أدركت تركيا في مطلع الألفية أن رسائل الماجستير والدكتوراه ليست مجرد متطلب أكاديمي للحصول على شهادة، وإنما تمثل ثروة معرفية وطنية يجب الحفاظ عليها وإتاحتها للمجتمع العلمي حول العالم، بكون الرسائل تلك تعكس قيمة البلاد المعرفة والبحثية، وتشير لتقديم تركيا الأكاديمي في التوقيت ذاته.
ومن هذا المنطلق أنشأت "YÖK Ulusal Tez Merkezi" التابع لمجلس التعليم العالي التركي، والذي يقوم بجمع وأرشفة وإتاحة الرسائل الجامعية على مستوى البلاد ضمن قاعدة بيانات وطنية موحدة ومنظمة يستطيع كل الباحثين والجامعات حول العالم الوصول لها، وتتيح كذلك الوصول لرسائل مسؤولين كبار في الدولة التركية، حيث تعود بدايات المشروع إلى ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول تدريجياً إلى منصة رقمية مفتوحة تخدم الباحثين والطلاب وصناع القرار.
في المقابل، ما تزال سوريا تعاني من غياب نظام وطني مماثل وذلك بسبب الرقابة الأمنية الشديدة التي كان يفرضها نظام الأسد خلال الحقبة السابقة، وعلى الرغم أن الجامعات السورية الحكومية والخاصة تنتج سنوياً عشرات وربما مئات رسائل الماجستير والدكتوراة في مختلف الاختصاصات، لكن هذه الرسائل تبقى حبيسة المكتبات الجامعية في أدراج الأقسام العلمية، وفي الغالب تنسى وتفقد قيمتها مع الوقت، وهذا لعل السبب الرئيسي الذي أدى إلى تراجع القيمة العلمية لدى الجامعات السورية، كجزء من عقلية الفساد والمحسوبيات والخوف والرقابة التي سيطرت على المشهد المعرفي لسنوات طويلة.
ودفع هذا النظام، لتساهل الطلاب في العمل العلمي الأكاديمي، ولا سيما في الرسائل وجعل رسالة الماستر أو الدكتوراة في سوريا مجرد مادة يتطلب النجاح فيها لا رسالة أكاديمية سيقرؤها ربما صناع القرار حول العالم، والباحثون والطلاب والمهتمون، كون الوصول لها يعتبر صعباً جداً، وبالتالي أسس ذلك لبيئة يسودها التهاون، وضعف الصرامة، والأصالة البحثية.
لذا، النتيجة الطبيعية لذلك هي ضياع جزء كبير من المعرفة السورية المنتجة داخل رفوف الجامعات، وعدم استفادة الباحثين اللاحقين منها، فضلاً عن تكرار الموضوعات البحثية بصورة مستمرة دون رقابة أكاديمية، فكم من طالب ماجستير بدأ العمل على موضوع معين ليكتشف بعد أشهر أن رسالة مشابهة نوقشت قبل سنوات في جامعة أخرى أو في الجامعة ذاتها، دون أن يعلم بوجودها، وكم من دراسة مهمة تناولت قضايا اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية سورية وانتهى بها المطاف داخل أرشيف مغلق لا يطلع عليه أحد، هذا ما عدا أن طبيعة الرسائل في المجمل فيها إشكاليات كبيرة ومؤدلجة سياسياً لصالح النظام المخلوع، مما أدى إلى غياب التراكم المعرفي والأكاديمي في سوريا وأسس لبيئة أكاديمية معيارها الأساسي الفساد.
لا يتطلب المشروع استثمارات مالية ضخمة مقارنة بالعائد المتوقع منه، فالبنية التقنية اللازمة لإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية أصبحت متاحة ومنخفضة الكلفة نسبياً
تمتد المشكلة إلى التأثير على مؤسسات الدولة نفسها فالكثير من رسائل الدراسات العليا تتضمن بيانات ميدانية، واستطلاعات رأي، وتحليلات اقتصادية واجتماعية، وحلولاً مقترحة لمشكلات عامة، وهي معلومات يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة لصناع القرار والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص لكن غياب منصة وطنية لجمع هذه المعرفة يجعلها غير مرئية بالنسبة للجهات التي يمكن أن تستفيد منها، بكون الرسائل ما إن خضعت لمعايير أكاديمية ذات جودة عالية يمكن أن تشكل كبرى البيئات البحثية في سوريا.
لهذا السبب، تبدو الحاجة ملحة اليوم لإنشاء مركز وطني سوري للرسائل الجامعية يكون بمثابة الذاكرة العلمية للدولة السورية، ويخضع لمعايير صارمة وأصيلة، ويجعل عملية الحصول على الماجستير والدكتوراة في سوريا ذات قيمة علمية كبيرة ولا يسودها التهاون، ويمكن أن يتبع هذا المركز لوزارة التعليم العالي على أن يتولى جمع وفهرسة وحفظ جميع رسائل الماجستير والدكتوراة التي تنتجها الجامعات السورية ضمن نظام الرسائل، كما لا يتطلب المشروع استثمارات مالية ضخمة مقارنة بالعائد المتوقع منه، فالبنية التقنية اللازمة لإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية أصبحت متاحة ومنخفضة الكلفة نسبياً، كما أن عملية الأرشفة يمكن أن تتم تدريجياً بدءاً من الرسائل الجديدة ثم الانتقال إلى رقمنة الأرشيفات القديمة.
ومن المهم في مكان، اعتماد آلية علمية صارمة من حيث الشكل والمضمون وتوحيد الإطار الأكاديمي لكل الرسائل وفق المعايير العلمية العالمية، والانتقال نحو رفع نسخ رقمية من الرسائل إلى المنصة الوطنية شرطاً أساسياً لاستكمال إجراءات منح الدرجة العلمية، بحيث تتولى الجامعة أو الباحث تحميل النسخة النهائية المعتمدة مع بياناتها الأساسية، مثل اسم الباحث والجامعة والمشرف والكلمات المفتاحية والملخص وسنة المناقشة، ورقم أكاديمي خاص ضمن منصة ORCID ويمكن أن يربط بشكل تلقائي مع الرسالة.
كما يمكن السماح بدرجات مختلفة من الإتاحة فبعض الرسائل يمكن نشرها كاملة للعموم، بينما يمكن فرض حظر مؤقت على بعض الرسائل الحساسة المرتبطة ببراءات اختراع أو مشاريع تجارية أو لاحقاً عندما يصبح صاحب الرسالة مسؤولاً حكومياً رفيعاً، على أن تصبح متاحة لاحقاً بعد انتهاء فترة التعليق، ولا بدّ أن توفر الجامعات إطاراً رقابياً عالياً على الرسائل عبر كشف مستويات الانتحال العلمي في الرسائل من خلال برامج خاصة لا سيما برنامج Turnitin بحيث تعرض في نهاية كل رسالة مستوى ودرجة الانتحال كجزء من الشفافية العامة والأخلاقية البحثية، ويتم اعتمادها في ملف الرسالة نفسه. وفي حال كانت درجة الانتحال خارج المعدلات الطبيعية يتعرض الطالب لمسألة يمكن أن تصل إلى الفصل.
الاطلاع على الدراسات السابقة يساعد الباحثين على تطوير أسئلتهم البحثية والانطلاق ما وصلت إليه الرسائل من أسئلة سابقة، وتحسين مناهجهم العلمية والوصول إلى نتائج أكثر تقدماً
وفق ذلك، إن وجود قاعدة بيانات وطنية للرسائل الجامعية سيحقق العديد من المكاسب المهمة: أول هذه المكاسب يتمثل في الحد من التكرار غير الضروري في الأبحاث، إذ سيتمكن الباحثون من معرفة ما أُنجز سابقاً والبناء عليه بدلاً من إعادة إنتاجه من جديد، أما المكسب الثاني فهو رفع جودة البحث العلمي، لأن الاطلاع على الدراسات السابقة يساعد الباحثين على تطوير أسئلتهم البحثية والانطلاق ما وصلت إليه الرسائل من أسئلة سابقة، وتحسين مناهجهم العلمية والوصول إلى نتائج أكثر تقدماً، في حين، يتمثل المكسب الثالث في تعزيز العلاقة بين الجامعة والمجتمع، فالجامعات لا ينبغي أن تكون مؤسسات معزولة تنتج المعرفة لنفسها فقط كنوع من الإجراء البيروقراطي-الإداري، وإنما يجب أن تكون جزءاً من عملية صناعة السياسات العامة وحل المشكلات الوطنية، وعندما تصبح الرسائل الجامعية متاحة وقابلة للبحث والاستفادة تتحول الجامعات إلى مصدر فعلي للمعرفة التطبيقية التي تحتاجها الدولة والمجتمع. كما أن إنشاء مركز من هذا النوع سيسهم في حماية الملكية الفكرية للباحثين، إذ تصبح الرسائل مؤرخة ومسجلة ومؤرشفة رسمياً، وهو ما يقلل من حالات الانتحال أو إعادة استخدام الأفكار دون الإشارة إلى أصحابها.
ومن زاوية أخرى، فإن سوريا تدخل اليوم مرحلة جديدة تتطلب إعادة بناء المؤسسات وتطوير التشريعات والسياسات العامة وإطلاق مشاريع التنمية وإعادة الإعمار، وهذه المرحلة تحتاج إلى المعرفة بقدر حاجتها إلى الموارد المالية، في ظل وجود عدد من المراكز البحثية التي يمكن الاستفادة منها في تنظيم الملف وكذلك في ظل عودة الرأسمال الأكاديمي السوري من الجامعيين الذين درسوا في جامعات تركية وغربية مختلفة. وقد تبدو فكرة إنشاء مركز وطني للرسائل الجامعية قضية تقنية أو أكاديمية بحتة، لكنها في الحقيقة قضية تتعلق بإدارة المعرفة الوطنية وتسخيرها في المرحلة الانتقالية من أجل بناء مؤسسات الدولة، وبدء عودة سورية كدولة منتجة للمعرفة. فالدول لا تبنى بالموارد الطبيعية فقط، وإنما تبنى أيضاً بقدرتها على إنتاج المعرفة وحفظها وتداولها والاستفادة منها.
لقد نجحت تركيا في تحويل الرسائل الجامعية من وثائق منسية داخل المكتبات إلى مورد معرفي متاح للباحثين والمؤسسات عبر منصة وطنية موحدة، وربما يكون الوقت مناسباً لأن تبدأ سوريا التفكير في مشروع مشابه، ليس من أجل تقليد تجربة ناجحة فقط، بل كذلك من أجل حماية ذاكرتها العلمية لا سيما تلك التي تشكلت خلال الثورة السورية في جامعات الشمال السوري، أو حتى للباحثين والأكاديميين السوريين خارج سوريا، وضمان ألا تضيع سنوات طويلة من الجهد البحثي.
في حديثه عن إدلب.. ماذا تعني إشارة الرئيس الشرع لأهمية مراكز الدارسات؟
نحو إنشاء المركز الوطني السوري للرسائل الجامعية: الاستفادة من تجربة تركيا
من يمتلك شرعية تمثيل السوريين في تركيا عبر "الجالية"؟
عندما يُهمل العلم تكثر الرايات
هل للنصر ألفُ أب؟ أمّا الثورةُ فيتيمة؟