نحو برنامج للعدالة الانتقالية في اتحاد الكتاب في سوريا

2025.10.21 | 05:06 دمشق

آخر تحديث: 21.10.2025 | 05:06 دمشق

636546
+A
حجم الخط
-A

العدالة الانتقالية مفتاح للمستقبل في سوريا الجديدة، حيث لم تنته الثورة بل تعاد صياغتها تبعاً لمتطلبات ما بعد استلام الحكم، وحاجة المجتمع، ومرحلة إعادة بناء الدولة وتخليصها من الإرث الاستبدادي.

ويقصد بالعدالة الانتقالية ثقافياً، في إطار اتحاد الكتاب العرب في سوريا، تلك الإجراءات التي يمكن القيام بها حالياً، لمعالجة الخلل الذي قامت به القيادات السابقة في الاتحاد، أو ارتكابات أعضاء الاتحاد بحق مفهوم الكاتب والكتابة، أو القيام بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

وتحقيق العدالة الانتقالية يحتاج إلى إجراءات قانونية واجتماعية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسة من خلال إلغاء قوانين، واستبدالها بقوانين أخرى. ومن المهم الإشارة إلى أن العدالة الانتقالية محطة لتعزيز ثقافة العدل والمساواة وليس الثأر وإقصاء الخصوم، وكذلك تعزيز ثقة الأعضاء بمنظمتهم وتعزيز المصداقية، واحترام حقوق الإنسان، والتعددية والمساواة إضافة إلى جبر الضرر، الذي وقع على كتاب آخرين أو على المجتمع السوري عامة من خلال القيام بأفعال أثرت على المجتمع السوري أو هزت صورة الأديب وموقعه.

يؤمن اتحاد الكتاب العرب بأن جزءاً من الحلول في مراحل ما بعد النزاع يكون بترك الأبواب مفتوحة من أجل جبر الضرر وتصحيح المسار والاعتراف والتراجع عن الخطأ.

تنبع الحاجة إلى عدالة انتقالية في اتحاد الكتاب في سوريا نظراً لتعقيدات المشهد في تلك المؤسسة، حيث فُصل عدد من أعضائه لوقوفهم إلى جانب ثورة السوريين وتم قبول أعضاء لوقوفهم مع النظام البائد، وكذلك مشاركة عدد من الأعضاء بعمليات قتل السوريين بشكل مباشر، أو تسويغ المجازر وتأييدها وعمليات القتل، والدعوة لإبادة المدن وتأييد المجازر أو الإشادة بمجزرة ما وتأييد الجيش القاتل.

ومن جهة أخرى تم إصدار كتب عن الاتحاد تشيد بالمجازر وعمليات القتل وكذلك التشبيح للنظام السابق، والتحريض على العنف والكراهية وتأييد رأس النظام، وتأليف كتاب عن القاتل أو أبيه أو تأليف كتاب عن أحد قتلة الشعب السوري.

كذلك الوشاية بالزملاء وكتابة التقارير والظهور على التلفزيون للإشادة بالنظام، والتشبيح في الحياة اليومية والتضليل الإعلامي والتشهير والتخوين بمن وقف مع الثورة، والسكوت المتواطئ (الرمادي) من خلال الاستفادة من النظام البائد والمشاركة في اللجان القمعية أو حملات نزع الشرعية عن الحراك السلمي.

حرصاً على عدم تكرار الأخطاء السابقة، واحتراماً لتاريخ سوريا، ورغبة في تكريس سبل العيش المشترك، وبعد التعرف إلى تجارب العدالة الانتقالية الثقافية الأخرى، ومشاركة في بناء دولة المؤسسات والقانون يحرص اتحاد الكتاب العرب في سوريا على إطلاق مسار عدالة انتقالية خاص به، لتحديد الأخطاء والجنايات لمن خالف أنظمة الاتحاد وشرعة الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، أثناء مرحلة الثورة السورية وصولاً إلى لحظة الانتصار.

يؤمن اتحاد الكتاب العرب بأن جزءاً من الحلول في مراحل ما بعد النزاع يكون بترك الأبواب مفتوحة من أجل جبر الضرر وتصحيح المسار والاعتراف والتراجع عن الخطأ من قبل الكتاب الذين ارتكبوا أخطاء أو جرائم بشكل مباشر أو غير مباشر، لذلك ستترك مرحلة زمنية من أجل الإقرار بالذنب وتقديم مقترحات لكيفية رفع الضرر عمن وقع عليهم ضرر بشكل شخصي أو بصيغتهم الاعتبارية، بهدف بناء المجتمع وعدم الانشغال بروح الثأر، أو أخذ الشخصيات التي ارتكبت أخطاء إلى زاوية العدم أو الانتحار، مع إدراك الاتحاد بأن حق رفع الدعوى الشخصية مكفول لمن تعرض لضرر مباشر، وأن أنواع الأخطاء والجرائم مختلفة ولها مراتب.

تختلف العقوبات المقترحة التي يطرحها المختصون من العزل الأدبي إلى الصمت إلى تحريك الدعوى القصائية، دون أن تفوتنا العقوبات الأخلاقية الأدبية والإعلامية والمجتمعية ويتمثل عدد منها في تقديم خدمات اجتماعية عامة كتعويض عما قام به أولئك الكتاب بحق الآخرين في باب جبر الضرر الثقافي والأدبي وربما يصل إلى تأليف كتب أو التراجع عن أفكار كتابياً، والاعتذار والتوقف عن الأنشطة الثقافية والإبداعية لسنوات وعدم الظهور على الإعلام والمنع من النشر أو الترشيح والانتخاب وسحب الجوائز الأدبية وكذلك العقوبات المهنية المتنوعة من ترقين القيد إلى تعليق العضوية فترة من الزمن إلى الفصل النهائي.

العدالة الانتقالية الثقافية تدور في محاور عدة: تنوع الجرائم والمخالفات المرتكبة، العقوبات المقترحة: المهنية والقانونية والاجتماعية والأخلاقية وآليات جبر الضرر وتصحيح المسار.

يطرح كثيرون فكرة الخوف من النزعات الثأرية، وأنه يجب ألا يكون الإصلاح المؤسساتي إصلاحاً ذا طبيعة سلطوية؛ فيعيد إنتاج الحالة السابقة ذاتها، بحيث يجب أن تكون الحالة الجديدة ضامنة للحقوق، ولديها آليات شفافة للتراجع والعودة للإصلاح في حال الوقوع في الخطأ، مع الإدراك أن هناك تحدياً كبيراً ناجماً عن نقص الموارد البشرية والخبرات المتعلقة بالعدالة الانتقالية، خاصة أن حجم المتضررين كبير وهناك تنوع فيما أصابهم، وإقرار منظومة تشريعية وقانونية يتطلب وقتاً طويلاً.

لدى المنظمات عامة حيز من سرعة القرار والمرونة في تحقيق العدالة الانتقالية الثقافية أكبر من الجهات الحكومية المباشرة، إلا أنه قبل البدء به، لا بد من التشاور مع نفر كبير من أعضاء الاتحاد أنفسهم، في أفضل الآليات التي تنصف المتضررين، وكذلك لا تعيد إنتاج المنظومة السابقة، وفي الأحوال كلها ينبغي الاسترشاد بتجارب الدول الأخرى وكذلك في استراتيجيات السلطة الجديدة عامة ومراماتها وما يلائم كل مجتمع من المجتمعات.

العدالة الانتقالية الثقافية تدور في محاور: تنوع الجرائم والمخالفات المرتكبة، العقوبات المقترحة: المهنية والقانونية والاجتماعية والأخلاقية وآليات جبر الضرر وتصحيح المسار.

وفي كل عنصر من العناصر السابقة تفاصيل تختلف باختلاف الحالة إلا أن هناك استراتيجيات متقاربة لها علاقة بحقوق الإنسان والتراجع عن الخطأ وتقديم الاعتذار ليس من أجل الكاتب ذاته أو المؤسسة بل من أجل مستقبل هذه البلاد ووفاء لتاريخها ومشتركاتها.