر وسجنهم، أو رضخ آخرون فسلموه ما يملكون. وهذه أصلاً في سيرة كل عصابة، أي أن ينهش أفرادها بعضهم بعضاً.

ونقمة بشار وأسماء على شركائهما ليست وليدة خلاف "مجلس إدارة" أو نزاع على الحصص. فأولئك الشركاء المليارديريون، عملوا وحصّلوا أموالهم بدعم مباشر من أجهزة المخابرات وبأوامر من القصر الرئاسي وبإرادة الرئيس نفسه. النقمة وليدة رغبة الزوجة بنقل "ملكية" سوريا إلى أبنائها دون سائر أفراد العصابة، الذين إن بقوا على ثرواتهم قد يحوزون قوة ونفوذاً تحفزهم على الطمع بالسلطة نفسها.

صرخ ريتشارد الثالث (شكسبير): "مملكتي مقابل حصان" طلباً للهرب والنجاة. وهذا ما حاوله القذافي وبن علي ومبارك وصالح والبشير وبوتفليقة.. وأقاربهم. هذا ما حاوله "رجال أعمال" وأمراء. بل هذا ما صرخه ذات يوم رفعت الأسد وأبناء جميل الأسد، وها هم من حول بشار الأسد الآن في المقايضة ذاتها.

مصيبتنا أن نهاية "ريتشارد الثالث" عندنا غالباً ما تؤذن بقدوم ريتشارد أسوأ، وما يلي نهاية فجور هو ابتداء فجور أفحش وأشره

مقالات مقترحة
إعلام النظام: لجان المحروقات تزيد الأزمة والكازيات تسرق المادة
جنوبي سوريا: أزمة البنزين تتفاقم والخبز لا يصلح للاستهلاك البشري
أزمة الوقود في سوريا.. دمشق مدينة أشباح لثلاثة أيام في الأسبوع
السعودية.. عودة تدريجية لـ زيارة البلاد وأداء العمرة
33 حالة شفاء من فيروس كورونا و13 إصابة جديدة في شمال غربي سوريا
مستشفى الأسد الجامعي يُخفض عدد الأسرّة المخصصة لمرضى كورونا